المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

لنا أن المذهب الحنفي على ضيقه في تصحيح الشروط وتأخره - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌التمسك بالإسلام حقاهوسبب النصر والنجاة في الآخرة

- ‌على طريق الجسد الواحدإلىمركز اليابسة على الأرض مكة المكرمة

- ‌وفي سبيل الله

- ‌ المراد بسبيل الله في القرآن

- ‌معنى سبيل الله إذا قرن بالإنفاق

- ‌سبيل الله في آية مصارف الزكاة

- ‌الشرط الجزائي

- ‌المراد بالشرط الجزائي والداعي إليه

- ‌ ما للشرط الجزائي من صور مختلفة

- ‌ ما يندرج تحته الشرط الجزائي من أنواع الشروط التي تشترط في عقود المعاملات

- ‌ضوابط الشروط المقترنة بالعقد

- ‌الشرط الذي يلائم العقد

- ‌ما يجب لصحة الشرط الذي يلائم العقد

- ‌الشرط الذي يجري به التعامل

- ‌الشرط الفاسد

- ‌ المذهب الحنفي

- ‌ العقود التي يكون فيها الشرط الفاسد مفسدا للعقد

- ‌ تأصيل المذهب الحنفي وتطور الفقه الإسلامي

- ‌السبب في تحريم تعدد الصفقة - وحدة العقد

- ‌تطور الفقه الإسلامي في الشروط المقترنة بالعقد

- ‌ تطور الفقه الإسلامي في المذهب الحنفي

- ‌تطور الفقه الإسلامي في المذهب الشافعي

- ‌ تطور الفقه الإسلامي في المذهب المالكي

- ‌تقدير مذهب مالك

- ‌ المذهب الحنبلي

- ‌الشرط الصحيح في مذهب الحنابلة

- ‌استكمال المذهب الحنبلي بأقوال ابن تيمية

- ‌مقارنة بين المذاهب الأربعة في تصحيح الشروط المقترنة بالعقد

- ‌مقارنة إجمالية:

- ‌مقارنة تفصيلية

- ‌ملخص قرار الهيئة

- ‌من زوايا الدعوة إلى الله

- ‌النبوةدراسة من القرآن الكريم

- ‌الفرق بين النبي والرسول

- ‌نهج القرآن في تحديد كل من النبي والرسول

- ‌شبهات وشعاراتحولتطبيق الشريعة

- ‌تحول العبادات إلى عاداتوأثره في حياة المسلمين

- ‌مفهوم العبادة في الإسلام

- ‌تحول مفهوم العبادة

- ‌أمثلة على هذا التحول

- ‌سبب هذا التحول

- ‌خطر هذا التحول على الحياة الإسلامية

- ‌أحمد بن حنبل

- ‌ مرضه ووفاته

- ‌من مراجع البحث

- ‌حسان بن ثابت

- ‌صدق شاعريته

- ‌بين حسان وشعراء قريش بعد إسلامهم

- ‌من مدائحه في الغساسنة

- ‌شعر حسان في الإسلام

- ‌من شعر حسان المرتجل في الوفود

- ‌الغزوات والسرايا في شعر حسان

- ‌حول فرار الحارث بن هشام يوم بدر

- ‌على ماء بدر

- ‌يوم أحد

- ‌حسان يتحدث عن غزوة الخندق

- ‌فخره في الجاهلية

- ‌تفاخره في شعره الإسلامي

- ‌حسان الثائر لكرامة الأنصار

- ‌الهجاء في شعر حسان

- ‌المراثي في شعر حسان

- ‌شعر حسان سجل للأنساب

- ‌شعر حسان الإسلامي

- ‌الأمومة والطفولة في الإسلام

- ‌الأمومة في القرآن

- ‌أم إسماعيل

- ‌أم موسى

- ‌أم المسيح

- ‌الحسبة والنظام الإداري

- ‌ النظام الإداري الإسلامي؟ وقيام الأفراد به:

- ‌أهمية الحسبة في النظام الإسلامي

- ‌النظم الحديثة والحسبة

- ‌الوضع في الإسلام

- ‌الحديث عن لو

- ‌إسقاط الكرة الأرضية بالنسبة لمكة المكرمة وتعيين اتجاه القبلة

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولتعيين الاتجاه بين مكانين على سطح الكرة الأرضية

- ‌الفصل الثانيحساب البيانات المطلوبة من المثلث

- ‌الفصل الثالثحساب المسافات والانحرفات اللازمة لإسقاط الخريطة المطلوبة

- ‌الفصل الرابعإعادة إسقاط خريطة العالم بالنسبة للاتجاهات الصحيحة للصلاة

- ‌أول سماعه للحديث

- ‌رحلاته في طلب الحديث

- ‌نيته عند شربه ماء زمزم

- ‌إبطاله لكتاب مزور كتبه اليهود

- ‌خروج الخطيب إلى دمشق وهجره بغداد

- ‌رجوعه إلى بغداد

- ‌مرضه ووصيته ووفاته

- ‌علومه

- ‌بعض مناقبه وأخلاقه

- ‌بعض صفاته

- ‌شيوخه

- ‌تلاميذه

- ‌مصنفاته

- ‌ثناء العلماء عليه

- ‌ تراجم رجال سند هذه الرسالة

- ‌ ابن الطراح

- ‌ست الكتبة

- ‌محمد بن علي المظفر بن القاسم

- ‌إسماعيل ابن أبي اليسر التنوخي

- ‌ ابن جعوان

- ‌ علي بن المظفر النشبي

- ‌وصف المخطوطة وعملي في الكتاب

- ‌سند المخطوطة إلى المؤلف

- ‌بعض مزايا الشافعي

- ‌فصلسبب ترك البخاري إخراج الحديث عن طريق الشافعي

- ‌مصادر التحقيق والمقدمة

- ‌مؤتمرات

- ‌لجنة رسالة المسجد

- ‌لجنة إعداد الأئمة

- ‌لجنة إدارة المسجد

- ‌لجنة التمويل

- ‌لجنة التخطيط الهندسي

- ‌لجنة خطبة الجمعة

- ‌لجنة المسجد الأقصى

- ‌عبد الله بن عبد الله الزائد

- ‌محمود شيت خطاب

- ‌الرسالة العسكرية للمسجدالثكنة الأولى

- ‌التربية الاستعمارية

- ‌تعريب المصطلحات

- ‌الدين والعسكرية هل هما على طرفي نقيض

- ‌أثر المسجد في العسكريين

- ‌النصر مسئولية الشعب كله لا الجيش وحده

- ‌المسجد والعسكرية

- ‌مقترحات

- ‌رسالة المساجد في صدر الإسلام

- ‌ بناء مسجد قباء:

- ‌ بناء المسجد النبوي:

- ‌ بناء المساجد في الأسفار والغزو:

- ‌ منزلة المساجد في الإسلام:

- ‌وظيفة المسجد في صدر الإسلام

- ‌أمر المساجد والقائمين عليها اليوم

- ‌الوسائل لتحقيق رسالة المسجد اليوم

- ‌محمد المجذوب

- ‌رسالة المسجد قديما وحديثا

- ‌جامعات شعبية

- ‌بين أمس واليوم

- ‌التطور المدمر

- ‌لنبدأ من هنا

- ‌المسجد الذي نريده

- ‌المراكز الإسلامية

- ‌طموح مشكور يرجى تحقيقه

- ‌رسالة المسجد عبر التاريخ

- ‌أبو بكر القادري

- ‌أحمد شلبي

- ‌رسالة المسجد في العالم عبر التاريخ

- ‌رسالة المسجد في الماضي والحاضر

- ‌ضياء الدين بابا خانوف

- ‌سليمان دنيا

- ‌طفيل محمد

- ‌المسجد ومكانته في الإسلام

- ‌محمد حسين يوسف

- ‌رسالة المساجد في عصور ازدهارها

- ‌أوضاع المساجد في العالم في العصر الحاضر

- ‌المسجد محور للنشاط ومركز للتوجيه الروحي والفكري للأمة

- ‌ إعداد الأئمة ومساعديهم ورفع كفاياتهم ومكانتهم

- ‌التخطيط لبناء المسجد ومرفقاته

- ‌محمد حسين الذهبي

- ‌رسالة المسجد في العالم عبر التاريخ

- ‌رسالة المسجد في عصور ازدهارها

- ‌أوضاع المساجد في العالم في العصر الحاضر

- ‌عبد الرءوف حامد التكينة

- ‌رسالة المسجد

- ‌إحياء رسالة المسجد

- ‌محمد بشير الباني

- ‌المسجد المعاصر

- ‌وضع هذا المسجد

- ‌الحلول لهذه الأزمة

- ‌التوصيات

- ‌أولا: فيما يتعلق بموضوع رسالة المسجد

- ‌ثانيا: فيما يتعلق بموضوع إعداد الأئمة والخطباء والدعاة

- ‌ثالثا: فيما يتصل بموضوع خطبة الجمعة

- ‌رابعا: فيما يتصل بموضوع:الإشراف على المسجد

- ‌خامسا: فيما يتعلق بموضوع المجلس الأعلى العالمي للمساجد

- ‌الاختصاصات

- ‌تكوين المجلس

- ‌سادسا: فيما يتعلق بموضوع تمويل المساجد

- ‌نفقات المساجد ورسالتها

- ‌سابعا: فيما يتصل بموضوع التخطيط الهندسي للمساجد

- ‌ثامنا: فيما يتعلق بموضوع المسجد الأقصى

- ‌تاسعا: توصيات عامة

- ‌كتب من التراث

- ‌نظام الأسرة عند ابن تيمية

- ‌كتب أجنبية

- ‌كيف صرت مسلما

- ‌المسلمون في أمريكا

- ‌المؤتمر الدولي للمسكرات والمخدرات

- ‌ حجر الأساس للجامعة الإسلامية لغرب أفريقيا

الفصل: لنا أن المذهب الحنفي على ضيقه في تصحيح الشروط وتأخره

لنا أن المذهب الحنفي على ضيقه في تصحيح الشروط وتأخره في التطور من هذه الناحية، هو أكثر المذاهب تقدما من ناحية تنسيق الصناعة القانونية. فنظريته في فساد العقد تفوق في وضوحها وتسلسلها المنطقي نظائرها في المذاهب الأخرى.

* * *

ص: 133

‌مقارنة تفصيلية

على أن هناك فروقا تفصيلية ما بين المذهب الحنفي ومذهب الشافعي اللذين ينتظمهما القسم الأول، وكذلك ما بين المذهب المالكي والمذهب الحنبلي اللذين ينتظمهما القسم الثاني.

فالمذهب الحنفي ومذهب الشافعي يبيحان جميعا الشرط الذي يقتضيه العقد، ويبيحان كذلك الشرط الذي يلائم العقد، إلا أن المذهب الحنفي يبيحه استثناء على سبيل الاستحسان، ومذهب الشافعي يبيحه أصلا لا استثناء. ثم يتميز المذهب الحنفي على مذهب الشافعي بإفساحه المجال للشرط الذي جرى به التعامل، ويبيحه استحسانا كذلك، فيدخل العرف من هذا الباب عنصرا مرنا يطور الفقه الإسلامي. أما المذهب الشافعي فلا تكاد تلمح فيه باب جريان التعامل مفتوحا. إنما يتحدث المذهب عن شرط تدعو إليه الحاجة فهو شرط لمصلحة العقد، ويمزج بينه وبين الشرط الذي يلائم العقد. ولكن مذهب الشافعي، من جهة أخرى، يصحح شروطا لا يصححها المذهب الحنفي، ومن ذلك اشتراط بائع الرقيق على مشتريه أن يعتقه، ومن ذلك ما يشترط الزوج في زوجته من بكارة أو جمال أو غير ذلك. وما تشترط الزوجة في زوجها من مال أو حرفة أو مورد للعيش.

أما المذهبان المالكي والحنبلي فيصدران جميعا عن مبدأ واحد، هو أن الأصل في الشروط الصحة، والفساد هو الاستثناء، فينبذان بذلك - إلى حد كبير - وحدة الصفقة. وقد يزيد المذهب الحنبلي على المذهب المالكي في تصحيح الشروط، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية حين قال:" وأصول أحمد رضي الله عنه المنصوصة يجري أكثرها على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه ". فيجوز في مذهب أحمد مثلا أن تشترط الزوجة على زوجها ألا يخرجها من بلدها أو دارها، أو لا يتسرى أو ألا يتزوج عليها، فإن لم يف لها بشرطها كان لها أن تفسخ الزواج. وهذه الشروط غير جائزة في مذهب مالك.

ولكن التميز الحقيقي للمذهب الحنبلي على المذهب المالكي ليس في الشروط الصحيحة، وإنما هو الشروط الفاسدة. على أننا أخذنا المذهب الحنبلي كما كان قبل أن يجدد فيه ابن تيمية، لما كاد يتميز عن المذهب المالكي

ص: 133

في ذلك. ففي المذهبين يفسد الشرط إذا كان مناقضا لمقتضى العقد، أو كان صفقة أخرى تقابل الصفقة الأصلية كبيع وسلف، فيخل الشرط بالثمن كما يقول المذهب المالكي، أو ينهى عن الشرط نص خاص كما يقول المذهب الحنبلي. وفي هذا النوع من الشرط الفاسد نلمح في المذهبين أثرا لمبدأ وحدة الصفقة، فهما يستبقيان هذا المبدأ في صورة من صوره، بل أن المذهب الحنبلي يزيد على المذهب المالكي بتحريم اجتماع الشرطين في عقد واحد. أما إذا أخذنا المذهب الحنبلي بعد تجديد ابن تيمية، فإننا نراه يتقدم تقدما كبيرا في التطور، فينبذ مبدأ وحدة الصفقة، ويضيق من منطقة الشروط الفاسدة، فلا يكون الشرط فاسدا إلا إذا كان منافيا لمقتضى العقد، أو إلا إذا كان مناقضا للشرع. اهـ

ويمكننا - على ضوء ما تقدم تقسيم الشروط في العقود إلى صحيح وفاسد - أن ننظر هل الشرط الجزائي من الشروط الصحيحة في العقود أم من الفاسدة؟ وفي حال القول بفساده هل ينحصر الفساد فيه أم يتعداه إلى العقد نفسه فيبطل ببطلانه.

لقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أن الشروط في العقود قسمان: صحيح وفاسد

أما الصحيح فثلاثة أنواع: أحدها شرط يقتضيه العقد كالتقابض وحلول الثمن، ويظهر أن الشرط الجزائي ليس من هذا النوع لإمكان تحقيق العقد بدونه.

الثاني: شرط من مصلحة العقد كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الضمين به أو صفة في المثمن ككون العبد خصيا أو مسلما والأمة بكرا والدابة هملاجة، وحكمه أنه صحيح وإن المشروط عليه إن وفى بالشرط لزم البيع وإن لم يف به فإن تعذر الوفاء تعين الأرش لصاحب الشرط، وإن لم يتعذر الوفاء به ففيه وجهان، الأول: أن صاحب الشرط مخير بين الفسخ والأرش وهو الصحيح من المذهب، والثاني: أنه ليس له إلا الفسخ.

وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي من مصلحة العقد؛ لأنه حافز لمن شرط عليه أن ينجز لصاحب الشرط حقه، ومساعد له على الوفاء بشرطه، فكان شبيها باشتراط الرهن والكفيل في الوفاء لصاحب الشرط بشرطه، وإذن يصح الشرط، ويلزم الوفاء به، فإن لم يف وتعذر استدراك ما فات تعين لمن اشترط شرطا جزائيا الأرش، وقد اتفق عليه عند العقد بتراضيهما، وإن لم يتعذر الاستدراك فلصاحب الشرط الخيار بين فسخ العقد والأرش مع بقائه.

الثالث: شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته وليس منافيا لمقتضاه كاشتراط البائع سكنى الدار شهرا أو اشتراط المشتري خياطة الثوب، وفي حكمه خلاف، قيل: يصح وقيل: لا يصح، ويظهر أن الشرط الجزائي ليس من هذا النوع من الشروط فهو مرتبط بالعقد حيث إنه تقدير للضرر المتوقع حصوله في حالة عدم الوفاء بالالتزام.

وأما الفاسدة فثلاثة أنواع:

أحدها: أن يشترط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدا آخر كبيع أو إجارة أو نحو ذلك فهذا الشرط غير صحيح، وهل يبطل العقد لبطلان الشرط أم يصح العقد ويبطل الشرط، قولان لأهل العلم أشهرها

ص: 134

القول ببطلان العقد لبطلان الشرط لكونه من قبيل بيعتين في بيعة، المنهي عنها. وفي القول بصحة العقد وبطلان الشرط رواية عن الإمام أحمد سنده فيها حديث عائشة حيث أرادت أن تشتري بريرة للعتق فاشترط أهلها ولاءها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:«اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق (1)» متفق عليه. فصحح الشراء مع إبطال الشرط. ويمكن أن يقال: بأن الشرط الجزائي من هذه الشروط الفاسدة المترتب على فسادها على المشهور لدى بعض أهل العلم فساد العقود المشتملة عليها. وتوجيه ذلك أن الشرط الجزائي يعتبر عقد معاوضة مغايرا للعقد الأصلي فهو من مسائل بيعتين في بيعة المنهي عنها. ويمكن أن يرد هذا بأن الشرط الجزائي ليس مستقلا عن العقد الأصلي وإنما هو من قبيل الاحتياط في إكماله بالوفاء بالشرط أو التعويض عما يترتب على الإخلال به من ضرر فليس من قبيل بعتك على أن تقرضني أو تزوجني أو تؤجرني؛ لأن كل وحد من هذه العقود يمكن أن يقع مستقلا عن العقد الأصلي بخلاف الشرط الجزائي فإنه لا يقع مستقلا.

الثاني من الشروط الفاسدة: شرط ينافي مقتضى العقد كأن يشترط في المبيع أن لا خسارة عليه أو ألا يبيع ولا يهب ولا يعتق، فهذه الشروط باطلة. وهل تبطل العقود المشتملة عليها؟ قولان لأهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما لا يبطل العقد وهو المذهب، اختاره في المغني، ونصره في الشرح، وجزم به في الوجيز، وقدمه في الفروع؛ لحديث بريرة، وإذا ألغى الشرط لبطلان كان لصاحبه الخيار بين الفسخ وما نقص من الثمن، وقيل: ليس له إلا الفسخ أو الإمضاء ولا أرش له، ويمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي ليس من هذا النوع من الشروط؛ لأنه منافاة بين نفاذه وبين العقد المشتمل عليه

الثالث من الشروط: الفاسدة شرط يعلق به العقد كقوله: بعتك إن جئتني بكذا أو إن رضي فلان، أو يقول الراهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك، فلا يصح المبيع، وهذا هو المذهب؛ لأن مقتضى العقد انعقاد البيع، وهذا الشرط يمنعه وللإمام أحمد رحمه الله رواية في تصحيح البيع والشرط اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه لم يخالف نصا. ويمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي من هذا النوع من الشروط باعتبار عقد معاوضة مستقلا. وعلى هذا الاعتبار فهو عقد معاوضة معلق على حصول الإخلال بالتزام في العقد الأصلي فتجري فيه أحكام هذا النوع من الشروط إلا أن القول ببطلان العقد لبطلانه لا يأتي على العقد الأصلي المشتمل عليه؛ لأن تحقق العقد الأصلي ليس مرهونا بوجود الشرط وإنما يعتبر الشرط الجزائي عقد معاوضة مستقلا معلقا نفاذه على الإخلال بالعقد الأصلي ذلك؛ لأن النص في عقد المقاولة مثل بعبارة: إن تأخر إكمالك العمل عن شهر كذا فعليك عن كل شهر تتأخر مبلغ كذا. يعتبر عقدا يشبه في الجملة عقد الرهن المتضمن قول الراهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك. ويمكن أن يرد على هذا بأن الشرط الجزائي ليس مستقلا عن العقد الأصلي وإنما هو من قبيل الاحتياط في إكماله بالوفاء بالشرط أو التعويض عما يترتب على الإخلال به من ضرر فليس من قبيل: بعتك على أن تقرضي أو تؤجرني أو تزوجني؛ لأن كل واحد من هذه العقود يمكن أن يقع مستقلا عن العقد الأصلي بخلاف الشرط الجزائي فإنه لا يقع مستقلا.

ونذكر جملة من العقود التي اقترن بها شرط، وكان ذلك مثار خلاف أئمة الفقهاء.

(1) صحيح البخاري البيوع (2168)، صحيح مسلم العتق (1504)، موطأ مالك العتق والولاء (1519).

ص: 135

أ - بيع العربون وهو: أن يشتري السلعة ويدفع إلى البائع مبلغا من المال على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فهو للبائع.

ص: 136

وقد بحث علماء المذاهب الإسلامية المعتبرة هذا النوع من البيوع واختلفوا فيه على قولين:

فذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى القول بتصحيحه. قال أبو محمد ابن قدامة رحمه الله (1): والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع، يقال: عربون وأربون وعربان وأربان. قال أحمد: لا بأس به وفعله عمر رضي الله عنه، وعن ابن عمر أنه أجازه، وقال ابن سيرين: لا بأس به، وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، وقال أحمد: هذا في معناه، واختار أبو الخطاب أنه لا يصح، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع العربون (2)» رواه ابن ماجه، ولأنه شرط للبائع شيئا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي. ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما، وهذا هو القياس، وإنما صار أحمد فيه إلى ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد تذهب إليه؟ قال أي شيء أقول؟ هذا عمر رضي الله عنه، وضعف الحديث المروي. روى هذه القصة الأثرم بإسناده.

فأما إن دفع إليه قبل المبيع درهما وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدأ وحسب الدرهم من الثمن صح؛ لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس، والأئمة القائلين بفساد العربون وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة، لم يستحق البائع الدرهم؛ لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله؛ لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالمبيع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة. اهـ.

وقد لخص الدكتور السنهوري أدلة القولين ورد أدلة القائلين ببطلان بيع العربون فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة رحمه الله ما نصه: (3).

ويمكن أن نستخلص من النص المتقدم ما يأتي:

إن الذين يقولون ببطلان بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم

(1) المغني جـ 4 ص 232 ـ 233 طبعة المنار.

(2)

سنن أبو داود البيوع (3502)، سنن ابن ماجه التجارات (2193).

(3)

مصادر الحق في الفقه الإسلامي الجزء الثاني ص 101 ـ 102.

ص: 136

الذي نهى عن بيع العربون؛ ولأن العربون اشترط للبائع بغير عوض، وهذا شرط فاسد؛ ولأنه بمنزلة الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة كما يقول: ولي الخيار متى شئت ردت السلعة ومعها درهم.

إن أحمد يجيز بيع العربون ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر، وضعف الحديث المروي في النهي عن بيع العربون، وإلى القياس على صورة متفق على صحتها هي: أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، قال أحمد: هذا في معناه.

ونرى أنه يستطاع الرد على بقية حجج من يقولون ببطلان بيع العربون - فالعربون لم يشترط للبائع بغير عوض إذ العوض هو الانتظار بالمبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري وتفويت فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة، وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول إذ المشتري إنما يشترط خيار الرجوع في البيع مع ذكر مدة معلومة إن لم يرجع فيها مضت الصفقة وانقطع الخيار. اهـ.

ويمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي يشبه بيع العربون في أن كلا منهما شرط يوجب على من أخل بالشرط عقوبة مالية يجري تعيينها قبل حصول ذلك.

ونوقشت المقارنة والترجيح بما يأتي:

أولا: في سند الأثر الذي فيه شراء نافع من صفوان دار السجن، عبد الرحمن بن فروخ السعد مولى عمر، وهو مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه إلا عمرو بن دينار ولذا ترك مسلم الرواية عنه في صحيحه، ولم يرو عنه البخاري إلا في التعليقات اللهم إلا أن يقال: إن الشهرة تقوم مقام راو آخر، ذكر معنى ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الحاكم.

ثانيا: هذا الأثر يحتمل متنه أن يكون عقد الشراء قد أبرم فعلا بين نافع وصفوان، ويحتمل أن يكون مجرد وعد من نافع لصفوان بالشراء، ثم كان العقد بعد العرض على عمر ورضاه.

ثالثا: دعوى الاتفاق على ما قاله ابن سيرين من أنه لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، تحتاج إلى إثبات حتى يتأتى قياس بيع العربون عليه، وإلا فمجرد قول ابن سيرين ليس بأصل يرجع إليه في الاستدلال، والإمام أحمد ليس بمجتهد مذهب حتى يقال إن هذا من باب التخريج على مسألة في المذهب بل هو مجتهد مطلق يرجع في اجتهاده إلى الأصول الشرعية.

رابعا: ذكر الأستاذ السنهوري أن العربون عوض عن انتظار البائع أو عن تفويت فرصة البيع عليه، فهل الانتظار أو تفويت الفرصة مما يقوم بمال حتى يستحق البائع العربون عوضا عنه؟ هذا محل

ص: 137

نظر، فالمخالف لا يوافقه على ذلك كما مر في النقل عن ابن قدامة رحمه الله.

خامسا: لم يذكر في تعريف بيع العربون تعيين مدة، فكان شبهة بالخيار المجهول ثابتا.

ب - مسألة ما إذا أعطى الرجل الخياط ثوبه فقال له: إن خطته اليوم فبعشرة أو خطته غدا فبتسعة. فهذه المسألة بحثها الفقهاء رحمهم الله ومنهم أبو الحسن المرداوي الحنبلي، فقد قال ما نصه:

قوله: وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين. وأطلقهما في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والمغني والشرح والفائق وشرح ابن منجا والحاوي الصغير إحداهما لا يصح وهو المذهب، والرواية الثانية يصح، وقدمه في الرعايتين. اهـ (1).

ج - مسألة ما إذا أكرى لأحد الناس دابة فقال: إن ردتها اليوم فكراؤها خمسة وإن رددتها غدا فكراؤها عشرة. فقال أحمد في رواية عبد الله: لا بأس به، قال في الفائق: صح في أصح الروايتين وجزم في الوجيز والمذهب وقدمه في الرعايتين والخلاصة والحاوي الصغير والنظم (2).

فعلى رأي القائلين بصحة العقد في المسألتين (ب - جـ) يكونون قد صححوا اقتطاع جزء من كل الأجرة جزاء التأخير، وهذا يشبهه الشرط الجزائي من حيث إن كلا منهما يوجب على المتسبب في الإخلال بالاتفاق غرامة مالية يجري تقديرها سلفا في مبدأ العقد. وقد يرد على ذلك بأن العقد في كلتا الصورتين ليس مشتملا على شرط التنجيز بخياطة الثوب أو رد الدابة وإنما هو عقد تخييري لحالين، أي حال منهما يقع عليها الاختيار يتعين العقد بموجبها، وعليه فليس فيه اقتطاع جزء من كامل الأجرة.

د - مسألة إذا قال: من خاط لي هذا الثوب في هذا اليوم فله كذا: فإذا خاطه في اليوم الثاني مثلا فهل يستحق الجعل أو أجرة المثل أو لا يستحق شيئا؟ هذه المسألة ذكرها ابن قدامة رحمه الله في المغني فقال في معرض تفريقه بين الإجارة والجعالة في حكم الجمع بين تقدير المدة والعمل: وإن علقه بمدة معلومة فقال: من رد لي عبدي من العراق إلى شهر فله دينار. أو من خاط قميصي هذا في اليوم فله درهم صح؛ لأن المدة إذا جازت مجهولة فمع التقدير أولى. . . إلى أن قال: فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة إن أتى به فيها استحق الجعل ولا يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا شيء له. اهـ (3).

(1) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف جـ 6 ص 18.

(2)

الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف جـ 6 ص 20.

(3)

المغني جـ 6 ص 28 مطبعة الإمام.

ص: 138

وذكرها البهوتي رحمه الله في الكشاف فقال:

ويصح الجمع بين تقدير العمل والمدة كأن يقول: من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا فإن أتى به فيها استحق الجعل ولم يلزمه شيء آخر وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له. اهـ (1).

فعلى القول بأنه يستحق أجرة المثل إن لم يكن أكثر من الجعل ففي حال نقص أجرة المثل عن الجعل فإن الفرق بينهما في مقابلة التأخير، وعليه فيمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي يشبهه من حيث إن استحقاق الشرط الجزائي في مقابلة الإخلال بالالتزام ومنه التأخير.

هـ - المسألة التي حكم فيها القاضي شريح والتي سبق ذكرها في أول البحث ونصها: روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكروه فهو عليه. اهـ.

فهذه المسألة صريحة في أنها من أنواع الشروط الجزائية.

ويمكن أن يقال بتصحيح الشرط الجزائي بناء على اعتباره عقوبة مالية في مقابلة الإخلال بالالتزام حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع، ولأن في تصحيحه ووجوب الوفاء به سدا لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسببا من أسباب الحفز على الوفاء بالوعود والعهود تحقيقا لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (2)

هذا ومن الجدير بالذكر أن اللجنة بنت ما ذكرته من احتمالات في تطبيق الضوابط وفي الإلحاق بالنظائر على أوسع المذاهب في ذلك، وأقر بها إلى قوة الدليل، فإن سلم ذلك وظهر الحكم فالحمد لله، وإلا فالشرط الجزائي أبعد عن الحكم فيه بالجواز إذا طبقت عليه ضوابط الشروط الصحيحة والفاسدة في المذاهب الفقهية الأخرى كالمذهب الحنفي والشافعي، اللهم إلا أن ينظر إلى ما نقل عن الحنفية من اعتبار ما جرى به التعامل وتعارفه الناس في معاملاتهم وكان غير مناقض لمقتضى العقد، فبهذا يمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي يتسع له هذا الضابط، فيعد من الشروط الصحيحة.

هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق. . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. .

(1) كشف القناع عن متن الإقناع جـ 4 ص 173.

(2)

سورة المائدة الآية 1

ص: 139