الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
وان أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنةً أنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ من بلدِ المقْتُولِ، لا يُمْكِنُ مَجيئُه منه إليه في يومٍ واحدٍ، بَطَلَتِ الدَّعْوَى. وإن قالتِ البَيِّنَةُ: نَشْهدُ أنَّ فلانًا لم يقْتُلْه. لم تُسمَعْ هذه الشهادةُ؛ لأنَّه نَفْيٌ مُجرَّدٌ. فإن قالا: ما قتَلَه فلانٌ، بل قتلَه فلانٌ. سُمِعَت؛ لأنَّها شَهِدَتْ بإثْباتٍ تَضَمَّنَ النَّفْىَ، فسُمِعَتْ، كما لو قالتْ: ما قتَلَه فلانٌ؛ لأنَّه كان (34) يومَ القتلِ في بلَدٍ بَعِيدٍ.
فصل: فإن جاءَ رجلٌ، فقال: ما قَتلَه هذا المُدَّعَى عليه، بل أنَا قَتلتُه. فكَذَّبَه الوَلِيُّ، لم تَبْطُلْ دَعْواه، وله القَسامةُ، ولا يَلْزَمُه رَدُّ الدِّيَةِ إن كان أخَذها؛ لأنَّه قولٌ واحدٌ، ولا يلْزَمُ المُقِرَّ شيءٌ؛ لأنَّه أقَرَّ لمن يُكَذِّبُه. وإن صَدَّقَه الوَلِيُّ، أو طالبَه بمُوجَبِ القَتْلِ، لَزِمَهُ رَدُّ ما أخذَه (35)، وبَطَلَتْ دَعْوَاه على الأوَّلِ؛ لأنَّ ذلك جَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ ببُطْلانِ الدَّعْوَى. وهل له مُطالبةُ المُقِرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، له مُطالبتُه؛ لأنَّه أقرَّ له بحَقٍّ، فمَلَكَ مُطالبتَه به، كسائرِ الحقوقِ. والثاني، ليس له مُطالبتُه؛ لأنَّ دَعْوَاه على الأوَّلِ انْفرادَه بالقتلِ؛ إبْراءٌ لغيرِه، فلا يَمْلِكُ مُطالبةَ مَنْ أبْرَأَه. والمنصوصُ عن أحمدَ، رحمه الله، أنَّه يَسْقُطُ القَوَدُ عنهما، وله مُطالبةُ الثاني بالدِّيَةِ، فإنَّه قال، في رجلٍ شَهِدَ عليه شاهِدانِ بالقَتْلِ، فأُخِذَ لِيُقادَ (36) منه، فجاءَ رجلٌ، فقال: ما قتَلَه هذا، أنا قَتَلْتُه: فالقَوَدُ يسَقُطُ عنهما، والدِّيَةُ على الثاني. ووَجْهُ ذلك ما رُوِيَ، أنَّ رجلًا ذبَحَ رجلًا في خَرِبَةٍ، وَتَرَكَه وهَرَبَ، وكان قَصَّابٌ قد ذبحَ شاةً، وأرادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فهَرَبَتْ منه إلى الخَرِبَةِ، فتَبِعَها حتى وقفَ على القتيلِ، والسِّكِّينُ بيَدِه مُلَطَّخَةٌ بالدَّمِ، فأخِذَ على تلك الحالِ، وجىءَ به إلى عمرَ، رضي الله عنه، فأمرَ بقَتْلِه، فقال القاتلُ في نفسِه: يا وَيْلَه، قتلتُ نفسًا، ويُقتَلُ بسَببي آخَرُ. فقام فقال: أنا قَتَلتُه، ولم
(34) في م: "كل". خطأ.
(35)
في الأصل: "أخذ".
(36)
في م: "ليقتاد".
يَقْتُلْه هذا. فقال عمرُ: إن كان قد قتلَ نفسًا فقد أَحْيَى نَفْسًا. ودَرأَ عنه القِصاصَ (37). ولأنَّ الدَّعْوَى على الأوَّلِ شُبْهَةٌ في دَرْءِ القِصاصِ عن الثاني، وتجبُ الدِّيةُ عليه؛ لإِقْرارِه بالقَتْلِ المُوجِبِ لها. وهذا القولُ أصَحُّ وأعدلُ، مع شَهادةِ الأثَرِ بصِحَّتِه.
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الأوْلياءَ إذَا ادَّعَوُا القتلَ على مَن بينَه وبينَ القتيلِ لَوْثٌ، شُرِعَتِ اليَمينُ في حقِّ المُدَّعِين أوَّلًا، فَيَحْلِفُونَ خمسين يَمِينًا على المُدَّعَى عليه أنَّه قَتَلَه، وثَبتَ حقُّهم قِبَلَه، فإنْ لم يحلِفُوا، استُحْلِفَ المُدَّعَى عليه خمسين يَمِينًا، وبُرِّئَ. وبهذا قال يحيى بنُ سعيد، ورَبِيعةُ، وأبو الزِّنادِ، واللَّيْثُ (38)، ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال الحسنُ: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى علهم أوَّلًا خمسين يَمِينًا، ويُبَرَّءُونَ. فإنْ أَبَوا أن يَحْلِفُوا، استُحْلِفَ خمسون من المُدَّعِين، أنَّ حَقَّنا قِبَلَكم، ثم يُعْطَوْن الدِّيَةَ؛ لقولِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم:"وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". روَاه مسلمٌ (39). وفي لفظٍ: "الْبَيِّنَةُ علَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". روَاه الشافعيُّ، في "مُسْنَدِه"(40). ورَوى أبو داودَ (41)، بإسْنادِه عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن رجالٍ من الأنصار، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ليَهُود (42)، وبدأَ بهم:"يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا". فَأَبَوا، فقال للأنْصارِ:"اسْتَحِقُّوا" قالوا: نَحْلِفُ على الغَيْبِ يا رسولَ اللهِ. فجعَلَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على اليَهُودِ؛ لأنَّه وُجِدَ بينَ أظْهُرِهم؛ ولأنَّها يَمِينٌ في دَعْوَى، فوجَبَتْ في جانبِ المُدَّعَى عليه ابتداءً كسائرِ الدَّعاوَى. وقال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعيُّ، والثَّوْريُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: يُسْتَحْلَفُ خمسون رجلًا من أهْلِ المَحَلَّةِ التي وُجِدَ فيها القتيلُ، باللهِ ما قَتَلْنَاه، ولا عَلِمْنا
(37) لم نجده فيما بين أيدينا.
(38)
سقط من: ب، م.
(39)
تقدم تخريجه، في: 6/ 525.
(40)
تقدم تخريجه، في: 10/ 530. وهو عند الشافعي في مسنده. انظر. ترتيب مسند الشافعي 2/ 181.
(41)
في: باب في ترك القود بالقسامة، من كتاب الديات. سنن أبي داود 2/ 487.
(42)
في ب، م:"لليهود".
قاتلًا، ويُغَرَّمون الدِّيَةَ؛ لقَضاءِ عمرَ، رضي الله عنه، بذلك (43). ولم نَعْرفْ له في الصحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا. وتكَلَّمُوا في حديثِ سهلٍ بما روَى أبو داودَ (44)، عن محمدِ بن إبراهيم بن الحارثِ التَّيْمِيِّ، عن عبد الرحمن بن (45) بُجَيْدِ (46) ابن قَيْظِيِّ (47)، أحدِ بني حارثةَ؛ قال محمدُ بن إبراهيم: وأيمُ اللهِ، ما كان سَهْلٌ بأعْلمَ منه، ولكنَّه كانَ أسنَّ منه، قال: واللهِ ما قالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "احْلِفُوا على ما لا عِلْمَ لَكم به"، ولكنَّه كتبَ إلى يهود حينَ كلَّمتْه الأنصارُ:"إنَّه وُجِدَ بَيْنَ أبْيَاتِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ". فكتَبُوا يحْلِفُون باللهِ ما قتَلُوه، ولا يَعْلَمُون له قاتلًا، فوَدَاه رُسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم من عِنْدِه. ولَنا، حديثُ سهلٍ (48)، وهو صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالكٌ، في "مُوَطإِهِ"، وعَمِلَ به. وما عارضَه من الحديثِ لا يصحُّ لوُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه نَفْيٌ، فلَا يُرَدُّ بِه قولُ المُثْبِتِ. والثاني، أنَّ سَهْلًا من أصحابِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، شاهدَ القِصَّةَ، وعَرَفَها، حتى إنَّه قال: ركَضَتْني ناقةٌ من تلكَ الإِبلِ. والآخَرَ يقولُ برأْيِه وظَنِّهِ، من غيرِ أن يَرْوِيَه عن أحَدٍ، ولا حضرَ القِصَّةَ. والثالثُ، أنَّ حديثَنا مُخرجٌ في الصَّحِيحَيْن، مُتَّفَقٌ عليه، وحديثُهم بخلافِه. الرابعُ، أنَّهم لا يعْمَلُون بحديثِهم، ولا حَديثِنا، فكيف يحْتَجُّونَ بما هو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوه فيه! وحديثُ سليمانَ بنِ يسارٍ، عن رجالٍ من الأنْصارِ، ولم يذكُرْ لهم صُحْبةً، فهو أدْنَى حالًا (49) من حديثِ محمدِ بن إبراهيم، وقد خالفَ الحديثَيْن جميعًا، فكيفَ يجوزُ أنْ يُعْتَمدَ عليه! وحديثُ:"الْيَمينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". لم تُرَدْ به هذه القضِيَّةُ (50)؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ الناسَ لا يُعْطَوْن بدَعْوَاهم،
(43) تقدم تخريجه، في صفحة 189.
(44)
في: باب في ترك القود بالقسامة، من كتاب الديات. سنن أبي داود 2/ 486، 487.
(45)
سقط من: م.
(46)
في م: "ونجيد".
(47)
في النسخ: "قبطى". وهو عبد الرحمن بن بجيد بن وهب بن قيظى. انظر: التهذيب 6/ 142.
(48)
تقدم تخريجه، في، صفحة 188.
(49)
في ب، م:"لهم".
(50)
في ب، م:"القصة".
وههُنا (51) قد أُعْطُوا بدَعْوَاهم، على أن حَدِيثَنا أخَصُّ منه، فيجبُ تَقْديمُه، ثم هو حُجَّةٌ عليهم؛ لكَوْنِ المُدَّعِين أُعْطُوا بمُجَرَّدِ دَعْوَاهم من غيرِ بَيِّنَةٍ ولا يَمِينٍ منهم، وقد روَاه ابنُ عبدِ البرِّ، بإسْنادِه عن عمرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، والْيَمينُ عَلَى مَنْ أنكَرَ، إلَّا فِي الْقَسَامَةِ"(52). وهذه الزيادةُ يتَعَيَّنُ العملُ بها، لأنَّ الزِّيادةَ من الثِّقَةِ مَقْبولةٌ؛ ولأنَّها أيْمانٌ مُكرَّرةٌ. فيُبْدَأُ فيها بأيْمانِ المُدَّعِين كاللِّعانِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ أيْمانَ القَسامَةِ خَمسونَ مَرَدَّدَةٌ، على ما جاءتْ به الأحاديثُ الصحيحةُ، وأجْمَعَ عليه أهلُ العلمِ، لا (53) نعلمُ أحدًا خَالفَ فيه.
الفصلُ الرابعُ: أنَّ الأوْلياءَ إذا حَلَفُوا اسْتحَقُّوا القَوَدَ، إذا كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا، إلَّا أنْ يَمْنَعَ منه مانِعٌ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْر، وعمرَ (54) بنِ عبدِ العزيزِ. وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِر. وعن مُعاويةَ، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ، وإسحاقَ: لا تجِبُ بها إلَّا (55) الدِّيَةُ؛ لقولِ النَّبي صلى الله عليه وسلم لليهودِ: "إمَّا أنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وإمَّا أنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ"(56). ولأنَّ أيْمانَ المُدَّعِين إنَّما هي بغَلَبَةِ الظَّنِّ، وحُكْمِ الظَّاهرِ، فلا يجوزُ إشَاطةُ الدَّمِ بها؛ لقيامِ الشُّبْهَةِ المُتَمَكِّنةِ منها، ولأنَّها حُجَّةٌ لا يثْبُتُ بها النِّكاحُ، ولا يجبُ بها القِصاصُ، كالشَّاهدِ واليَمِينِ. وللشافعيِّ قَوْلانِ، كالمذهبَيْن. ولَنا، قولُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ منْهُمْ، فَيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ"(56).
(51) في م: "وهنا".
(52)
انظر ما تقدم في: 10/ 530.
(53)
في ب: "ولا".
(54)
في م: "وعن عمر".
وذكره البيهقي عنهما، في: باب ما جاء في القتل بالقسامة، من كتاب القسامة. السنن الكبرى 8/ 127.
(55)
سقط من: م.
(56)
تقدم تخريجه، في صفحة 188.