الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل:
ولو وجبَ الحَدُّ على ذِمِّىٍّ، أو مُرْتَدٍّ، فلَحِقَ بدارِ الحربِ، ثم عاد، لم يسْقُطْ عنه. وقال أبو حنيفة: يَسْقُطُ. ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَبَ، فلم يسْقُطْ بدُخولِ دارِ الحربِ، كما لو كانَ مسلمًا دخلَ بأَمانٍ.
1571 -
مسألة؛ قال: (ومَنْ قَذَفَ مُشْرِكًا أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ العَشْرِ سِنِينَ، أو مُسْلِمَةً لهَا دُونَ التِّسْعِ (1) سِنِينَ، أُدِّبَ، ولَمْ يُحَدَّ)
قد ذكرْنَا أنَّ الإِسلامَ، والحُرِّيَّةَ، وإدْراكَ سِنٍّ يُجامِعُ مثلُه في مِثْلِه، شُروطٌ لوُجوبِ الحَدِّ على قاذِفِه، فإذا انْتفَى أحدُها، لم يجبِ الحَدُّ على قاذِفِه، ولكنْ يجبُ تأْدِيبُه، رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِين، [وكفًّا له](2) عن أذاهم. وحَدُّ الصَّبِىِّ الذي لم (3) يَجِبِ الحَدُّ بِقَذْفِهِ، أن يَبْلُغَ الغلامُ عشرًا، والجاريةُ تِسْعًا، في إحْدَى الرِّوايتَيْن. وقد سبقَ ذِكْرُ ذلك.
فصل: فإنِ اخْتلفَ القاذِفُ والمقْذُوفُ، فقال القاذِفُ: كنتَ صغيرًا حين قَذَفْتُكَ. وقالَ المقذوفُ: كنتُ كبيرًا. فذكرَ القاضي، أنَّ القولَ قولُ القاذِفِ؛ لأنَّ الأصلَ الصِّغَرُ وبراءةُ الذمَّةِ من الحَدِّ. فإن أقامَ القاذِفُ بَيِّنَةً أنَّه قذفَه صغيرًا، وأقامَ المقْذوفُ بَيِّنَةً أنَّه قَذَفَه كبيرًا، وكانتا مُطْلَقَتَيْن، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ تاريخَيْنِ مُخْتلِفَيْنِ، فهما قَذْفانِ؛ مُوجَبُ أحدِهما التَّعْزيرُ، والثانى الحَدُّ، وإن بَيَّنَتَا تاريخًا واحدًا، وقالت إحْداهما: وهو صغيرٌ. وقالتِ الأُخْرَى: وهو كبيرٌ. تعارضَتَا وسقَطَتَا. وكذلك لو كان تاريخُ بَيِّنَةِ المقْذُوفِ قبلَ تاريخِ بَيِّنَةِ القاذِفِ.
1572 - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا، وَقَالَ: أَرَدْتُ أنَّهُ زَنَى
(1) في ب: "السبع".
(2)
في ب: "أو كفاهم".
(3)
في م زيادة: "لم"
وهو مُشرِكٌ. لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِه، وحُدَّ القاذِفُ، إذا طَلَبَ الْمَقْذُوفُ. وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَبْدًا)
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه قَذَفَه في حالِ كَوْنِه مسلمًا مُحْصَنًا، وذلك يَقْتَضِى (1) وُجوبَ الحَدِّ عليه؛ لعُمومِ الآيةِ، ووجُودِ المعنى، فإذا ادَّعَى ما يُسقِطُ الحَدَّ عنه، لم يُقْبَلْ منه، كما لو قَذفَ كبيرًا، ثم قال: أرَدْتُ أنَّه زَنَى وهو صغيرٌ. فأمَّا إن قال له: زَنَيْتَ في شِرْكِكَ. فلا حَدَّ عليه. وبه قالَ الزُّهْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحكى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، روايةً أُخْرَى. وعن مالِكٍ، أنَّه يُحَدُّ. وبه قال الثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ القَذْفَ وُجِدَ في حالِ كَوْنِه مُحْصَنًا. ولَنا، أنَّه أضافَ القَذْفَ إلى حالٍ ناقصةٍ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَه في حالِ الشِّرْكِ، ولأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ على المَقْذُوفِ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه بالوَطْءِ دون الفَرْجِ. وهكذا الحكمُ لو قَذَفَ مَن كانَ رِقيقًا، فقال: زَنَيْتَ في حالِ رِقِّكَ. أو قال: زَنَيْتَ وأنتَ طِفْلٌ. وإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ صَبِىٌّ أو صغيرٌ. سُئِلَ عن الصِّغَرِ، فإن فسَّره بصِغَرٍ لا يُجامِعُ في مثلِه، فهى كالتى قَبْلَها، وإن فسَّرَه بصِغَرٍ يُجامعُ في مثلِه، فعليه الحَدُّ، في إحْدَى الرِّوايتَيْنِ. وإن قالَ: زَنَيْتَ إذ كنتَ مُشْرِكًا. أو: إذْ كنتَ رَقِيقًا. فقال المقذوفُ: ما كنتُ مُشْرِكًا ولا رَقِيقًا. نَظَرْنَا؛ فإن ثَبَتَ أنَّه كان مُشْرِكًا أو رَقِيقًا، فهى كالتى قَبْلَها، وإن ثَبَتَ أنَّه لم يكُنْ (3) كذلك، وجبَ الحَدُّ على القاذِفِ، وإن لم يثبُتْ واحِدٌ منهما، ففيه رِوَايتان؛ إحْداهما، يجبُ الحَدُّ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ والرِّقِّ، ولأنَّ الأصْلَ الحُرِّيَّةُ، وإسلامُ أهلِ دارِ الإِسلامِ. والثانية، القَوْلُ قولُ القاذِفِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه (4). وإن قال: زَنَيْتَ وأنتَ مُشْرِكٌ. فقالَ المَقْذُوفُ: أرَدْتَ قَذْفِىَ بالزِّنَى والشِّرْكِ معًا. وقال
(1) في ب، م:"بمقتضى".
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
في م زيادة: "رقيقا".
(4)
في م: "ذمة القاذف".