الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - شبهة: فتنة سليمان عليه السلام
-.
نص الشبهة:
ما قولكم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} [ص: 34].
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن التوراة والإنجيل محرفان.
الوجه الثاني: لا يجوز احتجاجكم بالقرآن.
الوجه الثالث: أقوال المفسرين في معنى الآيات
.
الوجه الرابع: بيان مكانة سليمان عليه السلام في الكتاب والسنة، وفي الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا ينبغي أن يحتج بما هو محرف ومبدل
.
فالتوراة والإنجيل لا يحتويان على كلام الله، فلا يجوز الاحتجاج بهما.
الوجه الثاني: لا يجوز للإنسان أن يحتج بما لا يعتقده
.
أنتم لا تعتقدون ثبوت القرآن، فكيف تحتجون به؟ (1)
الوجه الثالث: أقوال المفسرين في معنى الآيات.
المسألة الأولى: قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)} [ص: 30 - 33].
وقوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31)} يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه (2).
(1) انظر بحث احتجاج النصارى بالقرآن.
(2)
تفسير الطبري (23/ 154)، وانظر تفسير القرطبي (15/ 184: 185).
وقوله: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} وعنى بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب تسمي الخيل: الخير، والمال أيضًا يسمونه الخير (1).
وقوله: {عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} أي: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته، وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر (2).
وقوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها، وقوله:{رُدُّوهَا عَلَيَّ} أي: الخيل التي عرضت عليَّ فشغلتني عن الصلاة (3).
{فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} أي: أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكرامًا منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله (4). والذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا: اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس، والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدًا من غير عذر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان سائغًا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك (5).
وعلى ما حدث لنبينا صلى الله عليه وسلم يوم الخندق يُحْمَلُ فعلُ سليمان عليه السلام:
فعن جابر رضي الله عنه قال: جَاءَ عمر رضي الله عنه يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا عرَبَتْ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"والله مَا صَلَّيْتُهَا، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ"(6).
المسألة الثانية: (ولقد فتنا سليمان).
(1) تفسير الطبري (23/ 154).
(2)
تفسير الطبري (23/ 155)، وقد جاء في كيفية إشغال الخيل سليمان عليه السلام أخبارٌ كلها متلقاة من الإسرائيليات.
(3)
تفسير الطبري (23/ 155)، وانظر تفسير القرطبي (15/ 187).
(4)
تفسير القرطبي (15/ 187)، وانظر تفسير البغوي (23/ 61)، وقد جاء في هذا أنه قتلها والراجح ما ذكرنا عن ابن عباس بإسناد مقبول.
(5)
البداية والنهاية لابن كثير (2/ 25).
(6)
أخرجه البخاري (596)، مسلم (631).
أولًا: بيان معنى: الفتنة وإطلاقاتها.
الفتنة لغةً: قال الأَزهري وغيرُه: جِماعُ معنى الفِتْنة الابتلاء والامْتِحانُ والاختبار، وأَصلها مأْخوذ من قولك: فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيِّدِ، والفَتْنُ الإِحْراقُ، ومن هذا قوله عز وجل:{يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13)} أَي: يُحْرَقون بالنار، ويسمى الصائغ الفَتَّان، وكذلك الشيطان، ومن هذا قيل للحجارة السُّود التي كأَنها أُحْرِقَتْ بالنار: الفَتِينُ، قال ابن الأَعرابي الفِتْنة الاختبار، والفِتْنة المِحْنة والكُفْرُ واختلافُ الناس بالآراء، والإِحراق بالنار (1).
الفتنة اصطلاحًا: الفتنة ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنت الذهب بالنار إذا أحرقته بها لتعلم أنه خالص أو مشوب، ومنه الفتان: وهو الحجر الذي يجرب به الذهب والفضة (2).
والفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك، حيث لا يعلم المحق من البطل (3).
وهى البَلِيَّة: وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة (4).
والفتنة التي وقع فيها سليمان عليه السلام هي التي بمعنى الابتلاء والاختبار قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} .
ثانيًا: تفسير الآية: أورد الرازي في تفسيره أقوالًا لهذه الآية فقال:
للناس فيه قول، ولأهل العلم والتحقيق قول آخر، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات:
الأولى: قالوا: إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها، وأخذ بنتًا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهًا فاصطفاها لنفسه.
والرواية الثانية: أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصورة افتتن سليمان وكاد يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله.
(1) لسان العرب (5/ 3344).
(2)
التعريفات للجرجاني (212).
(3)
ابن حجر فتح الباري (13/ 34).
(4)
في التوقيف على مهمات التعريف للمناوي (257).
والرواية الثالثة (لهم): قالوا: إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون الناس؟
فقال: أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه، وقعد هذا الشيطان على كرسيه، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها.
إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} أن الله تعالى ابتلاه وقوله: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} هو جلوس ذلك الشيطان على كرسيه.
والرواية الرابعة: أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ملكه وأُلقي على سريره شيطانٌ عقوبة له.
واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه:
الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء، فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من الشرائع، فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد، وعيسى، وموسى عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال، ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية.
والثاني: أن الشيطان لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم وأن يخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق أكابر الأنبياء أولى.
والثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ ولا شك أنه قبيح.
والرابع: لو قلنا: إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه؟
فأما الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء:
الأول: أن فتنة سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين: إن عاش صار مسلطًا علينا مثل أبيه، فسبيلنا أن نقتله، فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتًا على كرسيه، فتنبه على خطيئته في أنه لم يتوكل فيه على الله، فاستغفر ربه وأناب.
الثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره، فوالذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرسانًا أجمعون، فذلك قوله: {فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} ".
الثالث: قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه، {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ} منه {جَسَدًا} وذلك لشدة المرض، والعرب تقول في الضعيف: إنه لحم على وضم وجسم بلا روح، {ثُمَّ أَنَابَ} أي: رجع إلى حال الصحة، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه، ولا حاجة البتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة.
الرابع: أقول لا يبعد أيضًا أن يقال: إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب (1).
وقال الآلوسي: أظهر ما قيل في فتنته عليه السلام أنه قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله تعالى، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة، وجاءت بشق رجل، وقد روى ذلك الشيخان وغيرُهما عن أبي هريرة مرفوعًا وفيه:"فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فرسانًا". لكن الذي في "صحيح البخاري" أربعين بدل سبعين، وأن الملك قال له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، وغايته ترك الأولى فليس بذنب، وإن عده هو عليه السلام ذنبًا، فالمراد بالجسد ذلك الشق الذي ولد له (2).
قال الشنقيطي: أخرج الشيخان في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال سليمان بن داود - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام -: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - (وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة) تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله"، فقيل له - وفي رواية قال له الملك -:"إن شاء الله" فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد
(1) تفسير الرازي (26/ 209: 207).
(2)
روح المعاني (23/ 198)، وانظر محاسن التأويل للقاسمي (8/ 171).