الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما
مرضه ووفاته
فإنه مرض تسعة أيام قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعا وسبعين سنة فحم من ليلته وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا، وقال صالح: وكنت قد عرفت علته وكنت أمرضه إذا اعتل.
وجاء الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده فحجبه وأتى ابن علي بن الجعد فحجبه، وكثر الناس فقال لي: أي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك قال: أستخير الله تعالى فأذن لهم فجعلوا يدخلون عليه أفواجا، ويسلمون عليه ويرد عليهم بيده، ويسألونه عن حاله، ويدعون له حتى تمتلئ الدار، ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب فسر به، وقال: إني لأرى الرجل يجيء شيئا من السنة فأفرح به فدخل فجعل يدعو له فيقول أبي: ولجميع المسلمين.
وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه فإني قد حضرت ضربه يوم الدار، وأريد أن استحله. فقلت له، فأمسك فلم أزل به حتى قال: أدخله فأدخلته فقام بين يديه وجعل يبكي وقال: يا أبا عبد الله أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار، وقد أتيتك فإن أحببت القصاص فأنا بين يديك وإن رأيت أن تحلني فعلت. قال: على أن لا تعود لمثل ذلك قال: نعم قال: فإني جعلتك في حل فخرج يبكي وبكى من حضر من الناس ثم قال: وجه فاشتر تمرا وكفر عني كفارة يمين فأخبرته بأني قد فعلت قال: الحمد لله. ثم قال اقرأ علي الوصية فقرأتها فأقرها وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها، ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه ولم يزل عقله ثابتا.
وتسامع الناس بمرضه وكثروا وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وباب الزقاق المرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاءه صاحب ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال: هذا مما أكرهه وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، وأصحاب الخير يكتبون بخبره إلى العسكر. والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبد الله فأشار بيده فظننا أن معناه إني لم أرد هذا المعنى. وكان يصلي قاعدا ويصلي وهو مضطجع لا يكاد يفتر ويرفع يده في إيماء الركوع واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال: خلل الأصابع، وثقل ليلة الجمعة فلما كان يوم الجمعة الموافق اثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول عام 241 توفي صدر النهار لساعتين منه فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع وقال صالح: وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامين معهما مناديل فيها
ثياب وطيب فقلت: أقرئ الأمير السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته.
وقد كانت الجارية غزلت له ثوبا عشاريا قوم بثمانية وعشرين درهما ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وأخذ منه فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا وفرغ من غسله وكفناه، وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفنه، وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير، وقال صالح: وجه الأمير ابن طاهر فقال: من يصلي عليه؟ قلت: أنا، فلما صرت إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف فخطا إلينا خطوات وعزانا ووضع السرير فلما انتظرت هنيهة تقدمت وجعلت أسوي صفوف الناس فجاءني ابن طاهر فقبض هذا على يدي ومحمد بن نصر على يدي وقالوا: الأمير. فمانعتهم فنحياني وصلى ولم يعلم الناس بذلك فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيئون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة، ومن كان في السفن في الماء وقد حزر من حضر جنازته فكانوا سبعمائة ألف وقيل: ثمانمائة ألف وقيل: بلغوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وقيل غير ذلك مما يدل على أنهم جمع غفير وكان رضي الله عنه يقول في حال صحته: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز.
وقد صنفت في ترجمته مصنفات مستقلة منها: المناقب لأبي الفرج بن الجوزي في مجلد، ومنها لأبي إسماعيل الأنصاري في مجلدين، ومنها لأبي بكر البيهقي في مجلد، ومنها لأبي زهرة مجلد، ومنها لأحمد الدومي في مجلد، وغير ذلك عدا ما في غضون كتب التاريخ والتراجم من ذكر مناقبه وثناء الناس عليه رحمه الله وسائر أئمة المسلمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *