الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد حسين الذهبي
(1)
رسالة المسجد في العالم عبر التاريخ
" إن أخص وظائف المسجد وهي " التوجيه الديني " بوجه عام يزاحمه فيها الآن مؤسسات اجتماعية كثيرة، يتوافر لها من الإمكانات المادية والبشرية والفنية ما لا يتوفر أقله للمسجد!. .
فإذا أضفنا لهذا كله ما آل إليه المسجد " الآن " من كونه " مؤسسة رسمية " وأن ما يمارس فيها من دعوة وتوجيه إنما يتم على أنه عمل وظيفي تحدده دوافع الوظيفة وتحد منه أو تقيده مسئولياتها، بدت لنا الفوارق جلية وحادة. .
بين " مسجد اليوم " و. . . " مسجد الأمس ". .!
" لقد تطور المجتمع وتخلف المسجد، فحدث ما يعانيه الآن من انفصام بينه وبين الحياة.! "
(1) د. محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف وشئون الأزهر بجمهورية مصر العربية.
أ. رسالة المسجد في عصور ازدهارها
ب. أوضاع المساجد في العالم في العصر الحاضر
المسجد هو نسبة إسلامية لمكان العبادة، وقد لوحظ في هذه التسمية معنى الأصل الذي اشتقت منه الكلمة، وهو السجود الذي يعني الخضوع الكامل لله سبحانه! ذلك الخضوع الذي يأخذ أسمى صورة في الصلاة، وفي ذلك الركن الخاص منها الذي نقل إليه لفظ " السجود " فكأن الصلاة أخص ما بني له المسجد!
ولليهود والنصارى تسميات لأماكن عبادتهم ذكر منها القرآن الكريم " الصوامع " و " البيع "" والصلوات " وسلكها مع المساجد في سلك واحد {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (1) وقد عمم القرآن استخدام لفظ " المسجد " فأطلقه على أماكن العبادة لدى اليهود والنصارى {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} (2) فأطلق لفظ مسجد على ما أقام أولو الأمر والذين عاصروا معجزة أهل الكهف من بناء، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم في شأن اليهود والنصارى وتحذيرا من صنيعهم «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (3)» .
في عرف القرآن يسوغ إطلاق لفظ " مسجد " على كل مكان اتخذ لعبادة الله وذكره
ولا تكاد توجد جماعة إنسانية ضربت بهم في الحضارة إلا وفي نسيج حضارتها ما يقابل " المسجد " عند المسلمين، أو البيعة عند النصارى، أو الصلوة عند اليهود، كما هو الحال عند قدماء المصريين والهنود والفرس والإغريق. . . ويطلق عادة على هذه الأماكن لفظ " معبد " أو ما يشبهه!
وبغض النظر عن صحة العقيدة أو فسادها لدى هذه الجماعة أو تلك، فهذه المعابد تحتل مكانا له دلالته في سجل الحضارة الإنسانية وتاريخها الطويل، وهي تعبر في قوة وعمق عن تجربة مستمرة ومحاولة متصلة دائبة، لم تنقطع من جانب الإنسان بهدف التعرف والاتصال بتلك القوة التي أحسها رغم خفائها - تغمر عقله ووجدانه وهو مبعثر في الطرق قبل أن تأخذ هداية السماء بيده وتهديه إلى خالقه.
إن اللحظة التي بنى فيها الإنسان لنفسه مسكنا يأوي إليه، يبني فيها كذلك لإلهه أو آلهته " معبدا " يفزع
(1) سورة الحج الآية 40
(2)
سورة الكهف الآية 21
(3)
صحيح البخاري الصلاة (436)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (531)، سنن النسائي المساجد (703)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 146)، سنن الدارمي الصلاة (1403).
إليه، مدفوعا بإحساس غامر بالحاجة إلى الاتصال به أو بها، وإلى التعبير عن شعوره تجاهه أو تجاهها، وقد وجه الإنسان القديم من طاقاته وإمكاناته المادية وإبداعه الفني لهذه " المعابد " ما لم يوجه بعضه إلى مسكنه الذي يعيش فيه.
" المعبد " إذن عنصر أصيل في حضارة الإنسان عبر التاريخ!
وقد حدثنا القرآن عن البيت العتيق وأخبرنا أنه أول بيت وضع للناس: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (1) وحين حدثنا عن هذا البيت جعله مرة " البيت " معرفا بلام التعريف {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} (2) ومرة بالإضافة إليه سبحانه {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (3) ويصف ما قام به إبراهيم وإسماعيل فيقول: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} (4) يرفع القواعد وكأنما كانت موجودة من قبل، أرشد الله إبراهيم عليه السلام إلى مكانها، كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} (5)
توحي إلينا الآيات الكريمة إيحاء خفيا أن هذا البيت قديم موغل في القدم وإن لم تسعفنا مصادر التاريخ المسجل بأوليته الأولى، وهذا هو المتسق مع قوله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون} (6)
وإذا كان التدين - في صورة ما - ظاهرة عامة لازمت الإنسان في كل فترات تاريخه فقد قوي هذا الفهم وتأكد!
مهما يكن من أمر فإن للمسجد في الإسلام وفي حضارته مكانا ساميا ومنزلة جد خطيرة
حدد القرآن أمام المسلمين الغاية من خلق الإنسان بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (7) وعلمهم أن يكون هذا أساس حضارتهم {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (8)
ونبههم إلى انحرافات الحضارات التي قامت من قبل {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} (9)
كان هذا توجيه القرآن للمسلمين وقد وعوه جيدا وطبقوه!
(1) سورة آل عمران الآية 96
(2)
سورة البقرة الآية 125
(3)
سورة البقرة الآية 125
(4)
سورة البقرة الآية 127
(5)
سورة الحج الآية 26
(6)
سورة الذاريات الآية 56
(7)
سورة الذاريات الآية 56
(8)
سورة الحج الآية 41
(9)
سورة القصص الآية 83