الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (1) فالسياق يدل على أن الإنفاق هنا كالإنفاق في الآية السابقة.
وفي سورة الأنفال قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (2).
فالمقام يدل بوضوح على أن سبيل الله في الآية هو محاربة أعداء الله ونصرة دين الله، كما صرح بذلك الحديث الصحيح:«من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (3)» .
وهذا المعنى الخاص هو الذي يعبر عنه أحيانا بالجهاد والغزو. وتفسيرنا له بنصرة الإسلام أولى، وإلا لكان مضمون معنى {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (4) جاهدوا في الجهاد.
* * *
(1) سورة الحديد الآية 10
(2)
سورة الأنفال الآية 60
(3)
متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري
(4)
سورة البقرة الآية 218
سبيل الله في آية مصارف الزكاة
وإذا كان لسبيل الله مع الإنفاق هذان المعنيان: العام والخاص - كما ذكرنا - فما المراد به معنا في الآية التي حددت مصارف الزكاة، والإنفاق ملحوظ فيها وإن لم يذكر لفظه؟ إن الذي أرجحه أن المعنى العام لسبيل الله لا يصلح أن يراد هنا؛ لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة، لا تحصر أصنافها فضلا عن أشخاصها، وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية، كما هو ظاهر الآية، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات
حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء (1)» كما أن سبيل الله بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين وبقية الأصناف السبعة الأخرى؛ لأنها جميعها من البر وطاعة الله، فما الفرق إذن بين هذا المصرف وما سبقه وما يلحقه؟
إن كلام الله البليغ المعجز يجب أن ينزه عن التكرار بغير فائدة. فلا بد أن يراد به معنى خاص يميزه عن بقية المصارف، وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من أقدم العصور، فصرفوا معنى سبيل الله إلى الجهاد، وقالوا: إنه المراد به عند إطلاق اللفظ. ولهذا قال ابن الأثير: إنه صار لكثرة الاستعمال فيه كأنه مقصور عليه، كما نقلنا عنه في أول الفصل. ومما يؤيد ما قاله ابن الأثير ما رواه الطبراني:«أن الصحابة كانوا يوما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا شابا جلدا، فقالوا: لو كان شبابه وجلده في سبيل الله» ؟ (2) يريدون: في الجهاد ونصرة الإسلام.
وصحت أحاديث كثيرة عن الرسول وأصحابه تدل على أن المعنى المتبادر لكلمة (سبيل الله) هو الجهاد. كقول عمر في الحديث الصحيح: حملت على فرس في سبيل الله يعني في الجهاد. وحديث الشيخين: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (3)» . وحديث البخاري: «من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة يعني حسنات (4)» وحديث الشيخين: «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا (5)» وحديث النسائي والترمذي وحسنه: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت بسبعمائة ضعف (6)» وحديث البخاري: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار (7)» وغيرها كثير.
ولم يفهم أحد من سبيل الله فيها إلا الجهاد.
فهذه القرائن كلها كافية في ترجيح أن المراد من (سبيل الله) في آية المصارف، هو الجهاد، كما قال الجمهور، وليس المعنى اللغوي الأصلي، وقد أيد ذلك حديث لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة. . وذكر منهم الغارم والغازي في "سبيل الله". اهـ (8).
هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب الرئيس
…
رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع
…
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(1) سنن أبو داود الزكاة (1630).
(2)
قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، جـ 3 ص 4 ط المنيرية.
(3)
صحيح البخاري الجهاد والسير (2792)، صحيح مسلم الإمارة (1880)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1651)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 264).
(4)
صحيح البخاري الجهاد والسير (2853)، سنن النسائي الخيل (3582)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 374)، موطأ مالك كتاب الجهاد (975).
(5)
صحيح البخاري الجهاد والسير (2840)، صحيح مسلم الصيام (1153)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1623)، سنن النسائي الصيام (2251)، سنن ابن ماجه الصيام (1717)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 26)، سنن الدارمي الجهاد (2399).
(6)
سنن الترمذي فضائل الجهاد (1625)، سنن النسائي الجهاد (3186).
(7)
خرج هذه الأحاديث كلها المنذري في الترغيب جـ 3 كتاب الجهاد.
(8)
فقه الزكاة جـ 2 ص 652 ـ 657 الطبعة الأولى
قرار الهيئة
قرار رقم " 24" وتاريخ 21/ 8 / 1394 هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه وبعد: فقد جرى اطلاع هيئة كبار العلماء في دورتها الخامسة المعقودة بمدينة الطائف بين يوم 5 8 94 هـ ويوم 22 8 94 هـ على ما أعدته اللجنة للبحوث العلمية والإفتاء من بحث في المراد بقول الله تعالى في آية مصارف الزكاة {وفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) هل المراد بذلك الغزاة في سبيل الله وما يلزم لهم، أم عام في كل وجه من وجوه الخير. وبعد دراسة البحث المعد والاطلاع على ما تضمنه من أقوال أهل العلم في هذا الصدد - ومناقشة أدلة من فسر المراد بسبيل الله في الآية بأنهم الغزاة وما يلزم لهم، وأدلة من توسع في المراد بالآية ولم يحصرها في الغزاة فأدخل فيه بناء المساجد والقناطر وتعليم العلم وتعلمه وبث الدعاة والمرشدين وغير ذلك من أعمال البر. رأى أكثرية أعضاء المجلس الأخذ بقول جمهور
(1) سورة التوبة الآية 60
العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء من أن المراد بقوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) الغزاة المتطوعون بغزوهم وما يلزم لهم من استعداد. وإذا لم يوجدوا صرفت الزكاة كلها للأصناف الأخرى ولا يجوز صرفها في شيء من المرافق العامة إلا إذا لم يوجد لها مستحق من الفقراء والمساكين وبقية الأصناف المنصوص عليهم في الآية الكريمة، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
(1) سورة التوبة الآية 60
وعن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) سنن أبو داود كتاب البيوع (3527).
(2)
سورة يونس الآية 62 (1){أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}