الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استقَرَّتْ على الأوَّلِ الدِّيَةُ أو القِصاصُ؛ لأنَّهُ أَذْهَبَ البصَرَ فلم يَعُدْ، وعلى الثَّانى حُكُومَةٌ؛ لأنَّه أذْهَبَ عَيْنًا لا ضَوْءَ لها، يُرْجَى [عَوْدُ ضَوْئِها] (4). وإنْ قالَ الأوَّلُ: عادَ ضَوْؤُها. وأنْكرَ الثَّانى، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لأنَّ الأصْلَ معه، فإنْ صَدَّقَ المَجْنِىُّ عليه الأوَّلَ، سَقطَ حقُّهُ عنه، ولمْ يُقبَلْ قَوْلُه على الثاني. وإنْ قال أهلُ الخبْرَةِ: يُرجَى عَوْدُه، لكن لا نَعْرِفُ له مُدَّةً. وجَبَتِ الدِّيَةُ أو القِصَاصُ؛ لأنَّ انْتظارَ ذلكَ إلى غيرِ غَايةٍ يُفْضِى إلى إسْقاطِ مُوجَبِ الجنايةِ، والظَّاهرُ في الْبَصَرِ عَدمُ العَوْدِ، والأصْلُ يُؤيِّدُه، فإنْ عادَ قبْل اسْتيفاءِ الْواجبِ سَقط، وإنْ عاد بعدَ الاستيفاءِ، وجَبَ ردُّ ما أخذَ منه؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّه لمْ يكُنْ واجبًا.
فصل:
وإنْ جَنى عليه فنَقَصَ ضَوْءُ عَيْنَيْه، ففى ذلك حُكُومَةٌ. وَإن ادَّعى نقْصَ ضَوئِهما، فالقولُ قولُه مع يمِينِه؛ لأنَّه لا يُعْرَفُ ذلك إلَّا مِنْ جِهتِهِ. وإنْ ذَكرَ أنَّ إحْداهما نقصَتْ، عُصِبَتِ المريضَةُ، وأُطْلِقَتِ الصَّحيحَةُ، ونُصِبَ له شَخْصٌ ويتَباعَدُ (5) عنه، فكُلَّما قال: رَأَيْتُه. فوصَفَ لَوْنَه، عُلِمَ صِدْقُه، حتى تَنْتهِىَ، فإذا انتْهَتْ رُؤْيتُه (6)، عُلِمَ مَوْضِعُها، ثم تُشَدُّ الصَّحيحةُ، وتُطْلقُ المريضةُ، ويُنْصَبُ له شخصٌ، ثم يَذْهَبُ حتى تنْتَهِىَ رُؤيتُه، ثم يُدارُ الشَّخصُ إلى جانبٍ آخَرَ، فيُصْنَعُ به مِثْلُ ذلك، ثُم يُعْلَمُ (7) عندَ المَسافتيْنِ، ويُذْرَعان، ويُقابَلُ بيْنهما، فإنْ (8) كانَتا سَواءً، فقد صدَقَ، ويُنْظَرُ كم بين (9) مسَافةِ رُؤْيةِ العليلةِ والصَّحيحةِ، ويُحْكمُ له مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ ما بينهما، وإنْ اختلفَتِ المسافتانِ، فقد كذَبَ، وعُلم أنَّه قَصَّرَ مَسافةَ رُؤْيةِ المريضةِ لِيكْثُرَ الواجِبُ له، فيُرَدَّدُ حتى تَسْتوىَ المسافةُ بين الجانبيْنِ. والأَصْلُ في هذا، ما رُوى
(4) في ب، م:"عودها".
(5)
في ب، م:"فيباعد".
(6)
سقط من: م.
(7)
في م: "يعلمه".
(8)
في ب، م:"فإذا".
(9)
سقط من: م. وفى ب: "نكن".
عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال ابنُ المُنْذِرِ: أحْسَنُ ما قِيلَ في ذلك، ما قالَه علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أمَر بعَيْنِه فعُصِبَتْ، وأعْطَى رَجُلًا بيضةً، فانْطلقَ بها وهو ينْظُر، حتى انْتهَى بَصرُه، ثم أمَر فخطَّ عندَ ذَلك، ثمَّ أَمَرَ بعَيْنِه [الأُخْرَى فعُصِبَت](10)، وفُتِحَتِ الصَّحيحةُ، وأَعْطَى رجُلًا بيضةً، فانْطَلقَ بها وهو يَنْظُرُ (11) حتى انْتَهَى بَصرُه، ثم خَطَّ عندَ ذلك، ثم حوَّلَ إلى مَكانٍ آخَرَ، ففعل (12) مثلَ ذلِك، فوجَدُوهُ (13) سَواءً، فأعْطاه بقَدْرِ ما نقَصَ منْ بَصَرِه من مالِ الآخَرِ (14). قالَ القاضي: وإذا زَعم أهْلُ الطِّبِّ أنَّ بصرَه يَقِلُّ إذا بعُدَتِ المسَافةُ، ويكْثُرُ إذا قَرُبتْ، وأمْكَنَ هذا في المُذَارَعةِ، عُمل عليه. وبَيانُه أنَّهم إذا قَالوا: إنَّ الرَّجُلَ إذا كان يَنْظُرُ (15) إلى مائةِ ذِراعٍ، ثمَّ أرادَ أن يَنْظُرَ (15) إلى مِائَتَىْ ذِرَاعٍ، احْتاجَ للمائةِ الثَّانيةِ إلى ضِعْفَىْ ما يحتاجُ إليه للمائةِ الأُولَى من البصَرِ. فعلى هذا، إذا أبْصرَ بالصَّحيحةِ إلى مائتيْن، وأبْصرَ بالْعَليلةِ إلى مائةٍ، علِمْنا أنَّه قدْ نَقَصَ ثُلثا بصرِ عَيْنِه؛ فيجِبُ له ثُلُثَا دِيَتِها. وهذا لا يكادُ ينْضَبطُ في الغالبِ، [وكُلُّ ما لا يَنْضَبِطُ ففيه حُكومةٌ](16). وإنْ جَنَى على عَيْنَيْهِ، فنَدَرَتَا، أوَ احْوَلَّتا (17)، أو عَمِشَتا (18)، ففى ذلك حُكومةٌ (19)، كما لو ضربَ يدَه فاعْوَجَّتْ. والجنايةُ على الصَّبِىِّ والمَعْتُوهِ، كالجنايةِ على البالغِ والْعاقلِ، وإِنَّما يفْترِقان في أنَّ البالغَ خَصْمٌ لنفسهِ، والخَصْمُ للصَّبِىِّ والمَجْنونِ ولِيُّهما، فإذا تَوجَّهتِ اليمينُ عليهما لم يَحْلِفا، وَلم يَحْلِفِ الوَلىُّ عنهُما، فإنْ بَلَغَ
(10) في م: "فعصبت الأخرى".
(11)
في م: "يبصر".
(12)
في الأصل: "يفعل".
(13)
في م: "فوجده".
(14)
أخرجه البيهقي، في: باب ما جاء في نقص البصر، من كتاب الديات. السنن الكبرى 8/ 87.
(15)
في ب، م:"يبصر".
(16)
سقط من: ب.
(17)
في م: "إذا حولتا".
(18)
في م: "أعمشتا".
(19)
في ب: "الحكومة".