الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قاتلَ للمغنم، ولتكونَ كلمةُ الله [هي العليا، صَدَقَ عليه أنه قاتلَ لإعلاء كلمة الله](1)، والسبب لا يستلزم الحصر، ولهذا ثبت الحكم الواحد بأسباب عديدة، ولو كان قصدُ (2) المغنم ينافي قصدَ أن تكون كلمةُ الله هي العليا، لما جاء الجواب عاماً، ولكان الجواب المطابق أن يقال: من قاتلَ للمغنم، فليس في سبيل الله مطلقاً (3).
* * *
باب: بَرَكَةِ الْغَازِي فِي مَالِهِ حَيّاً وَمَيِّتاً، مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوُلَاةِ الأَمْرِ
(باب: بركة الغازي في ماله حياً وميتاً): هو بالباء الموحدة.
قال القاضي: كذا ترجم البخاري، وذكر عقبها تركة [الزبير] ووصيته، وهذه الرواية، وإن ظهرت صحتها، فهي وهم (4)؛ لقوله بعد ذلك: حياً وميتاً (5).
قلت: هذا تعسُّف على البخاري رحمه الله، فقضيةُ (6) الزبير ظاهرة في بركة الغازي في ماله ميتاً (7)، وأما بركةُ ماله حياً، فلم يَسُق فيه
(1) ما بين معكوفتين ليس في "ع".
(2)
في "ج": "فضل".
(3)
"مطلقاً" ليست في "ع".
(4)
"وهم" ليست في "ع".
(5)
انظر: "مشارق الأنوار"(1/ 86). وانظر: "التنقيح"(2/ 691).
(6)
في "ع": "فقصته".
(7)
"ميتاً" ليست في "ع" و"ج".
حديثاً؛ لأن السنَّةَ مشحونةٌ بالبركة التي ينال الغازي في حال حياته، فكم من فقير أغناه الله تعالى ببركة غزوه! وتركة [الزبير] لا تحقق نسبة الوهم إليه، بل ربما تكون قضيةُ الزبير شاهدةً للأمرين معاً.
* * *
1701 -
(3129) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ، دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيِّ! إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَاّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَاّ سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُوماً، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى يُبْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئاً؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ! بِعْ مَالَنَا فَاقْضِ دَيْنِي، وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ -يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ -يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْل بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ، خُبَيْبٌ، وَعَبَّادٌ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ، وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيِّ! إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ، فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ! مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ، قَالَ: فَوَاللهِ! مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَاّ قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ! اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ رضي الله عنه وَلَمْ يَدَعْ دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً إِلَاّ أَرَضِينَ، مِنْهَا الْغَابَةُ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَاراً بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَاراً بِالْكُوفَةِ، وَدَاراً بِمِصْرَ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ:
لَا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ، وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ، وَلَا شَيْئاً إِلَاّ أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفٍ، قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: يَا بْنَ أَخِي! كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ، فَقَالَ: مِئَةُ أَلْفٍ، فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللهِ! مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَاسْتَعِينُوا بِي، قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِئَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِئَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ، فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِئَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا، قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا، قَالَ: قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا، قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا، فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الْغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِئَةَ أَلْفٍ، قَالَ: كَمْ بَقِيَ، قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، قَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْماً بِمِئَةِ أَلْفٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْماً بِمِئَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْماً بِمِئَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ، قَالَ: أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِئَةِ أَلْفٍ،
قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّ مِئَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا، قَالَ: لَا وَاللهِ! لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُناَدِيَ بِالْمَوْسِم أَرْبَعَ سِنِينَ، أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ، فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ كَلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ، قَسَمَ بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فَأصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِئَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَمِئَتَا أَلْفٍ.
(لما وقف الزبير يوم الجمل (1)): وكان ذلك في سنة ست وثلاثين بعد مقتل عثمان رضي الله عنه بسنة، ويريد بالجمل المذكور (2): الجملَ الذي ركبته عائشة، وكان يسمى: عسكراً، كان لعليِّ بنِ منبهٍ أعطاها إياه، وكان اشتراه بمئتي دينار.
(لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم): أي: إما متأوِّلٌ (3) أراد بفعله وجهَ الله عز وجل، وإما رجلٌ من غير الصحابة أرادَ الدنيا، وقاتلَ عليها، فهو الظالم.
(وإني لا أُراني): -بضم الهمزة-؛ أي: لا أظنني.
(إلا سأُقتل اليوم مظلوماً): إنما قال ذلك لأ [نه] سمع قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: "بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّهَ بَالنَّارِ"(4)، وقتله ابنُ جرموز في غيرِ قتالٍ
(1) في "ع": "الجمع".
(2)
"المذكور" ليست في "ج".
(3)
في "ع": "متناول".
(4)
رواه الإمام أحمد في "مسنده"(1/ 89)، والطبراني في "المعجم الكبير"(243)، والحاكم في "المستدرك"(5580)، عن علي رضي الله عنه.
ولا معركة (1).
(أفتُرى): بضم المثناة الفوقية.
(دَيْنُنا يُبْقي من مالنا شيئاً؟): قاله استكثاراً لما عليه، وإشفاقاً من دَيْنه.
وفيه الوصيةُ عند الحرب؛ لأنها سبب؛ كركوب البحر.
(بالثلث من ثلثه لبنيه): أي: أوصى بثلثِ الثلثِ لبني ولدِه (2) عبدِ الله، فالضميرُ من "بنيه" عائد على عبد الله.
(فإن فضل بعد قضاء الدين شيء، فثلثُه لولدك): في ظاهر الكلام إشكال؛ إذ مقتضاه: أن الفاضلَ بعدَ قضاء الدين يُصرف ثلثُه لبني عبد الله؛ وهو إنما أوصى لهم بثلث الثلث -كما تقدم صريحاً-، ويُحمل الكلام على أن المراد: فإن فضلَ بعدَ الدين شيء يُصرف لجهة الوصية التي أوصيتها، فثلثه لولدك.
وقد حمل بعضُ الناس (3) الإشكالَ السابق على أن قال: ليس "ثلثُه" من قوله: "فثلثُه لولدك" اسماً، وإنما هو فعلُ أمرٍ، بفتح المثلثة وكسر اللام المشددة (4)؛ ليكون التثليث (5) وُصْلَةً إلى إيصال ثلثِ الثلث إلى أبناء عبد الله؛ وفيه بحث (6).
(1) انظر: "التنقيح"(2/ 691).
(2)
"ولده" ليست في "ج".
(3)
"الناس" ليست في "ع" و"ج".
(4)
يعني: "ثَلِّثْهُ".
(5)
في "ع" و"ج": "الثلث".
(6)
انظر: "التنقيح"(2/ 691).
(وكان بعض ولد عبد الله قد وازى): بالزاي.
(بعض بني الزبير): يجوز أن يكون وازاهم في السن، ويجوز في أنصبائهم من الوصية فيما حصل له من ميراث أبيهم الزبير.
قيل: و (1) هذا أولى، وإلا لم يكن لذكر كثرة أولاد الزبير معنى.
(خُبيب): بخاء معجمة مضمومة، مصغَّر.
(إلا أرَضين (2)): بفتح الراء.
(منها الغابة): بغين معجمة وباء موحدة.
(فيقول: لا، ولكنه سَلَفٌ): إنما كان يفعل ذلك مع من يريد أن يستودعه مالاً خشيةَ أن يضيع المال، فيظن به السوء؛ أي: إن هذا أبقى لمروءته، وأرفقُ لأصحاب الأموال؛ لأنه كان صاحبَ ذمة وافرة، وعقاراتٍ كثيرة، فرأى جعلَ أموال الناس مضمونةً عليه.
(بحسَب ما عليه): بفتح السين المهملة وبباء موحدة.
(ما أُرى أموالكم): -بضم الهمزة- من "أُرى"(3)؛ أي: ما أظنُّ أموالكم.
(أفرأيتَكَ): -بفتح التاء- بمعنى: أخبرني.
(وكان للزبير أربعُ نسوة، ورفع الثلث، فأصابَ كلَّ امرأة (4) ألفُ
(1) الواو ليست في "ع".
(2)
في "ع": "الأرضين".
(3)
في "ع": "رأى".
(4)
"كل امرأة" ليست في "ع".
ألفٍ ومئتا ألف (1)، فجميع ماله خمسون ألفَ ألفٍ، ومئتا ألفٍ): قال ابن بطال، والقاضي، وغيرهما: هذا غلط في الحساب، والصواب: فجميع ماله المحتوي على الوصية والميراث المذكورين بعد أداء الدين سبعة وخمسون ألف ألف، وست مئة ألف (2).
قال القاضي: وهذا إذا لم نحسب دينه أول الحديث أنه كان ألفي ألف ومئتي ألف، [فجميع ماله المذكور على هذا المقسوم للدين والوصية والتركة: تسعة وخمسون ألف ألف] (3) وست مئة.
وذكر أن محمد بن سعد (4) كاتبَ الواقدي صرح في "تاريخه": بأنه أصاب كلَّ امرأة ألفُ ألفٍ ومئةُ ألف.
فصحَّ على هذا قول البخاري: فجميع المال خمسون ألف ألف، لكن يبقى الوهم في قوله: مئتا ألف، وصوابه: مئة ألف.
وأجاب الحافظ شرفُ الدين الدمياطي: بأن قول البخاري محمولٌ على أن جملة المال كانت في حين الموت ذلك القدر دون الزائد في أربع سنين إلى حين القسمة (5).
* * *
(1)"ومئتا ألف" ليست في "ع".
(2)
في "ع": "ألف ألف".
(3)
ما بين معكوفتين ليس "ع".
(4)
في "ع": "سعيد".
(5)
انظر: "التنقيح"(2/ 692).