الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتكلم عن طلبه للعلوم الشرعية والعربية، وغيرها: مما يتصل بها، ويعين على طلبها. وعن رحلته في سبيل أخذها ومعرفتها، وتلقيها عن كبار الشيوخ وأئمتها حتى بلغ في ذلك الغاية، وأدرك المنزلة السامية، وصار من كبار أئمة الأمة.
وترجم لشيوخه وأساتذته، وعلى رأسهم والده الأجل: شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام، الفقيه الكبير الحنبلي، المتوفى سنة 682 هـ. تراجم صحيحة، مركزة مفيدة.
ثم تكلم عن مكانة ابن تيمية العلمية والدينية، وجهاده المشرف لأهل البدع والمنكرات، ومحاربته لأهل الزيغ والفساد، وطوائف الشرك والإلحاد. وبخاصة التتار ودخلاء الصوفية. وعن المحن القاسية التي صادفته، والمصائب التي ألمت به، فتحملها وصبر عليها. فنال عظيم الأجر بصبره، وصار من أشهر المكافحين في عصره.
ثم تكلم عن تاريخ وفاته، ومكان دفنه. وعن أثر هذه الوفاة على أهل دمشق وغيرهم: من المحبين له، المقدرين فضله، المعجبين بآرائه، المنتفعين بآثاره.
وتعرض للكلام عن آراء ابن تيمية في الدولة والخلافة، وذكر بعض آرائه الفقهية التي عرف بها، ولاقى العديد من المحن بسببها.
ثم ذكر أهم آثار ابن تيمية العلمية، وأعظم مؤلفاته الفنية. وختم هذه المقدمة العظيمة، ببيان أشهر تلاميذ ابن تيمية، والتعرف بأجل أصحابه.
كتب أجنبية
محمود لطفي السراميجي (1).
كيف صرت مسلما
استرعى انتباهي وأنا أطالع كتيبا صغير الحجم كبير المعنى أصدرته رابطة العالم الإسلامي بالإنجليزية وعنوانه " Islam Our Choice " الإسلام الذي اخترناه. استرعى انتباهي مقال كتبه العالم المستشرق المجري الدكتور عبد الكريم جرمانوس، والدكتور جرمانوس لم يكن اسمه الأول عندما ولد في المجر عبد الكريم، وإنما كان اسمه " جوليوس " وقد درس الأستاذ الدكتور اللغات التركية والفارسية والعربية التي قادته لدراسة الاستشراق وشئون العالم الإسلامي، وقد أدت به إجادته لهذه اللغات إلى البحث عن الحقيقة، فهو وإن كان عالما كبيرا إلا أن روحه ظمأى إلى الحقيقة - الحقيقة الكلية التي تبحث عن سر هذا الكون وسر الخالق العظيم، وسر رسالة الإسلام وكنهه وجوهره، فإن روح هذا الباحث المفكر قد أدت به في النهاية إلى اعتناق الإسلام وتسمى باسم عبد الكريم فمرحبا به وأكرم به وأنعم، وأكثر الله من أمثاله من العلماء الذين جمعوا بين نور العقل ونور القلب، بين نور البصر ونور البصيرة - أقول: إن هذه المقالة قد شدتني، وبهرني صدق هذا الرجل، وروحانيته وصفاء سريرته، فرأيت أن أترجمها من الإنجليزية إلى العربية
(1) الأستاذ محمود لطفي السراميجي: المترجم بالمجلة.
وقد أكون قد سبقت إلى هذا الفضل، ولكن التكرار للشيء الجميل ليس عيبا، بل هو فضيلة ولقد رأينا أن نستزيد منها ونستضئ بنورها خدمة للحق وللحقيقة - هدانا الله جميعا إلى الإيمان وزادنا الله منه فهو خير زاد. يقول الدكتور جرمانوس:
كان ذلك في ظهيرة يوم مطير وكنت بعد مراهقا، إنني كنت أتابع سجلا مصورا - أحداث معاصرة ممزوجة بروح القصص، ووصف لبلاد بعيدة كانت تملأ صفحاته، قلبت الصفحات بغير ما اكتراث وفجأة وقعت عيناي على لوحة محفورة من الخشب، فشدت هذه اللوحة انتباهي وكانت الصورة تمثل منازل ذات أسقف مسطحة (1) وكانت تبرز بين هذه الأسقف بين الحين والآخر قباب ترتفع خفيفا ويزينها هلال في أعلاها، وكان منظر الرجال فوق هذه الأسطح وهم يجلسون القرفصاء متشحين بملابس غريبة وهم جالسون في صفوف منتظمة تثير الاستغراب ولقد شدتني الصورة بشكل غير عادي. لقد كانت شيئا مختلفا عن الشكل العام للمدينة الأوربية. لقد كان منظرا شرقيا في مكان ما في الشرق العربي حيث كان الراوي في الصورة يحكي قصصا خيالية لقوم يتشحون من قمم رأسهم لأخمص قدميهم، ولقد خيل لي أني أسمع حديث هذا القاص وأتابع مع مستمعيه العرب حديثه هذا، وأنا بعد فتى يجلس على كرسي وثير في المجر ولقد استبد بي حنين طاغ أن أعرف سر هذا النور الذي بدد الظلام في هذه الصورة.
وبدأت أدرس التركية وبدا لي أن أدب اللغة التركية لا يحتوي إلا القليل من الكلمات التركية، فالشعر التركي غني بعناصر فارسية، والنثر غني بمصادر عربية، ولقد حاولت أن أتمكن من هذه اللغات الثلاث حتى أدخل هذا العالم الروحاني الذي أشرق بنوره على الإنسانية.
وخلال عطلة من عطلات الصيف أسعدني الحظ أن أسافر إلى البوسنة أقرب إقليم شرقي إلينا، وبعدما وضعت متاعي في أحد الفنادق اندفعت خارجا لأرى هؤلاء المسلمين الذي عرفت لغتهم التركية خلال الكتابة العربية المعقدة في صفحات من كتب النحو - ولقد كان ذلك في الليل وفي الشوارع الضعيفة الإضاءة استطعت أن اكتشف مقهى متواضعا كان يجلس فيه رجلان من أهل البوسنة على مقاعد منخفضة من القش يستمتعان بشراب القهوة، وكانا يلبسان السراويل التقليدية المنتفخة التي كانت مشدودة إلى الوسط بأحزمة عريضة رصعت بالخناجر اللامعة، ولقد أعطاني منظر غطاء رأسيهما وزيهما الغريب شعورا بالخوف من مظهرهما المرعب، وبقلب تزداد سرعة دقاته خوفا، دخلت المقهى وجلست بخجل شديد في ركن بعيد، ولقد نظر الرجلان لي بعين محبة للاستطلاع، فتذكرت حينئذ القصص الدموية التي قرأتها في الكتب المتعصبة التي تتحدث عن تعصب المسلمين وقد
(1) منازل أوربا معظمها ذات سقوف مثلثة الشكل مغطاة بالقرميد حتى ينزلق عليها المطر (المترجم).
لاحظت أنهما يهمسان لبعضهما البعض، وكان حديثهما بالطبع هو حضوري الذي لم يكن متوقعا، فامتلأت خيالاتي الصبيانية بمشاعر الهلع، فقد تصورت أنهما يريدان أن يغمدا خنجريهما في صدر الكافر المتطفل، ولقد وددت لو خرجت سالما من هذا المكان المخيف ولكني لم أجرؤ على الحركة.
وبعد ثوان أحضر لي النادل فنجانا من القهوة ذات الرائحة القوية النفاذة، وأشار إلى الرجلين اللذين أرعبني منظرهما، فنظرت إليهما بوجه مذعور فحياني أحدهما بسلام جميل وتبعه بإشارة ودية، وبتردد اغتصبت ابتسامة مرتعشة من بين شفتي المرتعشتين، فقام الرجلان اللذان خلتهما عدوان لي واقتربا من مائدتي الصغيرة وماذا بعد؟ لقد كان قلبي الذي يزداد خفقانه يسأل - هل جاءا لقتلي؟ وتبع ذلك سلام ثان وجلسا حولي، وأعطاني أحدهما سيجارة اكتشفت في ضوئها الخافت أن مظهرهما العسكري يخفي روحا مضيافة عطوفة، وعندئذ جمعت قواي وخاطبتهما بالتركية الركيكة التي أعرفها، فكان لذلك فعل السحر فأضاء وجهاهما بمودة تفيض بالحنان ودعياني إلى منزليهما، وبدلا من الخناجر التي تصورتها تخترق أحشائي فقد غمراني بكرمهما - ولقد كان ذلك أول لقاء لي مع المسلمين.
وجاءت السنون ومرت الأعوام تفيض بالعديد والكثير من الأحداث من رحلات ودراسات تفتح أمام عيني المتطلعة مشاهد وتجارب جديدة، وقد عبرت كل أقطار أوربا ودرست في جامعة اسطنبول واستمتعت بروائع الآثار التاريخية لآسيا الصغرى وسوريا، ولقد درست التركية والفارسية والعربية، واستطعت أن أكون أستاذا للدراسات الإسلامية في جامعة بودابست، وبكل ما حصلته من معرفة حسية تراكمت على مدى القرون وآلاف الكتب لكثير من العلماء قرأتها بكل شغف، فإن روحي رغم ذلك بقيت ظمأى ولقد وجدت خيطا رفيعا جافا في كتب العلم والمعرفة، ولكن روحي كانت تتطلع إلى الجنة الدائمة الخضرة من التجربة الروحية، لقد ارتوى عقلي ولكن روحي بقيت ظمأى ولقد كان علي أن أجرد نفسي من كل ما تعلقت به حتى أستطيع أن أستعيد ذلك عن طريق التأمل والتجربة الباطنية لتصفو روحي بنار المعاناة كما يستحيل الحديد الغفل صلبا مرنا بتعريضه لصدمة شديدة من الماء البارد.
وذات ليلة تمثل لي الرسول محمد في مخيلتي وكانت لحيته الطويلة مخضبة بالحناء، وكان رداؤه بسيطا ولكنه مناسب وجميل وتنبعث منه رائحة طيبة وكانت عيناه تلمع بالنور الرائق وخاطبني بصوت كله رجولة:" علام القلق؟ الطريق أمامك. . الطريق القويم مفتوح أمامك مأمون كوجه البسيطة فلتسر فيه بخطى ثابتة بنور الإيمان ".
وصحت في حلمي الجليل باللغة العربية " يا رسول الله إنه لسهل بالنسبة لك يا من سما وعلا ويا من قهرت كل الأعداء ووضعتك العناية الإلهية على طريقك، ولقد كللت جهودك بالمجد ولكن علي أنا أن أعاني ومن يدري متى أجد الراحة؟ ".
فنظر إلي في ثبات وغاب في تفكير عميق، وبعد برهة تكلم ثانية ولقد كانت كلماته بالعربية واضحة ترن كأنها أجراس الفضة فألقى إلي لسانه النبوي الذي حمل أوامر الله فملأ صدري وقلبي بحمل ثقيل {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} (1){وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} (2){وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} (3){وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} (4)
غمغمت في ألم. . . " أنا لا أستطيع أن أنام. أنا لا أستطيع أن أفهم الأسرار التي غلفت بحجب كثيفة، وصحت من أعماقي. . . يا محمد يا رسول الله خذ بيدي " واندفعت من حلقي شهقة عنيفة متقطعة - لقد كنت ثقل ثقل كابوس شديد - كنت أخشى غضب الرسول الكريم وعندئذ شعرت كما لو كنت قد غبت في الأعماق وفجأة صحوت كانت عروق صدغي تنبض بالألم، وكان جسدي يسبح في عرق كثيف، وكانت كل أطرافي تئن من الألم، ولفني سكون الموتى وشعرت أني حزين ووحيد.
وشهد يوم الجمعة التالي منظرا غريبا في مسجد الجمعة الكبير في دلهي. كان رجل أجنبي أصفر الشعر شاحب الوجه يشق طريقه مصحوبا ببعض كبار العلماء - كان يشق طريقه خلال الجمع الحاشد من المؤمنين - كنت أرتدي رداءا هنديا وغطاء رأس هندي، وعلقت على صدري الأوسمة التي منحنيها السلاطين الأتراك، وحلق في المؤمنون بدهشة واستغراب شديدين، وشقت مجموعتنا الصغيرة الطريق مباشرة إلى المنبر الذي كان يحوطه كبار العلماء الأجلاء الذين استقبلوني بعطف شديد وسلام عال، وجلست بجوار المنبر وتركت عيناي تتجولان في قبلة المسجد الجملية الزخرفة، وفي وسط الباحة كانت ضبابير النحل البرية قد بنت بيوتها وكانت تطير دون أن يزعجها أحد حولنا.
وفجأة تلي الآذان ونقل المكبرون الواقفون في أماكن مختلفة من المسجد - نقلوا الآذان إلى كل ركن بعيد من أركان المسجد وقام ما يقرب من أربعة آلاف من الرجال كالجنود عند سماعهم هذا النداء السماوي تجمعوا واقفين في صفوف منتظمة وأدوا الصلاة في خشوع عميق وكنت واحدا منهم وكانت لحظة جليلة وبعد أن ألقيت الخطبة أخذني الشيخ عبد الحي من يدي وقادني على درجات المنبر وبدأ الحشد الكبير من الناس يتحرك - آلاف من العمائم البيضاء كانت أشبه بحقل من الورود البيضاء يتطلعون مهمهمين إلي، وأحاطني العلماء الكبار ذوو اللحى الرمادية الوقورة بعيون تفيض عطفا وتشجيعا، فأمدني عطفهم بثبات غير عادي ودون تشنج أو خوف صعدت ببطء إلى الدرجة السابعة من المنبر ومن فوق المنبر نظرت إلى هذا الجمع الحاشد الذي كان يموج تحتي كأنه بجر حي وهؤلاء الذين وقفوا بعد ذلك مادين أعناقهم نحوي، الشيء الذي جعل الممر كله حركة ما شاء الله، صاح واحد من الواقفين حولي وصافحتني العيون كلها بحرارة ومودة.
أيها السادة الكرام - هكذا بدأت بالعربية - لقد حضرت من بلاد بعيدة لأحوز علما لا يتيسر لي في وطني، ولقد أتيت ملتمسا منكم الإلهام ولقد لبيتم ندائي وتابعت قولي فبدأت أتحدث عن الإسلام ودوره الذي أداه في تاريخ العالم، وعن المعجزة التي طوعها الله لرسوله وشرحت أسباب تأخر المسلمين المعاصرين وعن الأسباب التي
(1) سورة النبأ الآية 6
(2)
سورة النبأ الآية 7
(3)
سورة النبأ الآية 8
(4)
سورة النبأ الآية 9
تمكنهم من استعادة أمجادهم، إنه لحكمة إسلامية أن كل شيء بأمر الله ولكن الله يقول:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (1) وبنيت حديثي على هذه الآية القرآنية وأردفتها بثناء على إحياء التقوى ومحاربة الرذيلة.
وبعدها جلست وصحيت من لحظة الجاذبية المغناطيسية التي بعثتها كلمتي على صيحة " الله أكبر " تبعث من كل ركن من أركان المسجد، وكان التأثير بالغا ولا أستطيع أن أتذكر سوى أن الشيخ إسلام قد أخذني من فوق المنبر متأبطا ذراعي وجرني جرا خارج المسجد.
وسألته: لماذا هذه العجلة؟
ووقف الرجال أمامي يحتضنوني وكان كثير من الأخوة الذين طحنتهم الدنيا ينظرون إلي بعيون يملؤها الأمل - لقد كانوا يسألونني البركة ويريدون أن يقبلوا يدي. يا إلهي لا تدع النفوس الطاهرة ترفعني أكثر مما استحق، أنا لست إلا حشرة بين آلاف الكائنات فوق ظهر الأرض، لست إلا باحثا عن النور، لست إلا إنسانا ضعيفا كغيري من الكائنات البائسة "! ولقد أخجلتني تنهدات وآمال أولئك الأبرياء كما لو كنت قد غششتهم أو سرقتهم وقلت: كم هو حمل ثقيل به حمل رجل الدولة الذي يثق فيه الناس ويرجون منه الأمل والمعونة ويعتبرونه خيرا منهم! ولقد حررني الشيخ إسلام من أحضان إخوتي الجدد ودفعني في عربة وقاد بي إلى البيت.
وفي اليوم التالي والأيام التالية له تجمع الناس حولي يهنئونني ويباركونني، ولقد جمعت من حرارة محبتهم وشدة عواطفهم دفئا يكفيني لعمري كله ".
(1) سورة الرعد الآية 11