الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُخَرَّجُ في حِلْيَةِ الدِّرْعِ والمِغْفَرِ والخَوْذَةِ والخُفِّ والرَّأَنِ (17)؛ لأنَّه (18) في معناه. وقيل: لأبي عبد اللَّه: حَلْقَةُ المرآةِ فِضَّةٌ، ورأسُ المُكْحُلَةِ فِضَّةٌ، وما أشْبَهَ هذا؟ . قال: كُلُّ شيءٍ يُسْتَعْمَلُ مثلَ حَلْقَةِ المرَآة، فأنا أكْرَهُه؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُه، فإنَّ المرَآةُ تُرْفَعُ بحَلْقَتِها. ثم قال: إنَّما هذا تأويلٌ تأوَّلْتُه أنا.
فصل:
ولا يباحُ شىءٌ من ذلك إذا كان ذَهَبًا، إلَّا أنَّه قد رُوِىَ أنَّه تُبَاحُ قَبيعَةُ السَّيْفِ. قال أحمدُ: قد رُوِىَ أنَّه كان لعمرَ سيفٌ فيه سبائِكُ من ذَهَبٍ. ورَوَى التِّرْمِذِىُّ (19)، بإسْنادِه عن مَزِيدةَ العَصَرِىِّ، قال: دَخَلَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يومَ الفَتْحِ وعلى سَيْفِه ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. وقال: هذا حَدِيثٌ غريبٌ. ولا يُباحُ الذَّهَبُ في غيرِ هذا إلَّا لضرورةٍ، كأنفِ الذَّهبِ، وما ربَط (20) به أسْنانَه، إذا تحرَّكَتْ. وقال أبو بكرٍ: يُباحُ يسيرُ الذَّهَبِ، قياسًا له على الفِضَّةِ؛ لِكَوْنِه أحَدَ الثَّمَنَيْنِ، فأشْبَهَ الآخَرَ. وقد ذُكِر (21) هذا في غيرِ هذا الموضِعِ.
1609 - مسألة؛ قال: (وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعَزِيرِ الْحَدَّ)
التَّعْزِيرُ: هو العقوبَةُ المشْرُوعَةُ على جِنايةٍ لا حَدَّ فيها، كَوطْءِ الشَّريكِ الجاريةَ المُشْترَكَةَ، أو أمَتَهُ المُزَوَّجَةَ، أو جَارِيَةَ ابنِه، أو وَطْءِ امرأتِه في دُبُرِها أو حَيْضِها، أو وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ دُونَ الفَرْجِ، أو سَرِقةِ ما دونَ النِّصَابِ، أو من غيرِ حِرْزٍ، أو النَّهْبِ، أو الغَصْبِ، أَو الاخْتِلَاسِ، أو الجنايةِ على إنسانٍ بما لا يُوجِبُ (1) قِصاصًا ولا دِيَةً، أو شَتْمِه بما ليس بقَذْفٍ. ونحوُ ذلك يُسَمَّى تعزيرًا؛ لأنَّه مَنَعَ من الجنايةِ. والأصلُ في
(17) الرأن كالخف الا أنه لا قدم له، وهو أطول من الخف.
(18)
في م: "ولأنه".
(19)
في: باب ما جاء في السيوف وحليتها، من أبواب الجهاد. عارضة الأحوذى 7/ 184.
(20)
في م: "رابط".
(21)
في م: "ذكرنا".
(1)
في م زيادة: "حدا ولا".
التَّعْزيرِ المَنْعُ، ومنه التَّعْزِيرُ بمعنى النُّصْرَةِ؛ لأنَّه مَنعٌ لعَدُوِّه مِن أذاهُ. واختَلَفَ عن أحمدَ في قَدْرِه، فرُوِىَ عنه أنَّه لا يُزَادُ على عشرِ جَلَداتٍ، نَصَّ أحمدُ على هذا في مَواضِعَ. وبه قال إسحاقُ؛ لِمَا رَوَى أبو بُرْدَةَ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لَا يَجْلِدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَّا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّه تَعَالَى". مُتَّفَقٌ عليه (2). والرِّوايةُ الثانيةُ: "لا يبلُغُ به الحَدَّ". . وهو الذي ذكرَ (3) الْخِرَقِىُّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ، لا يبْلُغُ به أدْنَى حَدٍّ مَشْروعٍ. وهذا قولُ أبى حَنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. فعلى هذا لا يبْلُغُ به أربعين سَوْطًا؛ لأنَّها حَدُّ العَبْدِ في الخَمْرِ والقَذْفِ، وهذا قولُ أبى حَنيفةَ. وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ الخمرِ أربعون، لم يبلُغْ به عشرين سوطًا في حَقِّ العبدِ، وأربعين في حَقِّ (4) الحُرِّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِى. فلا يُزَادُ العبدُ على تسعةَ عشرَ سوطًا، ولا الحُرُّ على تسعةٍ وثلاثين سَوْطًا (5). وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ: أدْنَى الحدودِ ثمانون، فلا يُزَادُ في التَّعْزِيرِ على تسعةٍ وسبعين. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يبلُغُ بكلِّ جنايةٍ حَدًّا مشروعًا في جِنْسِها، ويجوزُ أن يَزِيدَ على حَدِّ غيرِ جِنْسِها. ورُوِىَ عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا. فعلى هذا، ما كان سببُه (6) الوَطْءُ، جازَ أن يُجْلَدَ مائةً إلَّا سَوْطًا؛ ليَنْقُصَ عن حَدِّ الزِّنَى، وما كان سببُه غيرَ الوَطْءِ، لم يبْلُغْ به أدْنَى الحدودِ؛ لِمَا رُوِىَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، في الذي وَطِىءَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها، أنَّه (7) يُجْلَدُ مائةً (8). وهذا تَعْزِيرٌ؛ لأنَّه في حَقِّ الْمُحْصَنِ، وحَدُّهُ
(2) أخرجه البخاري، في: باب كم التعزير والأدب؟ من كتاب الحدود. صحيح البخاري 8/ 215. ومسلم، في: باب قدر أسواط التعزير، من كتاب الحدود. صحيح مسلم 3/ 1332، 1333.
كما أخرجه أبو داود، في: باب في التعزير، من كتاب الحدود. سنن أبي داود 2/ 476. والترمذي، في: باب في التعزير، من أبواب الحدود. عارضة الأحوذى 6/ 249، 250. وابن ماجه، في: باب التعزير، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 867. والدارمى، في: باب التعزير في الذنوب، من كتاب الحدود. سنن الدارمي 2/ 176. والإِمام أحمد، في: المسند 4/ 45.
(3)
في م: "ذكره".
(4)
في م: "حد".
(5)
سقط من: الأصل، ب.
(6)
في ب: "سبب".
(7)
سقط من: م.
(8)
تقدم تخريجه، في صفحة 346.
إنَّما هو الرَّجْمُ. وعن سعيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، عن عمرَ، في أَمَةٍ بينَ رَجُلَيْنِ، وَطِئَها أحدُهما: يُجْلَدُ الحَدَّ إلَّا سَوْطًا واحدًا (9). روَاه الأثرمُ. واحتجَّ به أحمدُ. قال القاضي: هذا عندِى من نَصِّ أحمدَ لا يقْتَضِى اختلَافًا في التَّعْزِيرِ، بل المذهبُ أنَّه لا يُزَادُ على عَشْرِ جَلَداتٍ، اتِّباعًا للأثرِ، إلَّا في وَطْءِ جاريةِ امرأتِه؛ لحديثِ النُّعْمَانِ، وفى الجاريةِ المشتركَةِ؛ لحديثِ عمرَ، وما عدَاهما يَبْقَى على العمومِ؛ لحديثِ أبى بُرْدَةَ. وهذا قولٌ حَسَنٌ. وإذا ثَبَتَ تقديرُ أكْثَرِه (10)، فليسَ أقلُّه مُقَدَّرًا؛ لأنَّه لو تَقَدَّرَ، لَكان حَدًّا، ولأنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَدَّرَ أكثرَه، ولم يُقَدرْ أقلَّه، فيُرْجَعُ فيه إلى اجْتهادِ الإِمامِ فيما يَراهُ، وما يقْتَضِيه حالُ الشَّخْصِ. وقال مالِكٌ: يجوزُ أن يُزَادَ التَّعْزِيرُ على الحَدِّ، إذا رَأَى الإِمامُ؛ لِمَا رُوِىَ أنَّ مَعْنَ بنَ زائدَة، عَمِلَ خاتَمًا على نَقْشِ خاتَمِ بيتِ المالِ، ثم جاءَ به صاحبَ بيتِ المالِ، فأخذَ منه مالًا، فبلغَ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فضربَه مائةً، وحَبَسَهُ، وكُلِّمَ (11) فيه، فضربَه مائةً أُخْرَى، فكُلِّم فيه من بَعْدُ، فضربَه مائةً ونَفاهُ (12). وروَى أحمدُ، بإسْنادِه، أنَّ عَليًّا أُتِىَ بالنَّجَاشِىِّ قد شَرِبَ خمرا في رمَضانَ، فجلدَه ثمانين الحَدَّ، وعشرين سَوْطًا لفِطْرِه في رمضانَ (13). ورُوِى أنَّ أبا الأسْودِ اسْتخْلفَه ابنُ عباسٍ على قضاءِ البصرةِ، فأُتِىَ بسارقٍ قد كان جمعَ المتاعَ في البيتِ، ولم يُخْرِجْه، فقال أبو الأسْوَدِ: أعْجَلْتُمُوه المِسْكينَ. فضربَه خمسةً وعشرين سَوْطًا، وخَلَّى سبيلَه (14).
(9) أخرجه عبد الرزاق، في: باب الأمة فيها شركاء يصيبها بعضهم، من كتاب الطلاق. المصنف 7/ 358. وسعيد بن منصور، في: باب الأمة تكون بين الرجلين يصيبها أحدهما، من كتاب الطلاق. السنن 2/ 57. وابن أبي شيبة، في: باب في الجارية تكون بين الرجلين. . .، من كتاب الحدود. المصنف 10/ 9.
(10)
في ب، م:"أكثر".
(11)
في ب، م:"فكلم".
(12)
لم نجده فيما بين أيدينا. ومعن بن زائدة من أجواد العرب، أدرك العصرين الأموى والعباسى، فكيف يدرك عمر رضى اللَّه عنه! انظر: وفيات الأعيان 5/ 244.
(13)
أخرجه الطحاوي، في: باب بيان مشكل ما روى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من قوله: "لا يجلد فوق عشر جلدات. . .". مشكل الآثار 3/ 168.
(14)
أخرجه ابن أبي شيبة، في: باب في السارق يؤخذ قبل أن يخرج من البيت بالمتاع، من كتاب الحدود. المصنف 9/ 477.