الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آدم: قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال: بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال: فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود. (1)
ثانيًا: سليمان عليه السلام
-:
1 -
قال الله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)} [النمل: 16] أي ورثه في النبوة والملك وليس المراد ورثه في المال.
2 -
وقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)} [النمل: 16] يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادته، {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات ثم قال:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} أي من بارئ البريات وخالق الأرض والسموات كما قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)} [النمل: 17 - 19].
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يومًا في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة - أي نقباء - يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ
(1) أخرجه الترمذي (3368)، وابن حبان (14 - 40 - 6167)، والحاكم (1 - 132 - 214)، وأبو يعلى (11 - 263 - 6377)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5209).
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)} [النمل: 18] فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور.
والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره.
يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه
من محل خدمته: {فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} أي ما له مفقود من ها هنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا} توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على تقدير: {أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي بحجة تنجيه من هذه الورطة.
قال الله تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها: {فَقَالَ} لسليمان: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي اطلعت على ما لم تطلع عليه: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} أي بخبر صادق: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)} يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم.
وقوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} يعني سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحلي الباهر، ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)} أي له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات.
فعند ذلك بعث سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي واقدموا علي سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة فلما جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق ولكن أين الثريا من الثرى تكل البطاقة كانت مع سائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في
خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)} ثم قرأت عليهم عنوانه أولًا: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} ثم قرأته: {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)} [النمل: 30، 31]، ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون:{قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32)} [النمل: 32] تعني ما كنت لأبت أمرا إلا وأنتم حاضرون: {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)} [النمل: 33] يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين: {وَ} مع هذا: {وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم.
فكان رأيها أتم وأشد من رأيهم وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)} قول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)} أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفًا ولا عدلًا لأنهم كافرون وهم وجنوده عليهم قادرون، ولهذا:{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)} إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)} يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى من قد من بها فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من
هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه: {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلادهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} عليهم الصغار والعار والدمار.
فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)} [النمل: 38 - 44].
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)} [النمل: 39] يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليه وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قيل: معناه قبل أن تبعث رسولًا إلى أقصى ما ينتهي
إليه طرفك من الأرض، ثم يعود إليك، وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد ما تراه من الناس، وقيل: قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك، وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غابة منك ثم أغمضته، وهذا أقرب ما قيل:{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرًا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليخبرهم على الشكر أو خلافه: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي إنما يعود نفع ذلك عليه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} أي غني عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين.
ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير حلي هذا العرش وينكَّر لها لتختبر فهمها وعقلها ولهذا قال: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 41، 42]، وهذا من فطنتها وغزارة فهمها؛ لأنها استبعدت أن يكون عرشها؛ لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب. قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان وقومه:{وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: 42، 43]، أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله إتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حادهم على ذلك.
وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفًا من زجاج وجعل فيه السمك وغيرها من دواب الماء وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه: {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)} [النمل: 44].
وقال تعالى في سورة ص: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
(32)
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)} [ص: 30 - 40].
يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان عليهما السلام ثم أثنى الله تعالى عليه فقال: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} أي رجاع مطيع لله ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاثة وطرف حافر الرابعة الجياد وهي المضمرة السراع: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)} يعني الشمس، وقيل: الخيل على ما سنذكره من القولين: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)} قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف، وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول الآخر.
والذي عليه أكثر السلف الأول؛ فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وعلى ما سنذكره من القولين: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} قيل: مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف، وقيل: مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها بين يديه على القول الآخر.
والذي عليه أكثر السلف الأول؛ فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس.
وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن سليمان بن داود سأل الله تبارك وتعالى ثلاثًا فأعطاه اثنتين وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة سأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله حكمًا يواطىء حكمه، فأعطاه إياه وسأله من أتى هذا البيت - يريد به بيت المقدس - لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج منه كيوم ولدته أمه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالث". (1)
(1) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (2/ 176، 6644)، والحاكم (2/ 471).
فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)} [الأنبياء: 78، 79]، وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي رعته بالليل فأكلت شجرة فأكلت فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال: بم حكم لك نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا فقال: أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجًا ودرًا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به.
وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال: آتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها"(1)
ولعل كل من الحكمين كان سائغًا في شريعتهم وكان ما قاله سليمان أرجح، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه بعد ذلك إياه فقال:{وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)} [الأنبياء: 79، 80].
ثم قال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 81، 82].
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة - سبعمائة
(1) أخرجه البخاري (6387)، ومسلم (1720).