الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طفيل محمد
(1)
المسجد ومكانته في الإسلام
" وأقول مع شديد الأسف إن بعض الدول الإسلامية في العصر الحاضر بدلت قوانين الأحوال الشخصية. الأمر الذي لم يستطع الاستعمار الغربي أن يتجاسر عليه في عهد الاحتلال. . وأضرب لكم مثلا من بلادي.
فقد طبق فيها قانون من عام 1968 لا يسمح بأن يعقد شاب عمره أقل من ثمانية عشر عاما زواجه بفتاة يقل عمرها عن ستة عشر عاما، وإنهما إن فعلا ذلك فإن القانون يعاقبهما ووالديهما وشهود النكاح أيضا أشد العقاب. . .!.
نعم، إذا جاء ذلك الفتى وتلك الفتاة ينشئان العلاقات غير الشرعية بينهما على رضاهما فليس هناك قانون يمنعهما من ذلك، ثم إذا أحب الرجل المتزوج أن يتخذ إحدى النساء محظية له لا يمانعه قانون. .!؟.
(1) الأستاذ طفيل محمد أمير الجماعة الإسلامية بباكستان.
ولكن إذا أراد أن يتزوج بتلك المرأة فلا يستطيع بموجب القانون إلا بعد الحصول على الإذن من زوجته الأولى. . ".
الحمد لله العلي العظيم. . . والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين، وبعد:
سيدي الرئيس والسادة شركاء مؤتمر رسالة المسجد. . .
إن الملك المؤمن خالد بن عبد العزيز -حفظه الله- وحكومته الموقرة والقائمين على رابطة العالم الإسلامي ليستحقون كل تقدير وشكر وامتنان على مبادرتهم العظيمة لعقد مؤتمر رسالة المسجد في مكة المكرمة ودعوة أهل العلم والدعوة والفكر من المسلمين لحضوره؛ ليتفكروا وهم في جوار بيت الله وفي ظل مهبط الوحي: ماذا عسى أن تكون التدابير الفعالة والخطوات الحسنة لتحسين أوضاع المساجد وتطوير إدارتها وإحياء رسالتها الحقيقية واستعادة مكانتها السامية، ورفع مستوى الأئمة والخطباء والمساعدين من النواحي العلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ لينالوا في المجتمعات الإسلامية نفس المكانة السامية التي أرادها لهم الإسلام، وليقدروا على أداء نفس الدور الفعال الذي كان يؤديه الخطباء والأئمة في القرن الأول في النهوض بالمسلمين وإصلاحهم إصلاحا شاملا يستوعب كل جوانب حياتهم الدينية والخلقية والثقافية والاجتماعية.
وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يجزي الملك الكريم خالد بن عبد العزيز -حفظه الله- خير الجزاء وأوفاه، ويوفقه للمزيد من خدمة ما فيه خير الإسلام وسعادة المسلمين، ويجعله يحذو حذو أخيه الكبير الشهيد العظيم فيصل بن عبد العزيز رحمه الله رحمة واسعة، ويكتب له السبق في هذا المضمار كما قال الله سبحانه وتعالى:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (1) وكذلك أدعو للقائمين على رابطة العالم الإسلامي وعلى رأسهم الشيخ الموقر الكريم الصالح محمد صالح القزاز أن يكتب لهم جزاء حسنا ونجاحا باهرا في هذا الصدد. . . وأنا كلي دعاء وتضرع لجميع المؤتمرين الكرام لأن يخرجوا من هذا المؤتمر وهم على توفيق شامل وعزم أكيد وتخطيط مصمم وحماس عارم لأن يبذلوا ما في وسعهم من الجهود لإحياء رسالة المسجد بصورة يرتضيها الله ورسوله، ولا يخافون في ذلك لومة لائم. . . والله ولي التوفيق.
(1) سورة المطففين الآية 26
المسجد لغة مكان السجود، واصطلاحا ذلك البيت الذي تقام فيه الصلاة ويعبد فيه الله. . . وكان المسجد في الإسلام مركزا لنشاطات المسلمين الاجتماعية والثقافية. . . وإلى جانب ذلك كان في عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة مدرسة يشع منها نور الحق.
ولكنه من الأسف أن الانهيار الذي تغلغل في حياة المسلمين الاجتماعية بعد الخلافة الراشدة لم يستطع المسجد أيضا بسببه أن يحافظ على مكانته الحقيقية. . . بل أصبح مكانا لإقامة الصلاة والعبادة فقط، أو مركزا للتدريس والوعظ والإرشاد إلى آخر الحد. . أما أن يكون المسجد هو المقر الذي تتم فيه شئون المسلمين بالمشورة وبدافع خشية الله فقد انتزعت منه تلك المكانة العظيمة وحلت محله البلاطات الملكية، حيث كان الملوك المستبدون يقضون في شئون الناس حسب ما تمليهم أهواؤهم. . . اللهم إلا من رحم ربي. . .
ولما تمت سيطرة الإنكليز على شبه القارة الهندية فإنهم لأجل القضاء على الشخصية الإسلامية فيها حاولوا السيطرة على المساجد ولكن المسلمين قاوموا هذه الفكرة باستماتة وإباء ونجحوا في إحباط تلك المؤامرة. . ولكن الإنكليز اختاروا أسلوبا آخر لتحقيق غايتهم وهو أنهم استخدموا الأفراد الذين ربوهم في أكنافهم وبذلوا لهم الألقاب العديدة وعن طريقهم كونوا جمعيات تشرف على المساجد، وهكذا استطاعوا أن يجعلوا طائفة من المساجد الرئيسية في البلاد تحت نفوذهم ورعايتهم، حتى لا يعلو منها على الأقل صوت يحارب الاستعمار الإنكليزي. . أما عامة المساجد في المدن والقرى فإن المسلمين على رغم الاحتلال الإنكليزي العنيف حافظوا على حريتها وقدسيتها. . . وبفضل تلك الحرية استطاعت مساجد المسلمين ومعاهدهم أن تجعل قناديل الإيمان والإسلام مستنيرة متلألئة في قلوب المسلمين، وبفضل تلك الحرية والقناديل الإيمانية برزت أخيرا إلى الوجود دولة باكستان الإسلامية في ربوع الهند الوثنية في عام 1947 م.
وصحيح مبدئيا أن رعاية المساجد والمعاهد هي مهمة الحكومة الإسلامية الأولى. . . ولكن هذه المهمة لا يستطيع أداءها على أحسن وجهها إلا حكومة تحذو حذو الخلافة الراشدة. . . بل إلى هذا النمط من الحكومة الرشيدة يمكن تفويض هذه المهمة. . . ولا تصلح للقيام بها حكومة لا تقر بحاكمية الله، ولا
تؤمن بشريعة الله قانونا أساسيا للدولة. . . وتطبق قوانين الكفر بدلا من قانون الله، وتقمع صوت الخير والصلاح. . . وتروج السوء والفحشاء. . . وبدلا من أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تأتي فتهدد دعاة الحق والخير وتروعهم، وتزج بهم في السجن، وتعلقهم على المشانق.
وبالمناسبة أقول، مع شديد الأسف، إن بعض الدول المسلمة في العصر الحاضر بدلت قوانين الأحوال الشخصية. . الأمر الذي لم يستطع الاستعمار الغربي أن يتجاسر عليه في عهد الاحتلال. . . وأضرب لكم مثلا من بلادي. . . فقد طبق فيه قانون من عام 1968م لا يسمح بأن يعقد شاب عمره أقل من ثمانية عشر عاما زواجه بفتاة أقل من ستة عشر عاما، وإنهما إن فعلا ذلك فإن القانون يعاقبهما ووالديهما وشهود النكاح أيضا أشد العقاب. . . أما إذا جاء ذلك الرجل وتلك الفتاة ينشئان العلاقات غير الشرعية بينهما على رضاهما فليس هناك من قانون يمنعهما من ذلك، ثم إذا أحب الرجل المتزوج أن يتخذ إحدى النساء محظية له لا يمانعه قانون، ولكنه إذا أراد أن يتزوج بتلك المرأة فلا يستطيع الرجل بموجب القانون إلا بعد الحصول على الإذن من زوجته الأولى. . . ولا ينقصكم في هذا العصر مثل للحكومة التي منعت الأذان والخطبة باللغة العربية. . . وهناك عدة دول مسلمة تحاول فرض الاشتراكية على أعناق المسلمين باسم الإسلام، ولا يخفى عليكم ما آل إليه أمر نظام الحياة الإسلامية والقيم الإسلامية في ظل بعض الحكومات المسلمة في بعض البلدان.
ولذلك أرى، بدون ما ريب، أن نظام المساجد والمدارس يجب أن يبقى بعيدا عن تدخل الحكومات ونفوذها. . . وإلا سيكون مصيره مصير النظام الكنائسي، وبالتالي يتحول نظام المساجد في كل بلد إلى نظام قومي مثل الكنيسة القومية، يتبع المصالح القومية ويصير أداة بيد الحكام، ولا حاجة بعد ذلك إلى ذكر الأضرار التي تلحق بدين الله والوحدة الإسلامية بهذه الطريقة، ثم ليس من المستبعد أن يقع نظام المساجد والمدارس في متاعب ومحن لا تعد ولا تحصى إذا سيطر عليها الحكام في مختلف البلدان تتضارب أفكارهم وتتنازع مصالحهم، وأقترح أن تقام في مختلف أنحاء العالم الإسلامي معاهد لتربية الأئمة والخطباء وإعدادهم إعدادا صحيحا كاملا يتلقى فيها الأئمة والخطباء قدرا لازما من المعارف والعلوم التي تؤهلهم للقيام بواجب التوجيه والدعوة والإصلاح وفق مقتضيات العصر.
وكذلك لأجل إحياء رسالة المسجد في الحياة القومية ولجعله مؤسسة فعالة لتطوير المستوى الديني والخلقي
للمسلمين لا بد من أن تتبع كل مسجد مكتبة ودار للمطالعة تضم كتبا فكرية وعلمية وإسلامية هامة وجرائد ومجلات إسلامية عالمية. .
وبصدد تنظيم المساجد وتحسينها وإعداد الأئمة والخطباء كذلك أقترح إنشاء مجلس إسلامي يتكون من عشرين أو خمسة وعشرين عضوا من أصحاب العلم والتقى وأرباب الفضل والبصيرة من مختلف أنحاء العالم. . . ويكون مقر ذلك المجلس مكة المكرمة أو المدينة المنورة، وتكون مهمته دراسة أوضاع المساجد والمعاهد ونظمها الراهنة في جميع الدول الإسلامية وغير الإسلامية عن طريق الممثلين، ثم وضع مشروع شامل فعال لجعل المساجد أنفع وسيلة وأقوى مركز لتحسين أحوال المسلمين الدينية والخلقية والقومية والقضاء على ما بينهم من الطائفية وضيق النظر والعصبيات والخلافات المذهبية غير الصحيحة، وربطهم بحبل الأمة الإسلامية الواحدة كما كانوا في عهد الرسول أمة واحدة وجماعة واحدة.
وقد ورد في القرآن الكريم توجيه أساسي بشأن نظام المسجد وما يرجع إليه أمره قال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (1) التوبة: 18.
ويتضح من هذه الآية بدون ما غموض أن الله تعالى لا يحب أن يسلم أمر المساجد إلى أشخاص لا يبالون بأحكام الله ورسوله واليوم الآخر، ولا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ويخشون الناس ولا يخشون الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. . .
(1) سورة التوبة الآية 18