الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالظاهِرُ أنَّها تَوْبَةُ إخْلاصٍ، وبعدَها الظاهِرُ أنَّها تَقِيَّةٌ من إقامةِ الحدِّ عليه، ولأنَّ في قَبُولِ تَوْبَتِه، وإسْقاطِ الحَدِّ عنه قبلَ القُدْرةِ، تَرْغِيبًا في تَوْبَتِه، والرُّجوعِ عن مُحاربتِه وإفْسادهِ، فناسَبَ ذلك الإِسْقاطُ عنه، وأمَّا بعدَها فلا حاجةَ إلى تَرْغِيبِه؛ لأنَّه قد عَجَزَ عن الفسادِ والمُحاربَةِ.
فصل:
وإن فعلَ المُحاربُ ما يُوجِبُ حَدًّا لا يَخْتَصُّ المُحارَبةَ؛ كالزِّنَى، والقَذْفِ، وشُرْبِ الخمرِ، والسَّرِقَةِ، فذكرَ القاضي أنَّها تَسْقُطُ بالتَّوْبةِ؛ لأنَّها حُدودٌ للهِ تعالى، فسَقَطَتْ (4) بالتَّوْبةِ، كحَدِّ المُحارَبَةِ، إلَّا حَدَّ القَذْفِ، فإنَّه لا يسْقُطُ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ، ولأنَّ في إسْقاطِها تَرْغِيبًا في التَّوْبةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَسْقُطَ؛ لأنَّها لا تخْتَصُّ المُحارَبَةَ، فكانَتْ في حَقِّه كهِىَ في حَقِّ غيرِه. وإن أتى حَدًّا قبلَ المُحاربةِ، ثم حاربَ وتابَ قبلَ القُدْرةِ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ الأوَّلُ؛ لأنَّ التَّوْبةَ إنَّما يسْقُطُ بها الذَّنْبُ الذي تابَ منه دونَ غيرِه.
فصل: وإن تابَ مَنْ عليه حَدٌّ من غيرِ المُحارِبين، وأصْلَحَ، ففيه رِوَايتان؛ إحداهما، يسْقُطُ عنه؛ لقول اللَّه تعالى:{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} (5). وذكر حَدَّ السَّارِقِ، ثم قال:{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} (6). وقال النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ"(7). ومن لا ذَنْبَ له لا حَدَّ عليه. وقال في ماعِزٍ لَمَّا أُخْبِرَ بهَرَبِه: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، يَتُوبُ فَيَتوبُ اللهُ عَلَيْهِ! "(8). ولأنَّه خالِصُ حَقِّ اللهِ تعالى، فيسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كحَدِّ المُحارِبِ. والرِّواية الثانية، لا يسْقُطُ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبي حَنيفةَ،
(4) في م: "فتسقط".
(5)
سورة النساء 16.
(6)
سورة المائدة 39.
(7)
تقدم تخريجه، في: 9/ 563.
(8)
تقدم تخريجه، في صفحة 312.
وأحدُ قوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لقولِ اللَّه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (9). وهذا عامٌّ في [التَّائِب وغيرِه](10). وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (11). ولأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رجَم ماعِزًا والغامِدِيَّة، وقَطَعَ الذي أقَرَّ بالسَّرِقَةِ، وقد جاءُوا تائِبين يطْلُبون التَّطْهِيرَ بإقامةِ الحَدِّ، وقد سَمَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِعْلَهم تَوْبَةً، فقال في حَقّ المرأة:"لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى (12) أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ"(13). وجاء عمرو بن سَمُرَةَ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي سَرَقْتُ جملًا لبنى فُلانٍ، فَطَهِّرْنِى] (14). وقد أقام رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الْحَدَّ عليهم. ولأنَّ الْحَدَّ كفارةٌ، فلم يسْقُطْ بالتَّوْبَةِ، ككفَّارةِ اليَمينِ والقتلِ، ولأنَّه مَقْدُورٌ عليه، فلم يسْقُطْ عنه الحَدُّ بالتَّوْبَةِ، كالمُحارِب بعدَ القُدْرةِ عليه. فإن قُلْنا بسُقوطِ الحَدِّ بالتَّوْبَةِ، فهل يسْقُطُ يمُجَرَّدِ التَّوْبةِ، أو بها مع إصْلاحِ العملِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يسْقُطُ بمُجَرَّدِها. وهو ظاهر قولِ أصْحابنا؛ لأنَّها تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ للحَدِّ، فأشْبَهَتْ تَوْبةَ المُحارِبِ قبلَ القُدْرةِ عليه. والثانى، يُعْتَبَرُ إِصْلاحُ العملِ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} (15). وقال: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} (16). فعلى هذا القولِ، يُعْتَبَرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بها صِدْقُ تَوْبَتِه، وصَلاحُ نِيَّتِه، وليست مُقدَّرَةً بمُدَّةٍ معلومةٍ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: مُدَّةُ ذلك سَنَةٌ. وهذا تَوْقِيتٌ (17) بغيرِ تَوْقِيفٍ، فلا يَجوزُ.
(9) سورة النور 2.
(10)
في م: "التائبين وغيرهم".
(11)
سورة المائدة 38.
(12)
في م زيادة: "سبعين".
(13)
تقدم تخريجه، في صفحة 311.
(14)
تقدم تخريجه، في صفحة 472.
(15)
سورة النساء 16.
(16)
سورة المائدة 39.
(17)
في الأصل: "توقيف". تحريف.