الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لم يكن قصدًا ولو قدر على الطيبات أكلها إلى أشباه لهذا. وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري وكان شاعرًا متفننا في كثير من العلوم وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه فطعن بالسكين وصلب منكسا ثم أنزل وأحرق بالنار.
وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدي استدارت وحولته عن القبلة فكان آية للجميع وكبر الناس وجاء كلب فولغ في دمه وقال القاضي أبو عبد الله بن المرابط: من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل لأنه تنقص إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم: ما فيه نقص - قتل دون استتابة، وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل - فقتله واجب فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه ونبيه بعد وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة من زمنه أو باليل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل (1).
حكم الله عليهم بالكفر:
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى
(1) الشفا للقاضي عياض (2/ 232: 229).
وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم جادًا أو هازلًا فقد كفر (1).
الوجه الثامن: بعض النماذج من السنة لمن تعرض بالأذى للنبى صلى الله عليه وسلم وجزاء من تعرض بالأذى.
* قتل كعب بن الأشرف وإذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لأنه آذى الله ورسوله: فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله وَرَسُولَهُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ الله، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ائْذَنْ لِي فَلْأَقُلْ، قَالَ: قُلْ"(2)
* الإذن في قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق والسبب أيضًا لأنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم:
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الله بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَيُعِينُ عَلَيْهِ"(3).
* إسقاط النبي صلى الله عليه وسلم دية المرأة التي كانت تسبه لما قتلت:
فعن ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ المغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: "أَنْشُدُ الله رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ"، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ المِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" ألا اشهدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ"(4).
وحتى لا يكون هذا الحكم في إسقاط النبي صلى الله عليه وسلم دمها عامًا للناس جميعًا بعد موته، فقال
(1) الصارم المسلول صـ (31) والمسألة فيها تفصيل. انظر: كتاب الشفا وكتاب الصارم المسلول.
(2)
أخرجه البخاري (4037)، مسلم (1801).
(3)
أخرجه البخاري (4039).
(4)
أخرجه أبو داود (4361)، النسائي (7/ 108)، والحديث صحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي (3794).
أبو بكر الصديق: ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
* الرجل لفظته الأرض بعد دفنه لأنه افترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَادَ نَصْرَانِيًّا فَكَانَ يَقُولُ مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ فَأَمَاتَهُ الله فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَألقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَألقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ فَألقَوْهُ (2).
قال ابن تيمية: فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلا ما كتب له قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارًا وهذا أمر خارج عن العادة يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله وأنه كان كاذبا إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا وأن هذا الجرم أعظم من مجرد الارتداد إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا وأن الله منتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبه ومظهر لدينه ولكذب الكاذب إذ لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد (3).
الوجه التاسع: بيان الحكمة في تولي رب العزة الدفاع عن نبيه صلى الله عليه وسلم. وأن هذا ليس كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الرازي: الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة، فقال:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}
(1) أخرجه أبو داود (4363)، النسائي 7/ 109، وصححه الألباني في صحيح النسائي (3795).
(2)
أخرجه البخاري (3617)، مسلم (2781).
(3)
الصارم المسلول (116: 117)، ومن أراد المزيد حول هذا فلينظره في هذا الكتاب الماتع.