الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال تعالى حكاية عن لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13} (لقمان: 13)، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ؟ " قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عليهِ؟ " قَالَ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:"أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ". (1)
وعَنْ أَنس رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ" فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: "الحْمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ" (2)، فالآية الأول محمولة على التوحيد.
أما الآية الثانية فمحمولة على الأعمال؛ فمن لم يستطع الوضوء أتى بالتيمم بدلًا منه كما بين ذلك رب العالمين حيث قال في كتابه الحكيم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)} [المائدة: 6]، فعلى ذلك تكون الآية الأولى خاصة بالمحسنين، والثانية خاصة بالمؤمنين.
الوجه الخامس: الإسلام دين يسر وسعة
.
إن الدين الإسلامي دين يسر وسعة وليس في شريعة الإسلام شدة وضيق أو حرج، وهذا من محاسن الإسلام، وقد أشارت آيات كثيرة إلى يسر الإسلام وسعته، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: 286).
(1) أخرجه البخاري (7373).
(2)
أخرجه البخاري (1356) و (5657).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)} [البقرة: 284] قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأتَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَب فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ الله، كُلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالجهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أنزِلَتْ عليكَ هَذ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ترِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المُصيرُ"، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ائمصيرُ، فَلَمّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا ألسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ الله فِي إِثْرِهَا {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)} فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا الله تَعَالَى فَأَنْزَلَ الله عز وجل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قَالَ: نَعَمْ، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قَالَ: نَعَمْ {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قَالَ: نَعَمْ، ميه {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قَالَ: نَعَمْ". (1)
قال المراغي: وقد قال الصحابة رضي الله عنهم ذلك لأنهم قد دخلوا في الإسلام وكثير منهم تربوا في حجر الجاهلية وانطبعت في نفوسهم أخلاقها وأثرت في قلوبهم عاداتها، وكانوا يتطهرون منها بالتدريج بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ونور القرآن، فلما نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان باقيًا في أنفسهم من العادات الأولي، وكانوا يحاسبون أنفسهم لاعتقادهم النقص وخوفهم من الله عز وجل، فأخبرهم الله تعالى أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذها إلا على ما كلفها وهم مكلفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الطاقة وطلب العفو عما لا طاقة لهم به. (2)
(1) أخرجه البخاري (4545 - 4546)، ومسلم (199).
(2)
تفسير المراغي (3/ 81).
وهذه الآية نص عَلَى أَنَّ الله تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مَا لَا يَقْدِرُ عليهِ وَلَا يُطِيقُهُ، وَلَوْ كَلَّفَ أَحَدًا مَا لَا يَقدِرُ عليهِ وَلَا يَسْتَطِيعُهُ لَكَانَ مُكَلِّفًا لَهُ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ (1).
وقال الله عز وجل أيضًا: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]، وقال:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وكثير من الآياتِ التي تدل على يسر الشريعة الاسلامية ونفي الحرج عن المؤمنين ونفي التكليف بما لا يطاق، وقد وردت أيضًا أحاديث كثيرة في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تبين هذا الأمر العظيم من أمور الدين الإسلامي منها: عن ابن عباس في قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} قال: هم المؤمنون وسع الله عليهم أمر دينهم فقال الله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . (2)
ولقد بوب البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح بابًا بعنوان: (الدين يسر وقول النبي: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)، وأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ"(3)
وقد وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من لم يستطع الصلاة قائمًا فغير مكلف للقيام بها وهذا من يسر الشريعة الإسلامية، فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ:(كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". (4)
هكذا تتجلى الشريعة الإسلامية في يسرها وسماحتها ورفع الحرج عن المكلفين.
(1) أحكام القرآن للجصاص (1/ 537).
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (3080)، وتفسير الطبري (6/ 130).
(3)
أخرجه البخاري (39).
(4)
أخرجه البخاري (1117).