الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. يقول تعالى ذكره: واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه والعمل بما يقرب إليه ما أطقتم وبلغه وسعكم. (1)
ويُفهم من الآية أن التكليف في حدود الاستطاعة، ويبينه قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: 286)، وقوله تعالى:{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة: 286). (2)
وفي هذا القيد {مَا اسْتَطَعْتُمْ} يتجلى لطف الله بعباده وعلمه بمدى طاقتهم في تقواه وطاعته. (3)
هذا أيضًا من إحسان الله تعالى إلى عباده المؤمنين، إنه لما علمهم أن أموالهم وأولادهم فتنة وحذرهم أن يؤثروهم على طاعة الله ورسوله علم أن بعض المؤمنين سوف يزهدون في المال والولد، والبعض الآخر سوف يعاني مشقة شديدة في التوفيق بين خدمة المصلحتين، فأمرهم أن يتقوه في حدود ما يطيقون فقط، وخير الأمور الوسط فلا يفرط في ولده وماله، ولا يفرط في غاية خلقه وهي عبادة الله تعالى التي خلق لأجلها وعليها مدار نجاته من النار ودخوله الجنة. (4)
فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد أنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". (5)
الوجه الثاني: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ناسخة لقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}
.
(1) تفسير الطبري (28/ 127).
(2)
أضواء البيان (8/ 345).
(3)
في ظلال القرآن (6/ 359).
(4)
أيسر التفاسير (5/ 370).
(5)
تيسير الكريم الرحمن للسعدي (868).
وهذا ما ذهب إليه سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد والسدي. (1)
عن قتادة في قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: يطاع فلا يعصى ثم أنزل الله عز وجل التخفيف {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فنسخت هذه الآية التي في آل عمران (2).
قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم حق تقاته بأن قال:"هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر" فقالوا: أينا يطيق ذلك فنزلت: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسًا، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ولم ينحط من درجاته.
وبتعقب هذا الحديث نجد أنه لم يثبت مرفوعًا، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة:(أينا يطيق ذلك)، ونزول قوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (3).
وقال آخرون بأن الآية: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ليست منسوخة بل هي محكمة، وأن آية {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} مبينة لها ومفسرة لها.
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: وقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: لم تنسخ ولكن حق تقاته أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم.
وتقوموا بالقسط ولو على آبائكم وأبنائكم (4).
وعن طاوس {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} إن لم تفعلوا ولم تستطيعوا {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . (5)
(1) دفع إيهام الاضطراب (51)، ابن كثير (2/ 100)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي (242).
(2)
الناسخ والمنسوخ للنحاس (300)، وفي إسناده محمد بن جعفر الأنباري، ذكره الخطيب ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وبقية رجاله ثقات فيهم الحسين بن محمد المروزي له أوهام.
(3)
البرهان للزركشي (2/ 58: 57).
(4)
الناسخ والنسوخ للنحاس (302)، والطبري (3/ 29).
(5)
تفسير الطبري (3/ 29).
قال أبو جعفر: محال أن يقع في هذا ناسخ ولا منسوخ إلا على حيلة وذلك أن معنى نسخ الشيء إزالته والمجيء بضده، فمحال أن يقال: اتقوا الله منسوخ ولا سيما مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
فعن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ أتدري ما حق الله عز وجل على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا"(1)، أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ؟ والذي قلناه قول ابن عباس في الحديث السابق فهل ما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ. (2)
فالآية محكمة وهذا مذهب طاووس وهو الصحيح لأن التقوى هي اجتناب ما نهى الله عنه ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة كم قال عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، فالآيتان متوافقتان والتقدير اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. (3)
فالتعارض الحقيقي بين الآيتين غير مسلَّم به، فإن تقوى الله حق تقاته المأمور بها في الآية هي الإتيان بما يستطيعه المكلفون من عبادة الله عز وجل دون ماخرج عن استطاعتهم، إذًا فلا تعارض بينها وبين قوله:{مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وحيث لا تعارض فلا نسخ، والتحديد بالاستطاعة ليس بيانًا للتقوى الحقيقية المطلوبة (4)، فلا مجال للنسخ؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى (5)، فمن أتى ما يستطيعه من عبادته تعالى وأناب لجلاله وأخلص في أعماله وكان مشفقًا في طاعته فقد اتقى الله حق تقاته.
(1) أخرجه البخاري (7373)، مسلم (30).
(2)
الناسخ والمنسوخ للنحاس (2/ 130).
(3)
نواسخ القرآن لابن الجوزي (244).
(4)
فتح المنان علي حسن العريض (290).
(5)
محاسن التأويل (2/ 169).