الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبعد أن تحدث عن أمجاد أصوله انتقل فبين نصرة قومه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاهم وقد أظلمت الأرض بين عينيه وبين موقف قريش من محمد صلى الله عليه وسلم ومن دعوته فقال:
أتانا رسول الله لما تجهمت
…
له الأرض يرميه بها كل موفق (1)
تطرده أفناء قيس وخندف
…
كتائب إلا تغد للروع تطرق (2)
فكنا له من سائر الناس معقلا
…
أشم منيعا ذا شماريخ شهق
فنحن ولاة الناس في كل موطن
…
متى ما نقل في الناس قولا نصدق
نوفق في أحكامنا حكماؤنا
…
إذا غيرهم في مثلها لم يوفق
في هذه الأبيات بين الشاعر تنكر قوم الرسول صلى الله عليه وسلم له وتألبهم عليه حين فوقوا سهامهم نحوه واجتمع على طرده أبناء قيس وخندف فلاذ بالأنصار حيث لقي بهم الحصن المنيع الشاهق الذي لا ينال، ثم كشف حسان عن مكانة قومه، وأنهم ولاة الناس وقضاتهم الموفقون في أحكامهم حين لم يوفق غيرهم.
وإنا لنلمس في القصيدة كلها قوة في الأسلوب وروعة في التصوير تدفع أحكام أولئك الذين رموا شعر حسان الإسلامي كله بالضعف والحقيقة أن الشاعر حين تثور في نفسه ثورة المفاخر يستوحي من تلك الثورة العبارة العالية والصورة الغالية التي تضعه في مصاف كبار الشعراء.
* * *
(1) تجهمت: تنكرت، والموفق: الذي جعل فوق السهم في الوتر ليرمي به
(2)
أفناء: النزاع من قبائل مختلفة، تطرق: تتكهن وتحتال من طرق الحصى أي الضرب به وهو نوع من التكهن.
حسان الثائر لكرامة الأنصار
ليس ثمت من ينكر فضل الأنصار وسبقهم وإيواءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولصحبه من المهاجرين وأن الله أعز بهم الإسلام وأقام بناءه.
وأن أولئك الأنصار حين أدوا ما أدوا للإسلام ما كانوا يرتقبون شكرا، ولكن حسان الشاعر بدا له أنهم أقصوا عن المكانة التي يستحقونها حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم بني سليم على الأنصار يوم فتح مكة، ولم يكن تقديم الرسول لبني سليم يحمل وراءه تقديمهم على الأنصار ولكن لعل الرسول خاف اشتباك قريش والأحابيش بالأنصار؛ لأنهم هم القوة التي فتكت بسادة قريش في بدر وفي أحد وفي الخندق، ومن ثم أراد الرسول
أن يجنب فتح مكة الدماء؛ لأنه لم يزل يأمل في أن ينسى أهلها الدماء ويقبلوا على الإسلام، أو لعل الرسول أراد أن يبين لقريش أن جيش الفتح ليس قوامه الأنصار، بل ها هي تلك طلائعه تموج في ألف من بني سليم وقد غاب عن حسان رأي الرسول في تقديم بني سليم على الأنصار فثارت شاعريته وقال:
وأت الرسول فقل يا خير مؤتمن
…
للمؤمنين إذا ما عدل البشر
علام تدعى سليم وهي نازحة
…
أمام قوم هم آووا وهم نصروا
سماهم الله أنصارا لنصرهم
…
دين الهدى وعوان الحرب تستعر
وجاهدوا في سبيل الله واعترفوا
…
للنائبات فما خاموا وما ضجروا
والناس ألب علينا ثم ليس لنا
…
إلا السيوف وأطراف القنا وزر
ونحن جندك يوم النصف من أحد
…
إذ حزبت بطرا أشياعها مضر
فما ونينا وما خمنا وما خبروا
…
منا عثارا وجل القوم قد عثروا
هذه صفحة من كفاح الأنصار ينشرها حسان وهي مقبولة من شاعر الرسول الحريص على أن تظل للأنصار مكانتهم في الطليعة بين المسلمين وألا تقصيهم الأيام عن مكانهم، ولعل ذلك الحرص هو الذي فجر أحاسيس الشاعر فنادى الرسول: يا خير مؤتمن على مكانة الأنصار وهو يسوي الصفوف حتى لا تغيب في غمار الأحداث مكانتهم وهم المجاهدون، وتساءل الشاعر علام تقدم سليم وهي بعيدة أمام الأنصار الذين جاهدوا في الله حق الجهاد وما جبنوا في معركة ولا ضجروا من طولها حين تألب العرب عليهم فلم يعصمهم منهم غير السيوف والرماح فهم الذين ثبتوا في أسفل أحد حيث جمعت مضر الأشياع والأحزاب للقضاء على الإسلام والمسلمين ولم تفتر عندئذ للأنصار همة وما نكصوا وما عثروا حين عثر الناس جميعا وتساقطت عزائمهم.
وكان جواب الرسول على ثورة حسان خطبته بعد تقسيم غنائم هوازن وألف قلوب القرشيين بالكثير منها وقد ختم الخطبة بقوله: لو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ودعا للأنصار ولأبناء الأنصار، وكان في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ما يقنع حسان ويطمئنه على مكانة الأنصار.