الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على طريق الجسد الواحد
إلى
مركز اليابسة على الأرض مكة المكرمة
فضيلة الشيخ
عثمان الصالح
رئيس الحرير
تلقف العدد الأول من مجلة البحوث الإسلامية، طلاب العلم والعلماء والأدباء من مختلف أقطار العالم الإسلامي، والمراكز الإسلامية فيما سواها من البلاد.
ولقد فرض منهج الشكر النابع من أخلاق الإسلام، أن نتقبل هذا الفيض من الرسائل بالامتنان والتقدير العميق والفحص المتأني.
راجين أن تعتبر كلمتنا هذه احتفاء بكل رسالة من هذه الرسائل على انفراد. . لأننا هكذا تلقيناها. . وكذلك أعملت آثارها في نفوسنا.
ولقد كنا ندرك أن هذه الحفاوة البالغة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. . إنما تعكس ضمنا تلك العواطف الدفينة المتجذرة التي يحملها الشعب الإسلامي في مختلف أوطانه لما يصدر من العمل الإسلامي من مهبط وحيه وبقرب الأرض التي شهدت خطوات رسوله صلى الله عليه وسلم ومعاناته لنشر الرسالة الكريمة التي يدينون بها ويحسون كلما أخذت الأزمات بخناق العالم بحاجتهم الماسة لتطبيقها في حياتهم. .
ولقد: توج هذه الرسائل رسالتان كريمتان من القيادة الإسلامية خادمة الحرمين الشريفين. .
أولاهما: من جلالة الملك خالد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية.
والثانية: من صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي عهدها الأمين.
وهما يدلان على الاهتمام الأصيل والتوجه الخالص المتعمق لتمتين الترابط بين أجزاء الوطن الإسلامي من المنطلق الديني الأصيل، وبواسطة علمائه ورجال الفكر فيه. .
وتنطلق الدعوة التي تهيب بعلماء المسلمين ورجال الفكر أن يضاعفوا " جهودهم " و " جهادهم " في الدعوة إلى الله في كل مجال ومكان.
تنطلق هذه الدعوة من " المركز " الذي يتجه إليه المسلمون.
ثمانمائة مليون مسلم. . . .
خمس مرات، في خمس صلوات، تجمع أطراف الليل والنهار. . أي زمن الحياة كلها، وتوجه قوى العقل والقلب لمركز واحد.
وهو ليس مركز العالم الإسلامي وحده. .
بل هو " مركز اليابسة على الأرض ". . طوعا أو كرها. . !!
ممثلا في " أم القرى ". . مكة المكرمة. . .
* * *
ولعله من حسن الطالع ومجلتنا تتخذ طريقها كي تصبح منبرا هذا مركزه. . وذلك الوطن والشعب الإسلامي وجهته، أن ينشر فيها هذا البحث يدلل على هذه الحقيقة. .
وهي حقيقة هائلة لها أبعادها الروحية والفكرية والمادية التي سوف تسطع بمرور
الأيام. .
إذن فكأنما هذا هو قدر هذه المملكة. .
مركز الإسلام فيها وهو مظلتها. . ومصدر استراتيجيات مستقبلها. تحميه ويحميها وهي راضية به. . رضا المؤمن الواثق.
وهي تسعى إليه ويعلنه قادتها. .
في وقت يقف فيه معظم بني الإنسان على مفترق الطرق. .
بسبب النشاط المتزايد يوما بعد يوم من قوى الإلحاد التي تسيرها الصهيونية باذلة كل جهد في سبيل التشكيك في القيم الروحية، وخاصة العقيدة الإسلامية ".
* * *
ولذا: فلم تكن مصادفة أن ينعقد بهذه الديار المقدسة. . في مكة أو قريبا من بطاحها. .
ثلاثة مؤتمرات إسلامية فيما لا يتجاوز عاما واحدا.
المؤتمر العالمي لرسالة المسجد: عقدته رابطة العالم الإسلامي وعلى رأسها فضيلة الشيخ محمد صالح قزاز، وبتوجيه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة آنذاك، والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي: الذي دعت إليه جامعة الملك عبد العزيز وعلى رأسها سعادة الدكتور محمد عمر الزبير.
المؤتمر العالمي الأول للتضامن الإسلامي في مجالات التكنولوجيا: في مجالات التكنولوجيا الذي نفذته جامعة الرياض وعلى رأسها الدكتور عبد العزيز الفدا.
مؤتمر عالمي للفقه الإسلامي: تسهر عليه الآن جامعة الإمام محمد بن سعود، وعلى رأسها العالم الجليل الدكتور عبد الله التركي. .
* * *
ولو اقتصرت الفائدة في هذه المؤتمرات على هذا التلاقح الفكري بين العلماء المسلمين من مختلف أقطار الأرض - يسرت لهم المملكة العربية السعودية هذا اللقاء - لكان في ذلك الكفاية. . ولكن الفائدة أخطر وأجل.
ذلك أن تلاحم وتمازج عقول النخبة من المفكرين والعلماء، في موضوعات محددة اختيرت بعد دراسة لكي يقدموا أبحاثهم فيها.
ثم هم بعد ذلك يلتقون فيتحاورون في حلقات لقاء العلماء، فيخلصون إلى نتائج. . هذه النتائج تنعكس حتما في بلادهم، وفي برامج جامعاتهم، ومؤلفاتهم، وفي توجيه ما يختار للباحثين للحصول على العالمية " الدكتوراه ".
ثم إن هذه النتائج تنعكس من بعد في دورة الثقافة العامة في جسم الأمة كله.
هذه أمثلة. . وأمثلة أخرى كثيرة يعرفها من يتابع فيقرأ البحوث التي قدمت هذه المؤتمرات ويناقش أعضاءها.
هذا ذكر رأيناه ضرورة شكر على واجب. واجب أداه ويؤديه.
كل من فكر في هذه المؤتمرات وحدد غاياتها.
كل من سهر على الإعداد لها.
كل من ساهم بالمشاركة فيها. . قل قدر هذه المشاركة أم كبر.
كل من قام على أمانة تنفيذ توصياتها، أو أنجز شيئا من المشروعات المتولدة عنها.
كل من بذل عطاء مخلصا فأجهد فكره أو أنهك جسده.
ثم هو أيضا للدولة وقادتها المخلصين الذين يشملون هذه المؤتمرات برعايتهم، فكرة وتنفيذا وتوصيات.
* * *
لقد أتى على المسلمين حين من الدهر فقدوا فيه مزايا الجسد الواحد. . فإذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وأحسب أن في هذه المؤتمرات صورة من صور استعادة إحساس " الجسد الإسلامي الواحد " بنفسه. . .
ولقد أتاحت لي الدعوات الكريمة التي تلقيتها بمزيد من الغبطة والسرور لحضور هذه المؤتمرات. . الفرصة المواتية لمتابعة أعمالها وأعمال لجانها.
ولقد وجهت جانبا كبيرا من اهتمامي لمتابعة الروح السائدة في تلك المؤتمرات وكان للقاءات الجانبية العديدة للعلماء من مختلف بقاع الأرض. . أثرها البعيد في إدراكي للأمل الذي يزخر به باطن العالم الإسلامي. .
كما تفتحت في هذا الجو المشبع بالعلم والعمل موضوعات وأهداف تجعل من هذه المجلة " ملتقى " أو " مؤتمرا دائما " للفكر الإسلامي الدولي. .
* * *
ولقد كان للأبحاث التي نشرتها هيئة كبار العلماء صداها العميق في مختلف المجامع العلمية الإسلامية. .
الأمر الذي يؤكد دور علماء هذه المملكة إلى جانب إخوانهم من العلماء في مختلف أنحاء الوطن الإسلامي. . في بذل المعرفة ومعالجة ما يستجد من المشاكل في المجتمع الإسلامي، بحيث يتابع الفقه الإسلامي كل جديد من شئون الحياة، على أساس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما لا يسعني إلا أن أوجه الشكر لأصحاب الأقلام الجليلة التي ساهمت في كلا العددين: الأول والثاني، وأحسب أن هذه الرسائل التي تلقيناها إنما هي موجهة أصلا لفكر علمائنا الكرام الذين ساهموا في الكتابة إلينا. . .
* * *
كما أنه يسرني أن أوجه الثناء والتقدير للقالب الجديد للمجلة الإسلامية الذي أبرزه التنسيق والتنظيم والإخراج. . الذي أثبت أن تقدم المادة العلمية لا يتنافى مع هذه اللمسات الجديدة، ذلك أن الجمال عنصر أساسي، أبدعه الحكيم العزيز في صياغته المعجزة للكتاب الكريم (1) فلم تكد تخل آية من الكتاب من الإعجاز في استخدام اللون أو الحركة أو الجرس، سواء في مشاهد القيامة أو عروض السماوات والأرض والجبال والبحار والأشجار والدواب، إلى كل ما يزخر به عالمنا. . ما نعلم منه وما لا نعلم.
* * *
وإذا كنت والمسئولون عن المجلة نذكر لسماحة الشيخ الجليل إبراهيم بن محمد آل الشيخ، مساندته، وعونه وإشرافه وتوجيهه وريادته لإصدار العدد الأول من هذه المجلة وقد تشرف اليوم بوزارة العدل وزيرا فإنني لا أنسى ولن أنسى العون الإيجابي والريادة القوية فكريا وعلميا وموضوعيا لسماحة الرئيس الجليل معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الذي كان معنا ولنا كما كان سلفه الصالح.
وإنني لآمل أن يتحقق على يديه ما نصبو إليه لتكون المجلة المجلة مجلة العالم الإسلامي أجمع لحل المشاكل والإرشاد الواثق في دينهم ودنياهم.
(1) انظر التصوير الفني في القرآن للمرحوم الأستاذ سيد قطب.
وبعد: فإن هذه الأسطر تعتبر رسالة ودعوة مفتوحة لكل العلماء والمفكرين والباحثين المسلمين للمشاركة بعلمهم في مجابهة مشاكل عالمهم والعالم الإنساني قاطبة. .
نداء إليهم للقيام بواجب العلماء لأمة كانت أول كلمة أنزلت على رسولها صلى الله عليه وسلم: اقرأ. .
ولا شك أنه مما يزيد حماس العلماء وإحساسهم بثقل الأمانة المفروضة عليهم إدراكهم لنسبة الأمية في هذه الأمة والتي قد تتجاوز 70% على وجه العموم. .
في عالم يتسابق إلى المعرفة.
والمعرفة هي وسيلة الحكم والتحكم.
* * *
(1) سنن الترمذي العلم (2676)، سنن ابن ماجه المقدمة (44)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 126)، سنن الدارمي المقدمة (95).