المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نشأة التفسير في المنطقة في الصدر الأول: - التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا - جـ ٢

[محمد بن رزق الطرهوني]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثانيالتفسير في غرب إفريقية

- ‌الفصل الأولدراسة عن التفسير في هذه البلاد

- ‌المبحث الأول: نبذة عن علم التفسير ونشأته في هذه البلاد:

- ‌نشأة التفسير في المنطقة في الصدر الأول:

- ‌الطرق التي انتشر بها علم التفسير في المنطقة:

- ‌1 - المساجد:

- ‌2 - قصور الرباط:

- ‌3 - دور العلماء:

- ‌4 - حوانيت العلماء:

- ‌تطور التفسير في المنطقة بعد خراب القيروان:

- ‌المراحل التي مر بها التفسير في المنطقة:

- ‌اتجاهات التفسير بالمنطقة:

- ‌المبحث الثاني: تأثر التفسير في المنطقة بمدرسة المشرق:

- ‌الرحلة من المشرق إلى المنطقة والعكس

- ‌التفاعل بين المشارقة والمغاربة بعد توقف الرحلة:

- ‌كتب التفسير التي دخلت المنطقة

- ‌اهتمام المغاربة ببعض تفاسير المشارقة

- ‌ومن كتب التفاسير التي اختصرها أهل المنطقة أيضا:

- ‌المبحث الثالث: تأثر التفسير في المنطقة بالتفسير عند أهل الأندلس وغيرها من الدول المجاورة:

- ‌الرحلة من الأندلس إلى المنطقة والعكس:

- ‌التفاعل بين أهل المنطقة والأندلس في نتاج التفسير:

- ‌المبحث الرابع: الفقه المالكي والظاهري وأثره في التفسير بالمنطقة:

- ‌المذهب المالكي

- ‌المذهب الظاهري:

- ‌المبحث الخامس: القراءات وأثرها في التفسير بالمنطقة:

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية:

- ‌المرحلة الثالثة:

- ‌الفصل الثانيدراسة أمثلة للتفسير بالمأثور بالمنطقة

- ‌تفسير يحيى بن سلام من خلال تفسيره ومختصره لابن أبي زمنين

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: يذكر ابن سلام أسماء السور مجردة:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌تفسير بقي بن مخلد من خلال نقول من تفسيره وكتابه في الحوض والكوثر

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌منهج المؤلف العام في تفسيره:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثانيا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌رابعا: موقفه من القراءات:

- ‌خامسا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌الفصل الثالثدراسة أمثلة للتفسير بالرأي بالمنطقة

- ‌المبحث الأول: أمثلة الرأي المحمود

- ‌تفسير المهدوي من خلال كتابيه التفصيل والتحصيل

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: بالنسبة للمكي والمدني وعد الآي ونحو ذلك فهو يهتم به ومن ذلك:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌تفسير مكي بن أبي طالب من خلال كتبه الهداية ومشكل الإعراب وتفسير المشكل

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: موقفه من أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌تفسير ابن ظفر من خلال كتابه ينبوع الحياة

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه

- ‌تفسير ابن بزيزة من خلال كتابه البيان والتحصيل

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا:لا يهتم بعد الآي ولا بالوقوف ولا المناسبات

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌خامسا: موقفه من السيرة وذكر الغزوات:

- ‌سادسا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌سابعا: موقفه من اللغة:

- ‌ثامنا: موقفه من القراءات:

- ‌تاسعا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌تفسير ابن عرفة من خلال تقييد الأبي والبسيلي

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا:لقد اعتنى ابن عرفة بمجال المناسبات فبحث عن وجه مناسبة الآية لما قبلها وبين ما كان منها مكملاً للآخر، ووجه اتصال الآية بما قبلها، وما سيقت له

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌تفسير الثعالبي من خلال كتابه الجواهر الحسان

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: يهتم المصنف بذكر المكي والمدني وأسماء السورة ومن ذلك قوله في فاتحة الكتاب

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌حادي عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌تفسير ابن باديس من خلال مجالس التذكير

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا:يلاحظ أن المؤلف لا يتعرض لأسماء السور ولا عد الآي ولا للمكي والمدني

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية:

- ‌ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌تفسير ابن عاشور من خلال كتابه التحرير والتنوير

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية:

- ‌ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌تفسير المكي الناصري من خلال كتابه التيسير

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا:يهتم بذكر أسماء السور

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول

- ‌حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية:

- ‌ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌تفسير أبي بكر الجزائري من خلال كتابه أيسر التفاسير وحاشيته نهر الخير

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية:

- ‌ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌المبحث الثاني: أمثلة الرأي المذموم

- ‌تفسير هود بن محكم الهواري الإباضي من خلال كتابه تفسير كتاب الله العزيز

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌[المنهج التفصيلي للمؤلف:]

- ‌أولا:لا يهتم بعد الآي، ولكنه يذكر المكي والمدني

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات وتوجيهها:

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌تفسير ابن حيون الشيعي من خلال كتابيه أساس التأويل وتأويل الدعائم

- ‌تعريف مختصر بالإمامية الإسماعيلية:

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌تفسير ابن برجان الصوفي من خلال كتابه الإرشاد

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌تفسير ابن عربي الصوفي من خلال التفسير المنسوب إليه وكتابيه فصوص الحكم والفتوحات المكية

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌تفسير ابن عجيبة الصوفي من خلال كتابه البحر المديد

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌المنهج العام للتفسير:

- ‌المنهج التفصيلي للمؤلف:

- ‌أولا: أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات:

- ‌ثانيا: موقفه من العقيدة:

- ‌ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة:

- ‌خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف:

- ‌سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات:

- ‌سابعا: موقفه من الإسرائيليات

- ‌ثامنا: موقفه من اللغة:

- ‌تاسعا: موقفه من القراءات

- ‌عاشرا: موقفه من الفقه والأصول:

- ‌حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية:

- ‌ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب:

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس المراجع

الفصل: ‌نشأة التفسير في المنطقة في الصدر الأول:

‌المبحث الأول: نبذة عن علم التفسير ونشأته في هذه البلاد:

لقد سبق أن ذكرت في التمهيد ما لعلم التفسير من منزلة عليا شرف بها على سائر العلوم لكونه الطريق الموصل لفهم كلام الله المنزل الذي عليه مدار الفلاح في الدارين، ولذلك فإنه ملازم للدعوة إلى الله منذ اللحظة الأولى، فليس هناك من دعوة إلى هذا الدين إلا ومبناها على كتاب الله جل وعلا، وهذا الكتاب يحتاج إلى بيان، وما التفسير إلا هذا البيان المنشود.

‌نشأة التفسير في المنطقة في الصدر الأول:

ومنطقتنا كسائر المناطق الإسلامية التي فتحها الرعيل الأول من الصحابة الكرام، شرفت بتلك النخبة الواعية لمقومات الفتح وأهدافه، فليس الفتح في منظورهم إلا فتح القلوب بالهداية والتعليم، وليس النصر في تصورهم إلا قهر القوى الشيطانية التي أضلت العباد، وليس همهم الأكبر إلا إخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

ومع ماتقرر من كون المؤمن كالغيث أينما وقع نفع، وماثبت في الكتاب والسنة من حث على العلم والتعليم والأمر بالدعوة والتبليغ يتضح لنا أن علم التفسير نشأ مواكبا للفتح الإسلامي بلا مراء.

ولقد اشترك صحابة كثيرون في فتح إفريقية (1) غير أن ظروف الفتح وما كان من ارتدادات الأفارقة (2) لم تساعد على استقرار بعض الصحابة للتعليم والتفقيه

في

(1) كان ذلك بداية من سنة 27 هـ. انظر فتح إفريقية والأندلس ص: 37.

(2)

الأمر الذي أدى إلى إعادة الفتح مرارًا. انظر فتوح البلدان ص: 227، البيان المغرب

1/ 4، الكامل 3/ 34، تاريخ ابن خلدون 2/ 129.

ص: 496

الدين

ولذا لم تذكر المصادر شيئًا من هذا الجانب التعليمي، الذي كان يقوم به الصحابة في البلاد المفتوحة. فقام بهذه المهمة التعليمية الدينية، التابعون الذين أتوا إلى إفريقية منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ومنهم أبو عبد الرحمن ابن رباح اللخمي، سكن القيروان وبنى بها دارًا ومسجدًا وانتفع به أهلها (1). وأبو رشيد حنش بن عبد الله الصنعاني الذي سكن القيروان ومات بها (2)، كما سكن القيروان أيضًا أبو سعيد كيسان المقبري (3).

وهكذا دخل إفريقية جماعة من التابعين، وسكنوا القيروان وعلموا أبناءها الحلال والحرام، وكانت العلوم الدينية في هذه العصور تستمد من مصدرين رئيسين هما القرآن والسنة، وقد كان الطلبة يتلقون عنهم: القراءات والتفسير، وعلوم القرآن، وكل مايتعلق بآيات الأحكام.

والملاحظ أن هؤلاء التابعين أخذوا عن كبار الصحابة الذين اشتهروا خاصة بالتفسير كابن عباس، مما سيدعم مدرسته في التفسير (4) بالقيروان والتي أسسها عكرمة في نهاية القرن الأول وفجر القرن الثاني، وكان مجلس عكرمة في مؤخر جامع القيروان في غربي المنارة الموضع الذي يسمى بالركيبية (5) وقد دخل عكرمة القيروان لا للغزو وإنما لنشر العلم بها (6)، وهو من أبرز تلاميذ ابن عباس (7) في التفسير وأعلمهم به (8)، وقد حل بالقيروان في أواخر أيامه وهو في منتهي نضجه

(1) انظر رياض النفوس 1/ 77.

(2)

نفس المصدر1/ 78.

(3)

نفس المصدر 1/ 80.

(4)

وقد أشار ابن تيمية إلى أهمية هذه المدرسة بقوله: وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس. الفتاوى 13/ 347.

(5)

طبقات علماء إفريقية وتونس 1/ 92.

(6)

المصدر السابق.

(7)

ذكر ابن سعد أن ابن عباس كان يضع في رجل عكرمة قيدًا ولا يفكه منه حتى يتم أخذ تفسيره. الطبقات الكبرى 2/ 182، وقد ذكرت في ترجمة عكرمة شهادات كثيرة تثبت مكانة عكرمة في التفسير، ولا عجب فإن ملازمة طلبة القيروان له وتحلقهم حوله لنقل مروياته عن ابن عباس كان له الأثر في تطور التفسير بإفريقية واعتماد المؤلفين فيه على هذه المدرسة خاصة.

(8)

طبقات علماء إفريقية وتونس 1/ 92.

ص: 497

العلمي، فالتف حوله كثير من طلبة العلم وأخذوا عنه مارواه عن شيخه من تفسيره وبهذا يكون عكرمة واضع أسس مدرسة ابن عباس في التفسير المعتمدة على الأثر واللغة، مما سيؤثر على اتجاه التفسير بالمنطقة.

وعليه فإن مدرسة التفسير بالمأثور قامت أساسا على علم ابن عباس، عن طريقه شخصيا، ثم عن طريق عكرمة تلميذه النجيب ومولاه البربري الأصل، وقامت أيضا على المدرستين الأخريين من مدارس التفسير بالمأثور في ذلك الحين أعني مدرستي المدينة والعراق بدرجة أقل، فقد انتقل علم مدرسة التفسير بالمدينة، عن طريق تلاميذ الإمام مالك الذين نقلوا تفسيره المروي عن زيد بن أسلم وغيره، وعن طريق وكيع الذي أخرج روايات من تفسير أبي بن كعب، وانتقل علم مدرسة العراق عن طريق الأعمش وسفيان الثوري، كما وصلهم التفسير عن علي ابن أبي طالب، عن طريق رواية ابن عيينة عنه في تفسيره، وسوف يأتي في حديثنا عن الرحلة إلى المشرق ومنه إلى المنطقة مايتصل بذلك.

كما أنه قد أسهم في إرساء قواعد مدرسة التفسير بالمأثور تشرف المنطقة بدخول علماء من الصحابة عرفوا بتضلعهم في التفسير أمثال عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وتردد بعضهم عليها، وكان لهذا التردد أثر كبير في نشر العلم، وذلك لأن هؤلاء قد عرفوا البلاد وطبائع أهلها، فهم أقدر على معرفة مداخلها وأصلح الطرق لنشر العلم بها، ولاشك أنه قد أصبح لهم بها أصحاب وتلاميذ.

ولعل أقدم نص يشير إلى تعليم القرآن بالمنطقة مارواه غياث بن أبي شبيب قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان فيسلم علينا بالكتاب (1)، وكان وجود سفيان بالقيروان بين سنوات (60 هـ و78 هـ)(2).

ويستفاد من هذا الخبر أن تعليم القرآن قد شاع بها بعد تأسيس القيروان وأن بعض

الكتاتيب قد برزت في الأحياء الرئيسية منها، كما

(1) معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان 1/ 151. المصدر السابق 1/ 59.

(2)

المعالم 1/ 151.

ص: 498

كثرت المساجد (1) واهتم العلماء برواية الحديث والتفسير، وخاصة مايتعلق منها بآيات الأحكام.

وتدعم هذا العمل ببعثة الفقهاء العشرة، الذين أرسل بهم عمر بن عبد العزيز لتفقيه أهل إفريقية، فما أن انتهت الفتوح في إفريقية واستقر الإسلام بين البربر حتى قدمت من المشرق دعامة عظيمة للحياة العلمية بالقيروان، تلكم هي بعثة عمر بن عبد العزيز العلمية سنة 99 هـ، وقد تكونت من عشرة من التابعين فبنوا المساجد، والكتاتيب في القيروان، وأقبلوا على نشر العلم بها، وانتفع بهم أهل إفريقية، وطال مقام بعضهم بالقيروان حتى زاد على الثلاثين عامًا، وعلى أيديهم تخرجت طلائع علماء القيروان. (2)

وقد كان لهؤلاء العلماء من التابعين دور حاسم في نشر العلوم الإسلامية، وخاصة مايتعلق منها بأحكام القرآن وتفسيره ورواية الحديث. وقد تم على أيدي هؤلاء إسلام البربر ونشر تعاليم الإسلام في شتى أنحاء المغرب الإسلامي.

ولعل المهمة الأساسية للبعثة التعليمية تتضح من خلال رسالتهم التي كتبوها لحنظلة ابن صفوان (3) ليبعث بها إلى أهالي طنجة لما ثاروا عليه، والتي تتضمن أبرز مواضيع القرآن، حيث أشاروا إلى أن آياته لا تخرج عن مواضيع أساسية عشرة: أمر بالمعروف، وزجر عن المنكر، وتبشير بالجنة، وإنذار بالنار، وإخبار عن الأولين والآخرين، ومحكم القرآن يعمل به، ومتشابهه يؤمن به، وحلاله أمر أن يؤتى، وحرامه أمر أن يتجنب، وفيه أمثال ومواعظ فمن يطع الآمرة وتزجره الزاجرة، فقد استبشر بالمبشرة، وأنذرته المنذرة، ومن يحلل الحلال ويحرم الحرام، ويرد العلم فيما اختلف فيه الناس

(1) وصف حسن حسني عبد الوهاب انتشار الكتاتيب وتطور التعليم بإفريقية وسائر أنحاء المغرب بقوله: ومع الزمان تدرجت الدراسة في الكتاتيب إلى المساجد والجوامع وحلق الطلبة على الشيوخ من حفاظ القرآن وقرائه، ورواه الحديث، وحملة الفقه وما إلى ذلك، فشاعت منذ نلك الوقت طريقة التعليم على غرار ما كان موجودًا بأمصار المشرق العربي. (ورقات 1/ 79 - 80).

(2)

انظر مدرسة الحديث في القيروان 1/ 126.

(3)

حنظلة بن صفوان، ولاه هشام بن عبد الملك على إفريقية والمغرب سنة 124 هـ. تاريخ إفريقية والمغرب ص:115.

ص: 499

إلى الله، مع طاعة واضحة ونية صالحة، فقد أفلح وأنجح، وحيا حياة الدنيا والآخرة (1).

فهذه الرسالة في إيجازها وبلاغة ألفاظها، تضمنت خلاصة عن مواضيع القرآن التي سبق ذكرها، وهي تدل على أن مهمة هؤلاء في الدرجة الأولى كانت تعليم القرآن وتفسيره وبيان أهدافه، كما أنها تبين اتجاه التفسير في تلك المرحلة والمتمثل في العمل بالمحكم، والإيمان بالمتشابه، ورد مااختلف فيه الناس إلى الله تعالى مع طاعة واضحة وهي في جملتها تتعلق بالعقيدة، وبسلوك الإنسان في المجتمع الجديد.

وقد تخرج على هؤلاء العلماء الجيل الأول من أبناء إفريقية الذين سيتولون مواصلة مهمتهم التعليمية الدينية، والذين سيرتحل بعضهم إلى المشرق لزيادة التلقي عن محدثيه وفقهائه. ويأتي في مقدمتهم عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الذي روى عن جماعة من التابعين بالمشرق، وتوسع في العلوم الإسلامية. وقد أقام بمكة مدة ودرس بها، وكانت له فيها مجالس مشهورة حتى أقبل عليه سفيان الثوري المفسر الإمام وأخذ عنه (2)، ثم رجع إلى القيروان ودرس بها.

ومن علماء إفريقية الأوائل عبد الله بن فروخ الفارسي (3) الذي رحل في طلب العلم إلى المشرق ولقي مالكا وسفيان الثوري وكلاهما من مشاهير المفسرين وكانت له مكاتبات مع مالك يسأله عن بعض القضايا فيجيبه. كما لقي ابن فروخ، عبد الملك بن جريج صاحب أول تصنيف في التفسير على أشهر الروايات وفي إفريقية أخذ عن ابن فروخ يحيى بن سلام (4) صاحب أقدم تفسير إفريقي وأقدم تفسير باق إلى اليوم.

وسوف يأتي عند حديثنا عن تأثر المنطقة بالمشرق مكملات لهذا المقطع.

وبعد منتصف القرن الثاني دخلت بعض أجزاء تفاسير المشارقة إلى القيروان ورويت بها، مثل تفسير المسيب بن شريك الكوفي، الذي كان يقرأ

(1) رياض النفوس1/ 67.

(2)

رياض النفوس 1/ 96 - 103.

(3)

طبقات علماء إفريقية 34 - 37.

(4)

طبقات علماء إفريقية ص: 36.

ص: 500

على أسد بن الفرات في جامع عقبة.

ثم ظهر في القيروان على يد يحيى بن سلام ت 200 هـ أول تفسير كامل للقرآن عرف حتى الآن.

وقد حفظت كتب الطبقات بعض دروس أسد بن الفرات في التفسير، والتي ظهرت فيها صلابة الرجل ورده على أهل الأهواء وخاصة في مسألة رؤية الله وخلق القرآن فعن ابن الحداد قال: حدثت عن أسد أن أصحابه كانوا يقرأون عليه يوما في تفسير المسيب بن شريك إلى أن قرأ القارئ {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (1) وكان سليمان بن حفص جالسًا بين يديه فقال له: ياأبا عبدالله! من الانتظار؟ فقال: وكان إلى جانب أسد نعل غليظ، فأخذ أسد بتلابيبه - وكان أيدا - وأخذ بيده الأخرى نعله وقال: أي والله يازنديق لتقولنها أو لأبيضن بها عينك! فقال: نعم، ننظره. (2)

وقد ذكر أبو العرب في مسألة خلق القرآن أن داود بن يحيى رأى أسد بن الفرات يعرض التفسير فتلا هذه الآية {فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لاإله إلا أنا فاعبدني} (3) فقال عند ذلك أسد: ويح لأهل البدع هلكت هوالكهم، يزعمون أن الله جل وعز خلق كلامًا يقول ذلك الكلام المخلوق {أنا الله لاإله إلا أنا} . (4)

وبهذا كانت دروس التفسير شائعة في حلقات التعليم (5) بإفريقية على أيدي أبنائها الذين أسهموا في نشر العلوم الإسلامية، وأصبحت القيروان عاصمة العلم بالمغرب الإسلامي يفد عليها الطلبة من الأندلس والمغربين الأقصى والأوسط، حتى انتهت حضارتها وأصبحت أثرا بعد عين عقب نهب أعراب بني هلال وبني سليم لها وانتقل مشعل الحضارة للمهدية وتونس الحفصية كما سبق ذكره في التمهيد.

(1) القيامة: 22، 23.

(2)

انظر طبقات علماء إفريقية ص: 219، رياض النفوس 1/ 182. وسليمان بن حفص الفراء هذا الذي عنفه أسد هو رأس المعتزلة بالقيروان على عهده، وكان يحضر دروسه ليحاول بث الفتنة ونشر نحلته المتمثلة في إنكار رؤية الله يوم القيامة وفي القول بخلق القرآن.

(3)

طه: 13 - 14.

(4)

الطبقات ص: 82.

(5)

ذكر حسن حسني عبد الوهاب أن الحلق بجامع عقبة بالقيروان كانت مكتظة بالطلبة من سائر أنحاء إفريقية والمغرب والأندلس وحتى من السودان الغربي. ورقات 1/ 107.

ص: 501