الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد أحمد العزب
الأمومة والطفولة في الإسلام
يخيل إلي أننا أمام هذا البحث في إطار من حتمية الإجابة عن هذا السؤال: هل هناك فواصل منظورة أو مستورة بين الأمومة والطفولة؟ أم أن هناك وشائج خالدة وواطدة بين الطفولة والأمومة ليس إلى تحديها من سبيل؟
ويخيل إلي. . . أننا حين نخلص إلى إجابة صادقة عن هذا السؤال نكون قد خلصنا من خلال ذلك إلى مواجهة الموضوع هكذا في تبلج وائتلاق. . .
وفي يقيني أننا نسبح في الطين إذا بدأنا مثل هذا البحث هكذا في عفوية عريانة، لا تتعمق حقائق هذه الروابط، ولا تهوم خلف آفاقها البعيدة لمعانقة مشارقها الأصلية. . . ولنبدأ معا. . .
هل هناك أمومة بدون طفولة؟ أو طفولة بدون أمومة؟ الذي أعرفه أن " شيئا " لا يمكن أن ينبثق هكذا من " لا شيء " وأن صفة " الأصل " لا نخلعها إلا على ما يحمل في طبيعته الوجودية أفرعا وأغصانا. . .
* * *
الأمومة لا يمكن أن تتحقق إلا بتحقق مقدماتها. . . وأعني بمقدماتها الإنجاب. . . والطفولة لا يمكن أن تولد من فراغ، أو تنبثق من عدم. . . لا بد لها من أمومة. . . ومن هنا. . . يتأكد لدى البداءة في غير تعمل أو اعتساف، أن تلازما جذريا خالدا ينهض بين الأمومة من جهة. . . والطفولة من جهة أخرى. . . ومن هنا يتحتم كذلك أن تتعانق المجالات وتتشابك، فلا تقوم الحواجز الشاهقة بين طبيعة الحديث عن الأمومة. . . وطبيعة الحديث عن الطفولة. . .
قد يقال هنا: ليس من اللازم أن توجد الطفولة ليتحقق معنى " الأمومة " في الأنثى. . . فما أكثر ما رأينا عبر أجيال البشر، ومراحل التاريخ من أمهات، لم يعقبن ذكرا ولا أنثى، ومع ذلك فقد كن أمهات رائدات. . . أليست أمهات المؤمنين - مثلا - لنا أمهات. . . مع انحسام الروابط المادية بيننا وبينهن؟ ". . . قد يقال هذا في مثل هذا الصدد. . . ولكنه لن يخرج عن أن يكون حيلة ذهنية بارعة، تلفتنا عن الحقائق الموضوعية المنشودة في مثل ذلك البحث، لتتوه في مجاهيل التربص الفكري، الذي يترك الأعماق ويطفو على السطح في حركة رعاشة رعناء!
نحن لا نجهل أن أمهات المؤمنين لنا أمهات. . . ولا نجهل كذلك أن كل أنثى في تاريخ البشر، مهما كان لونها. . . أو جنسها. . . تتربع على عرش الأمومة " الروحية " للملايين. . . إذا استوت على أفق معين من آفاق التفوق الإنساني. . .
ولكننا هنا - في مثل هذا البحث - لسنا بصدد الحديث عن الأمومة بمعناها العائم الغائم، وإنما نحن بصدد الحديث عن الأمومة " النوعية " التي تضم جناحيها على أفراخها الصغار، ساكبة حنان قلبها في حنايا قلوبهم، وناسلة ريش جناحها لتدفئ به قرهم، وسافحة أيامها ولياليها على أصابع الزمن، لترى - بعد رحلة ربداء - إلى أطفالها الصغار، وقد استووا أيقاعا. . . وتعملقوا رجالا. . .
نحن بصدد الحديث عن الأمومة الخالدة، التي عناها الابن البار الرحيم محمد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه - بكلماته:«الجنة تحت أقدام الأمهات (1)» .
ولنا بعد ذلك جولة مترامية المدى مع ألوان أخرى من الأمومات. . .
ولكني أتساءل: هل الإسلام هو الدين الوحيد الذي انحنى في غبطة وشمول على الأمومة الحانية. . . والطفولة الخضراء؟ أم أن كل شرائع الأرض والسماء قد عرفت لهذين الكائنين حقهما من العطف. ونصيبهما من الرعاية والتكريم أم أن للإسلام موقفا خاصا يتميز به بين سائر الشرائع، وكافة القوانين؟ يجعل لموقفنا من الأمومة والطفولة على السواء فلسفة خاصة واتجاها فريدا؟ وهذا هو الذي ستجيب عنه هذه الصفحات. . . ولكن. . . قبل أن نمضي مع الإسلام الرائد في رحلته مع الأمومة والطفولة. . . لا بد لنا من إلمامة خاطفة بمكانة كل منهما فيما عدا الإسلام من نظم. . . وفيما سوى الشرق من أرجاء. . . حتى يتسنى لنا من بعد أن نقيم موازنة عادلة بين فلسفة الإسلام في هذا الصدد، وبين فلسفات أخرى نبعت من هنا أو من هناك. . .
* * *
وأول ما يبدو هنا حين نبغي مقارنة، أو نهدف إلى موازنة. . . المجتمع الجاهلي، الذي جاء الإسلام لتصحيح مفاهيمه وتعديل أوضاعه.
كيف كان وضع الأم في هذا المجتمع؟
وكيف كانت رعاية الطفولة فيه؟
أما كيف كان وضع الأم في المجتمع الجاهلي؟ فأبسط ما يقال فيه. . . أنه وضع تؤهل له طبيعة عربية متأبية، ترى في عراقة الأصل، وطيب الوعاء، وشموخ النسب. . . جحافل من المعاني تقاتل في حومة النزال مع الجحافل الضارية. . . حتى لقد كان مجرد تعريض الأم للون من ألوان الضعة، أو شكل من شكول الهوان، يثير في آفاق هذا المجتمع حربا ضارية ضروسا، لا يعلم أحد ما مداها، ولا إلى أي حد ينتهي بها الجماح!!
* * *
ولقد حدثوا أن عمرو بن هند ملك الحيرة قال يوما لجلسائه: هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟
(1) سنن النسائي الجهاد (3104)، سنن ابن ماجه الجهاد (2781).
قالوا: نعم. . أم عمرو بن كلثوم. قال. . ولم؟ قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب. . وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم وهو سيد قومه وليث كتيبته، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن تزور أمه أمه. فأقبل ابن كلثوم من الجزيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت " ليلى " أمه في ظعن منهم. . وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا. . ودخل ابن كلثوم إلى جانب الرواق، وكان بين الاثنين صلة نسب. . قالوا. وقد كان عمرو بن هند أوصى أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف. وتستخدم " ليلى ". فلما فعل قالت هند لزائرتها بعد أن اطمأن بها المجلس: ناوليني " يا ليلى " ذلك الطبق. . فقالت " ليلى " في نفور وأنفة: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت هند عليها وألحت. وإذ ذاك صاحت " ليلى " واذلاه: يا لتغلب! فسمعها ابنها فثار الدم في وجهه. . وانتقض انتفاضة المحموم وقال: لا ذل لتغلب بعد اليوم. ثم نظر حوله فإذا سيف معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره، فوثب إليه مهتاجا وأطاح به رأس ابن هند!! وأنشد يومئذ معلقته مرتجلا:
أبا هند فلا تعجل علينا
…
وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا
…
ونصدرهن حمرا قد روينا
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند
…
تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وأوعدنا رويدا
…
متى كنا لأمك مقتوينا
على آثارنا بيض حسان
…
نحاذر أن تقسم أو تهونا
إذا لم نحمهن فلا بقينا
…
لشيء بعدهن ولا حيينا
ومهما يكن من أمر هذه الحادثة. . صدقا، أو إحالة، أو تزييفا. . . فإنها أبدا لا تفقد ظلالها الرائعة العميقة، التي تؤكد دور الأم ومكانتها السامقة في هذا المجتمع الجاهلي العريض. . .
* * *
أرأيت كيف أن محاولة للتهوين من شأن " أم " كانت سببا في قتل ملك. . وثورة قبيلة؟ إن مثل هذا المجتمع كان من غير شك يقدس الأمومة، ويرى فيها حمى لا بد أن يحمى. . ومعنى خالدا كبيرا لا بد أن يصان. . .
* * *
وإذا
أردنا مزيدا من الوثائق التاريخية التي تؤيد هذا المنزع، وتزكي هذا الاتجاه. . فحسبنا أن نرجع
إلى أسماء طائفة من قبائل العرب، وبطونها. . لنرى كيف كانوا يعتزون حتى بالانتساب إلى الأم. . ويرون في ذلك مفخرة لهم. . وتخليدا لذكراها. . وقلب معي صفحات التاريخ، فستلتقي لا محالة برتل من هذه الأسماء: كبني الخندف. . وهي ليلى بن عمران القضاعية وعنها تشعبت بطون كثيرة من العرب كهذيل، وكنانة، وأسد. . وكأم الخندف: وهي ضرية بنت ربيعة بن نزار التي ينسب إليها حي ضرية. . وكبني جديلة: بنت مدركة بن إياس وإليها تنتسب قبيلة عدوان. . وكذلك بنو جندلة. . وبنو بجيلة. . وبنو العبدية. . ورقاش. . ومزينة وعفراء. . وباهلة. . وسلول. . والعبلات. رهط الثريا بنت عبد الله بن الحارث صاحبة عمرو بن أبي ربيعة نسبوا إلى أمهم عبلة بنت عبيد الله بن جاذب (1) هذا قليل من كثير. . لو شئنا أن نتتبعه عبر أجيال العرب لما وسعنا مثل هذا البحث، وليس من همنا أن نحشد هنا نقولا تاريخية مكدسة. . فإنها ليست من غرضنا في هذا الصدد وإنما الذي نهدف إليه. . أن نستشف من خلال حادثة أو حوادث، ما وراء النص من عوامل الفخر بالأم، ونوازع التقديس لمكانتها، وحوافز الثورة لما عساه أن يجرح كبرياءها الأصيل. .
* * *
ولأن العربي كان يعرف وضع الأمومة وما يعكسه هذا الوضع على أبنائها من ظلال، فقد حرص على أن ينتخب لأولاده أما لا تهون، ولا تطأطئ في مواقف الفخر، ومجالات المباهاة. . قال أعرابي لبنيه: يا بني. . إني قد أحسنت إليكم صغارا، وكبارا، وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها!!
قد يقال هنا: إن ذلك كان وحي شعور الرجل المؤمن بدونية المرأة. . إنه كان لونا من ألوان العطف على الكائن الأدنى ليستشعر الحياة. . ويحس الكرامة. . ولم يكن لذلك كله من أثر عميق في نفسية المرأة ينعكس على موقفها. . أو يورق في واقعها الحياتي. . فلقد كانت دائما تعيش في إطار من إحساسها العارم بدونيتها؟!! ولكني لست من هذا الرأي. . ولا أستطيع أن أكون منه. . فليس بصحيح أن ذلك كان إحساس العربي " الرجل " فحسب. . بل كان كذلك إحساس العربية " الأنثى ". . كانت تعرف دورها كأم. . ومكانتها كصانعة أجيال، ومن هنا فقد تأبت على كل ما يشدها إلى الحضيض، أو يعفر جبهات أبنائها. .
حدثوا أن سلمى الغفارية وقعت في حبائل الأسر. . وتزوجها الشاعر الفارس عروة بن الورد، وأنجب منها أولادا. . وأحبته ملء عيونها. . ووسع أشواقها. . ولكنها رغم ذلك كله حدثته ذات يوم قائلة: ألا ترى ولدك يعيرون بأمهم ويسمون بني الأخيذة؟
(1) انظر في هذا كتاب " أم النبي " للدكتورة بنت الشاطئ.
قال: فماذا تريدين؟ قالت: أن تردني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يسلمونني إليك!! هذا موقف من مواقف الصدق الفطري، الذي يوائم طبيعة العربية الحرة، حين تثور في أعماقها المتفتحة نوازع الاستعلاء على نوازع الهبوط. . وحين تنتصر في نفسها كرامة الإنسان على خوالج المحب العاشق المفتون. .
هذه نظرة عجلى نلقيها على مكانة الأم في المجتمع الجاهلي. . لنخلص من ذلك إلى أن الأمومة في كل طور من أطوار الزمن معنى تقدسه الأجيال، ولو لم تقم على حراسته شريعة. . حتى ولو لم تؤكده رسالات الهداة المصلحين.
* * *
وإليك وصية من وصايا مصر القديمة يوجهها والد إلى ولده فيقول: " يا بني " ضاعف الخير لأمك، واحملها إن استطعت كما حملتك. . فطالما تحملت عبئك ولم تلقه علي، وعندما التحقت بالمدرسة وتعلمت الكتابة فيها. . واظبت دوني على الذهاب إليك فالطعام والشراب من دارها كل يوم، فإذا شببت وتزوجت واستقررت في دارك فضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك. وكيف حاولت أن تربيك بكل سبيل!!
هذه منزلة الأمومة في المجتمع الجاهلي. . وفي غيره من المجتمعات. . فهل كان للطفولة مثل هذه المنزلة؟ أم أن الأمومة قد استأثرت بكل ما هنالك من عواطف الحب، ومشاعر التكريم؟ الذي نعرفه. . وتؤكده السواند التاريخية الصادقة، أن مثل ما قد حظيت به الأمومة في المجتمع الجاهلي - لأنها سبب وجود ومعدة أجيال - قد حظيت به الطفولة في هذا المجتمع؛ لأنها امتداد هذا الوجود، ولأنها لبنات هذه الأجيال. . وهو وضع طبيعي لا ينبو عن فطرة البشر، ولا يصادم حقائق الأشياء. . فهل أستطيع مثلا أن أعشق الأرض الخصبة وهي جرداء من كل شيء. . حتى ولو كانت في أطوائها طبيعة الخصب المعطلة ملء الوجود. . أم تراني أعانقها وأعشق ذراتها بعيوني حين تتفتح هنا عن ثمر. . وتبتسم هناك في شجر. . وتتألق في أرجائها الفساح آلاف الورود؟ إنني أحبها هكذا. . لأنني أحب ما على صدرها الرحيب من معطيات. . فإذا جاء العربي وأحب الأمومة وبارك خطواتها البيضاء. . فلأنه يرى فيها طبيعة الأرض المثمرة، أو طبيعة الشجرة المزهرة، أو طبيعة الأنثى التي تنبثق من أعماقها براعيم الحياة.
الطفولة إذا. . أهداب أعين الرجال، وفلذات أكبادهم تمشي على الأرض. . أليس العربي كان
مجنونا بغريزة الاستعلاء، والتفوق على من عداه؟ وكيف يتحقق له ذلك الأمل ما لم يكن له من أبنائه جيل وفير؟ إن أقرب مثل يمكن أن نسوقه هنا في هذا الصدد. . موقف عبد المطلب جد الرسول. . حين نذر - إن رزقه الله عشرة بنين - أن يذبح واحدا منهم تقربا إلى الآلهة، وشكرا لها على عطاياها. . وما أهول الفداء الذي كاد أن يسفح على مذبحه الرهيب دماء عبد الله. . والد النبي العظيم. . إن ذلك لم يكن نتيجة عفوية لنزوة طائشة، أو لوثة حمقاء. . إنه كان وليد إحساس عميق بخطورة الولد في مثل هذه البيئة التي تفجرت عن مثل هذا الوضع الراعب الرهيب!!
وتسألني: فما تقول في موقف العربي من طفولة أخرى، غير طفولة الولد. . طفولة البنت؟ لقد نعى القرآن عليه انقباضه الشاحب حين كان يبشر بمولودة أنثى. . ولطالما ارتعشت في ذهنه الأسئلة: أيمسكه على هون؟ أم يدسه في التراب؟ وكم وارى التراب الأصم من طفولات نسائية عزلاء؟!!
فأجيبك: أجل. . لقد كان العربي يأسى لأن وليده أنثى. . ولقد كان كذلك يواريه التراب. . أو يوشك أن يواريه التراب؛ لأنه ليس من فصيلة الذكور!! ولكن. . هل فعل الأعرابي ذلك كله لأن طبيعته المركوزة في أعماقه - كإنسان - تعطفه على الذكر، وتباعد بينه وبين الوليدة الأنثى؟ أم أن هناك بواعث خفية، وحوافز خلقية دفعت به إلى مثل هذا التصرف الراعن الوبيل؟ أكاد أؤكد أن الحب - لا الكراهية - هو الذي كان يدفع بالعربي إلى هذا المنحدر. . فلقد كان لفطريته الساذجة يرى في البنت كائنا زجاجي المصير، إن تعرض للخدش أو للتحطيم فلن تلتئم جراحاته النازفة بكل ما على الأرض من قدرات. . كان يحبها أكثر مما يحب الولد. . أو كما يحب الولد. . ولذلك فقد كان يحيا بمشاعره الرهيفة في أبعاد مصيرها المنشود، فيهوله ما قد تتعرض له الأثيرة المرموقة من أذى. . أو ما قد يلحق بها من العار. . فينطلق في حمى ذلك الإحساس المستوفز الطافر إلى مواراتها حية في التراب. . أنا معك في أن أسلوبه في التعبير عن نفسه كان ضربا من الخطأ. . وجنوحا ذاهلا عن سواء الطبيعة. . ولكن. . ألسنا جميعا ذلك الرجل؟ ألسنا نعض الرضيع من كثرة ما نحبه؟. . ألسنا نضمه إلى أحضاننا ضمة هوجاء. . قد تذهب بحياته الغضة. . فإذا هو هباء. . في هباء؟!. . ثم إنني لست عن هذا وحده أتحدث. . أعني: لست عن تصرفه الخاطئ أبحث. . ولكنني أغوص على البواعث البادية أو المستترة وراء هذا التصرف أو ذاك. .
لقد كان العربي يحيا في بيئة عريانة ضاحية، متعرضا لانقضاضة من هنا. . أو فجاءة من هناك. . فإذا أبناؤه أشلاء ممزقة. . وإذا بناته سبايا مسترقات. . وهو قد أعد أبناءه من قبل لأمثال هذا المصير. . ولكن
بناته حينما يتعرضن لشيء من ذلك ولو يسير. . فهو شعور يمض العربي. . ويقضه. . ويجعله دائم الأهبة لمصيره المرتقب. . إن لم يكن بتحصين قلاعه - وقليلا ما يستطيع - فليكن بإقفازها مما يحب، أو مما يقدس. . أو مما يأسى لفراقه وضياعه. . واستمع إلى القرآن حيث يقول:{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (1){يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (2)! النحل 58، 99 " وحدق معي قليلا في قوله:" على هون " فلعلنا في ظلالها نلتقي. .
واستمع معي إلى الشاعر العربي، الذي يرى في الطفلات عالما من العواطف الجياشة والأحاسيس النبيلة المنهمرة التي تشده إلى الحياة، وتعمق صداقته للوجود:
لولا بنيات كزغب القطا
…
رددن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع
…
في الأرض ذات الطول والعرض
وإنما أولادنا بيننا
…
أكبادنا. . تمشي على الأرض
إن هبت الريح على بعضهم
…
امتنعت عيني عن الغمض
لقد كانت اهتمامات العربي الجاهلي بالطفولة معادلة تماما لاهتماماته بالأمومة، لا فرق في ذلك بين طفولة " ذكر " وطفولة " أنثى " إلا بمقدار ما تتباين غرائز البشر، وتتباعد طبيعة الأجواء البيئية المختلفة. . وليس في ذلك ما يستغرب أو يعاب؛ لأن طبيعة الحياة هكذا. . حيث لا تجد ههنا نقصا. . لا بد أن تجد ثغرة في كمال!!
* * *
فإذا انتقلنا إلى مجتمع كالمجتمع المصري القديم لنقف على حقيقة وضع الطفولة فيه، لراعنا ما تلقى هنالك من عطف، وما تحاط به من رعاية وتكريم. . وهذا ورد من متون التوابيت يتحدث على لسان والد نعم بسعادة الدارين بفضل ولده فقال:" أصبح مقعدي في حوزتي، ولم يكن أبي هو الذي وهبه لي، وليست أمي هي التي وهبته لي، ولكنه وريثي الذي أعطاني إياه. . . ".
ويكتب صديق إلى صديقه الثري العقيم: " إنك وإن تكن موفور الثراء إلا إنك لم تعمل على أن تهب شيئا لأحد، وأولى بمن لم يكن له ولد أن يتخير لنفسه يتيما يربيه، فإذا نما عنده صب الماء على يده، وأصبح كأنه الولد البكر من صلبه ". . . هكذا. . .
نحن إذا على وفاق. . على وفاق من أن كل المجتمعات قد أعطت للأمومة الرائعة والطفولة الخضراء ما
(1) سورة النحل الآية 58
(2)
سورة النحل الآية 59
يستأهلان من عطف؛ وما يستحقان من تكريم، على تباين هنا وهناك في " مقادير " العطف والتكريم ومفاهيمهما " كذلك!
فإذا انتهينا إلى هذه النتيجة الوامضة الجليلة فماذا يبقى هناك؟ أليس يقال: أي شيء فعله الإسلام في هذا الصدد سوى أنه أقام على هذا الجدار الشامخ سطرا أو سطرين. . أو سطورا؟ ثم ألا يتعارض هذا مع ما أسلفنا من مطالع هذا البحث من أن للإسلام في هذا السبيل فلسفته الخاصة وإطاره الذاتي؟ أجل. . إنه يتعارض في مفاهيم النظرة العجلى والبداءة المبتسرة، التي ترى في كل قانون من قوانين الحياة شكله العدائي الذي لا يلتقي مع غيره من قوانين. . ولكنه لا يتعارض أبدا مع مفاهيم النظرة المستأنية، والبديهة الصافية، التي تحاول في صداقة وحب أن تعقد بين نواميس الحياة، وقوانين الوجود وشائج القربى وأسباب اللقاء. .
لقد كان للإسلام توجيهه السليم بالنسبة لغرائز البشر فلقد عدلها لتتسق مع مفاهيمه، وتتساوق مع طبيعته كدين. . إن الإسلام لم يحرق نبات الأرض لأنه نما في ظلال غير ظلاله الفيحاء. . ولكنه مع ذلك أكد شخصيته المميزة، وطبيعته الغنية، وفلسفته النابعة من أعماقه، لا الوافدة إليه من هنا. . أو من هناك. .
ومن خلال هذه الصفحات القادمة. سنبصر معا مطالع هذه الفلسفة، ومفاهيم هذه النظرة، لنؤمن معا بأن الإسلام دين رائد فذ، له في عالم الطبائع والمثل والقوانين دور الريادة الحكيمة العالمة، التي تشكل في تاريخ البشرية محورا لا يهتز ومشعلا لا يخبو، ونبعا لا يغيض. . ولنبدأ برحلتنا. . أعني رحلة الإسلام مع الأمومة في القرآن.