الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الهجاء في شعر حسان
كان الباعث على التهاجي في الجاهلية تلك الأحقاد التي أثارتها العصبيات والمنافرات والمفاخرات، فاندفع الشعراء وراء أحقادهم وأحقاد قبائلهم يطعنون أعداءهم، بل قد يسرفون في طعن الأعراض لتشتفي النفوس حين تدمي الطعنات نفوس الأعداء.
وقد وجد هذا اللون مجاله في الصدر الأول للإسلام بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعبئة قريش الشعراء لهجاء الرسول لإضعاف شأنه وشأن دعوته بين العرب، ولهذا أغرت قريش أولئك الشعراء من أمثال ابن الزبعرى وعمرو بن العاص وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم الرسول.
وحين طرقت أهاجيهم أسماع الرسول جند طائفة من الشعراء على رأسهم حسان للدفاع عنه والنيل من أعدائه فخاض حسان ميدان الهجاء ولم يقصر هجاءه على الأفراد بل هجا البطون والعشائر والقبائل، فهجا أبا سفيان بن الحارث وابن الزبعرى وعمرو بن العاص، وصفوان بن أمية، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة والحارث بن هشام وأبا جهل والعاص بن المغيرة وحكيم بن حزام، وأبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة وهجا من القبائل والبطون والعشائر: هذيلا، ومزينة، وبني عبد الدار، وبني العوام، وبني المغيرة وهوازن وثقيفا، وبني أسد، وبني الحماس، وبني سهم.
وقد احتل الهجاء في ديوان حسان مكانا كبيرا.
قال في أبي سفيان بن الحارث قبل أن يسلم في عام الفتح قصائد متعددة قال في بعضها:
ألا أبلغ أبا سفيان عني
…
فأنت مجوف نخب هواء (1)
بأن سيوفنا تركتك عبدا
…
وعبد الدار سادتها الإماء (2)
هجوت محمدا فأجبت عنه
…
وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء
…
فشركما لخيركما الفداء
والبيت الرابع من هذه الأبيات تأثر فيه حسان بالأسلوب القرآني في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (3)
وفي قصيدة أخرى يقول لأبي سفيان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم
…
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
(1) المجوف: الجبان الذي لا قلب له، والنخب والهواء مثله.
(2)
عير حسان بني عبد الدار حين حملت إماؤهم اللواء بعد أن سقط تحته تسعة من بني عبد الدار.
(3)
سورة سبأ الآية 24
وإن امرأ كانت سمية أمه
…
وسمراء مغلوب إذا بلغ الجهد
والنسب الذي خلص لحسان ليطعن منه أبا سفيان دون أن يمس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ابن سمية وهي أم ولد لعبد المطلب، وسمراء أم أبيه الحارث وهي أيضا أم ولد، ولم يكد يبلغ هذا الشعر أبا سفيان حتى قال: إن هذا الشعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة حيث كان أبو بكر أعلم قريش بالأنساب، وعنه تلقى حسان علم النسب فعرف كيف يطعن ويسدد الطعن لمن يهجو دون أن يمس أقرباء المهجو من المهاجرين وهجا حسان ابن الزبعرى بعد أن راح يفخر بأصوله فقال له:
فلا تفخر فقد غلبت قديما
…
عليك مشابه من آل حام
وقد رأى حسان أن ابن الزبعرى يغلب على أصوله السواد وهذا يدل على أنه غير عربي لأن العرب ساميون والساميون ليسوا سودا، وإن الشاعر ليعلم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى (1)» ولكنه الهجاء الذي جعل الشاعر يتلمس مغمزا ليطعن منه ابن الزبعرى فنفى عنه العروبة حيث رأى فيه مشابها من آل حام.
وطعن صفوان بن أمية بأن أمه كانت أمة لمعمر بن حبيب في قوله:
من مبلغ صفوان أن عجوزه
…
أمة لجاره معمر بن حبيب
وهجا الوليد بن المغيرة بأنه عبد للإبل الشائلة التي جف لبنها بعد الحمل فقال فيه:
وأنت ابن المغيرة عبد شول
…
قد اندب حبل عاتقك الوطاب
والندوب: أثر الجراح، والعاتق: ما بين العنق والمنكب، والوطاب، سقاء اللبن، وبهذا رماه بأنه لم يكن غير عبد تولى رعاية الإبل وأثر هذه الرعاية تلك الندوب التي في عاتقه مما كان يحمل من سقاء اللبن بعد أن يحلب تلك النوق.
وطعن الوليد بأنه ينتمي إلى صعقب الحداد الذي نزل في قريش وادعى الانتماء إليها وهو ليس منها واسمه الحقيقي ديسم بن صعقب وذلك في قوله:
وصعقب والد لأبيك قين
…
لئيم حل في شعب الأروم
تسمون المغيرة وهو ظلم
…
وينسى ديسم الاسم القديم
وتناول حسان العاص بن المغيرة والحارث بن هشام بن المغيرة.
وهجا أبا جهل في كثير من ديوانه ومما قال فيه:
(1) مسند أحمد بن حنبل (5/ 411).
سماه معشره أبا حكم
…
والله سماه أبا جهل
أبقت رياسته لمعشره
…
غضب الإله وذلة الأصل
وهجا حسان أبا سفيان بن حرب وزوجته كما هجا عمرو بن العاص وأمية بن خلف.
وقد هجا هذيلا بسبب موقفها يوم الرجيع (وهو ماء لهذيل بين مكة وعسفان) حين غدروا بوفد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى (عضل) ليفقهوهم في الدين حتى إذا بلغوا ماء الرجيع غدر بهم أولئك الذين طلبوا من رسول الله إيفادهم واستصرخوا عليهم الهذليين فحملوا عليهم لأسرهم وتقديمهم إلى أهل مكة ليصيبوا بهم خيرا لأنفسهم، وكان وفد الرسول هم مرثد الغنوي وخالد الليثي، وعاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق وقاوم منهم من قاوم فقتل ولان من لان فأسر وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم فقاوم في الطريق عبد الله بن طارق وقتل بمر الظهران وأما خبيب وزيد فقد بيعا لقريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة.
وقد هزت هذه النكبة قلوب المسلمين وشمل الأسى كل بيت في المدينة وترجم حسان عن مشاعر المسلمين في أكثر من قصيدة هجا بها الهذليين ومما قال:
لو خلق اللؤم إنسانا يكلمهم
…
لكان خير هذيل حين تأتيها
ترى من اللؤم رقما بين أعينهم
…
كما كوى أذرع العانات كاويها
تبكي القبور إذا ما مات ميتهم
…
حتى يصيح بمن في الأرض داعيها
مثل القنافذ تخزي أن تفاجئها
…
شد النهار ويلفي الليل ساريها
إن الشاعر ليتصور أن اللؤم إذا تجسم فصار إنسانا يتكلم لكان ذلك خير من يعبر عن هذيل حين يطرقها طارق أو يلم بها نزيل، وإن اللؤم ليبدو نقشه في عيونهم واضحا كأثر الكي الذي يبدو على أذرع الأتان، هذه صورة أحيائهم أما موتاهم فهم موضع سخط القبور والضجر بهم حتى ليستصرخ داعي القبور بمن في الأرض يطلب الخلاص منهم فكأن بطن الأرض تكره موتاهم واللؤم يمثل أحياءهم ثم أبرز صورة لهم: هي صورة القنافذ التي تستخزي من المفاجأة نهارا فلا ترى إلا ليلا وإن هذيلا لكذلك يتوارى أبناؤها عن أعين الناس نهارا فإذا جن الليل ظهروا يدبون في الأرض.
وهجا حسان في جاهليته وإسلامه مزينة، وبني عبد الدار وهجا ثقيفا فقال: