الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كِتَابُ الطَّلاقِ)
وهو لغةٌ: التَّخْلِيَةُ (1) قال ابن الأنباري (2): "من قول العرب: أطْلَقْتُ النَّاقة فطَلُقَتْ إذا كانت مشدوده فأزلت الشد عنها وخليتها، فشبه ما يقع بالمرأة بذلك لأنها كانت متصلة الأسباب بالزوج (3)، وقال الأزهري: "طَلَّقْتُ المرأةَ فطَلُقَتْ، وأطْلَقْتُ النَّاقةَ من العِقَالِ فانْطَلَقَت، هذا الكلام الجيد" (4).
وشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه بالطلاق الرجعي (5).
وأجمعوا على مشروعيته للكتاب والسنة (6)، ولأنه قد يقع بين الزوجين من التنافر والتباغض ما يوجب المخاصمة الدائمة، فلزوم النكاح إذنْ ضَررٌ في حقهما، ومفسدةٌ محضةٌ بلا فائدةٍ، فوجب إزالتها بالترك ليتخلص كل من الضرر.
(1) ينظر: معجم مقاييس اللغة 3/ 420، ولسان العرب 10/ 227، والقاموس 3/ 259.
(2)
ابن الأنباري: هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، الإمام، الحافظ، اللغوي، النحوي، أبو بكر، ولد سنة 272 هـ، صاحب التصانيف المشهورة في علوم القرآن واللغة، من كتبه:"الزاهر في معاني كلمات الناس"، وكتاب "المشكل"، و"غريب الحديث"، وكتاب "الكافي" في النحو، توفي ببغداد سنة 328 هـ.
ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 69 - 73، وسير أعلام النبلاء 15/ 274 - 279، وتذكرة الحفاظ 3/ 842.
(3)
ينظر: الصحاح 4/ 1518، وأساس البلاغة ص 394، وتاج العروس 6/ 425، ولسان العرب 10/ 226 - 227، والمحيط في اللغة 5/ 325 - 326.
(4)
ينظر: كتاب الزاهر ص 213.
(5)
ينظر: المغني 10/ 323، والمطلع ص 333، وكشاف القناع 5/ 232.
(6)
ينظر: المبسوط 6/ 3، وحاشية الدّسوقي 2/ 361، ومغني المحتاج 3/ 279، ونهاية المحتاج 6/ 423، والمغني 10/ 323، والمبدع 7/ 249، وكشاف القناع 5/ 232.
(ويكره) الطلاق (بلا حاجة) لإزالته النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، ولحديث:"أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق"(1)، (ويباح) الطلاق (لها) أي الحاجة إليه كسوء خلق المرأة، والتضرر بها من غير حصول الغرض بها.
(ويسن) الطلاق (لتضررها) -أي الزوجة- (بـ) استدامة (الوطء)، كحال الشقاق وما يحوج المرأة إلى المخالعة ليزيل ضررها، (و) يسن الطلاق أيضًا لـ (تركها صلاة وعفة ونحوهما)، كتفريطها في حقوق اللَّه تعالى إذا لم يمكنه إجبارها عليها، ولأن فيه نقصا لدينه، ولا يأمن إفساد فراشه وإلحاقها به ولدا من غيره إذا لم تكن عفيفة، وله عضلها إذن والتضييق عليها لتفتدي به لقوله تعالى:{وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} (2)، والزوجة كهو، فيسن لها أن تختلع منه إن ترك حقا للَّه تعالى كصلاة وصوم.
ويحرم الطلاق في حيض أو طهر أصابها فيه، ويجب على مول بعد التربص إن أبى الفيئة ويأتي (3)، فينقسم الطلاق إلى أحكام التكليف الخمسة، ولا يجب على ابن طاعة أبويه ولو كانا عدلين في طلاق زوجته؛ لأنه ليس من البر، ولا طاعتهما في منع من
(1) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: أخرجه أبو داود، باب في كراهية الطلاق، كتاب الطلاق برقم (2178) سنن أبي داود 2/ 255، وابن ماجة، باب حدثنا سويد بن سعيد، كتاب الطلاق برقم (2018) سنن ابن ماجة 1/ 650، والحديث ضعفه الألباني في الإرواء 7/ 106.
(2)
سورة النساء من الآية (19).
(3)
ص 495.
تزويج نصا (1) لما سبق.
(ولا يصح) الطلاق (إلا من زوج)، لحديث:"إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"(2)، (ولو) كان الزوج (مميزا يعقله) فيصح طلاقه كالبالغ لعموم الخبر، ولحديث:"كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمعلوب على عقله"(3)، وعن علي:"اكتموا الصبيان النكاح"(4) فيفهم أن فائدته أن لا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق أشبه طلاق البالغ، ويعتبر لوقوع الطلاق إرادة لفظه لمعناه فلا يقع طلاق لفقيه يكرره لتعليم، ولا حاك طلاقا ولو عن نفسه.
(ومن عذر بزوال عقله) بنحو جنون أو إغماء أو برسام أو نشاف (5) ولو بضربه نفسه
(1) ينظر: كتاب الفروع 5/ 363، والمبدع 7/ 250، والإنصاف 22/ 133 - 134، وكشاف القناع 5/ 233.
(2)
سبق تخريجه ص 298.
(3)
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أخرجه الترمذي، باب ما جاء في طلاق المعتوه، كتاب الطلاق برقم (1191) الجامع الصحيح 3/ 496، وقال:"هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف، ذاهب الحديث". وقال الحافظ ابن حجر: "متروك، بل أطلق عليه ابن معين وغيره الكذب". التقريب 391، وضعف الحديث الألباني في الإرواء 7/ 110، وقال الترمذي:"العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز، إلا أن يكون معتوها يفيق الأحيان فيطلق في حال إفاقته". ا. هـ.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7/ 359 موقوفا على علي رضي الله عنه دون قوله: "والمغلوب على عقله" وصححه الألباني في الإرواء 7/ 110.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة، باب ما قالوا في الصبي، كتاب الطلاق، الكتاب المصنف 5/ 35.
(5)
النشاف: اليبس والجفاف، يقال: نشفت الأرض نشوفا ونشفا: ذهبت نداوتها.
فطلق لم يقع طلاقه، لحديث:"كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله"، وحديث:"رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"(1) ولأن الطلاق قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع، وكذا لا يقع طلاق آكل بنج ونحوه لتداو أو غيره نصًّا، لأنه لا لذة فيه، وفرق أحمد بينه وبين السكران فالحقه بالمجنون (2)، وكذا لا يقع طلاق مَنْ غَضِبَ حتى أغمي عليه أو اغشي عليه لزوال عقله أشبه المجنون، ويقع الطلاق ممن أفاق من جنون أو إغماء فذكر أنه طلق نصًّا (3)؛ لأنه إذا ذكر أنه طلق لم يكن زائل العقل حينه، قال الموفق:"وهذا واللَّه أعلم في من جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، فأما من كان جنونه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا فإن ذلك يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضر ذكره للطلاق إن شاء اللَّه تعالى" انتهى (4)، ويقع الطلاق ممن شرب طوعًا مسكرًا أو نحوه مما يحرم استعماله بلا
= ينظر: المطلع ص 240، ومعجم لغة الفقهاء ص 479.
(1)
من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: أخرجه أبو داود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، كتاب الحدود برقم (4398) سنن أبي داود 4/ 139 - 140، وابن ماجة، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، كتاب الطلاق برقم (2041) سنن ابن ماجة 1/ 658، وأحمد برقم (24173) المسند 7/ 145 - 146، والدارمي، باب رفع القلم عن ثلاثة، كتاب النكاح برقم (2296) سنن الدارمي 2/ 225، والحديث صحّحه الألباني في الإرواء 2/ 4.
(2)
ينظر: المغني 10/ 345، والمحرر 2/ 50، وشرح الزركشي 5/ 382، وكتاب الفروع 5/ 367، والمبدع 7/ 254.
(3)
المغني 10/ 346، وكتاب الفروع 5/ 364، والمبدع 7/ 252.
(4)
المغني 10/ 346.
حاجة إليه، كالحشيشة المسكرة؛ لأن الشيخ تقي الدين ألحقها بالشراب المسكر حتى في الحد، وفرق بينها وبين البنج بأنها تشتهى (1) وتطلب (2)، ولو خلط في كلامه أو سقط تمييزه بين الأعيان كان صار لا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ويؤاخذ بسائر أقواله وبكل فعل يعتبر له العقل كإقرار وقذف وظهار وإيلاء وقتل وسرقة وزنا ونحو ذلك؛ لأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف، ولأنه فرط بإزالة عقله فيما يدخل فيه ضرر على غيره فألزم حكم تفريطه عقوبة له، ولا يقع الطلاق ممن أكره على شرب مسكر ونحوه لم يأثم بسكره بأن لم يتجاوز ما أكره عليه، (أو أكره) على الطلاق ظلما، كضرب وخنق وعصر ساق ونحوه، ولا يرفع ذلك عنه حتى يطلق، (أو هدد) هو أو ولده (من قادر) على ما هدد به بسلطنة أو تغلب، كلص وقاطع طريق، بقتل أو قطع طرف أو ضرب كثير، قال الموفق والشارح:"فإن كان يسيرا في حق [من] (3) لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان في ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا لصاحبه وغضا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غير" انتهى (4)، أو هدد بحبس أو أخذ مال يضره كثيرا وظن إيقاع ما هدد به (فطلق لذلك لم يقع) طلاقه، لحديث عائشة مرفوعا:"لا طلاق ولا عتق في إغلاق" رواه أحمد وغيره (5)، والإغلاق:
(1) في الأصل: تشتهيه.
(2)
ينظر: الفتاوى 34/ 198.
(3)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من المغني 10/ 353.
(4)
المغني 10/ 353، والشرح الكبير 22/ 155.
(5)
أخرجه الإمام أحمد برقم (25828) المسند 7/ 392، وأبو داود، باب في الطلاق على غلط، كتاب الطلاق برقم (2193) سن أبي داود 2/ 258 - 259، وابن ماجة، باب طلاق المكره والناسي، كتاب الطلاق برقم (2046) سنن ابن ماجة 1/ 660، والدارقطني، كتاب =
الإكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه كمن أغلق عليه باب، ولأنه قول أحمل عليه بلا حق أشبه كلمة الكفر، وتجب الإجابة مع التهديد بقتل أو قطع طرف من قادر يغلب على الظن إيقاعه به إن لم يطلق لئلا يلقي بيده إلى التهلكة المنهي عنه، وروى سعيد وأبو عبيد:"أن رجلا على عهد عمر تدلى بحبل يشتار عسلا فأقبلت امرأته فجلست على الحبل فقالت: لتطلقها ثلاثا وإلا قطعت الحبل، فذكرها اللَّه تعالى والإسلام فأبت فطلقها ثلاثا، ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال له: ارجع إلى أهلك فليس هذا طلاقا"(1) وكمكره ظلما من سحر ليطلق، قاله (2) الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في الفروع (3) قال في "الإنصاف" (4):"قلت: بل هو من أعظم الإكراهات"، إلا من شتم أو أهين بالشتم
= الطلاق، سنن الدارقطني 4/ 36، والحاكم، باب ثلاث جدهن جد. .، كتاب الطلاق، المستدرك 2/ 198، والبيهقي، باب ما جاء في طلاق المكره، كتاب الخلع والطلاق، السنن الكبرى 7/ 357، والحديث قال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وخالفه الذهبي وقال:"محمد بن عبيد لم يحتج به مسلم"، وحسن الحديث الألباني في الإرواء 7/ 113 بكثرة طرقه.
(1)
أخرجه سعيد بن منصور، باب ما جاء في طلاق المكره، كتاب الطلاق برقم (1128) سنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 313، والبيهقي، باب ما جاء في طلاق المكره، كتاب الخلع والطلاق، السنن الكبرى 7/ 357، والحديث قال الحافظ ابن حجر:"منقطع لأن قدامة لم يدرك عمر". التلخيص الحبير 3/ 216، وضعفه الألباني في الإرواء 7/ 115.
(2)
في الأصل: قال.
(3)
ينظر: الاختيارات ص 437، وكتاب الفروع 5/ 368.
(4)
22/ 156.
ليطلق فليس كمكره بل يقع طلاقه، لأن ضرره يسير، ومن قصد إيقاع الطلاق وقد أخره عليه دون دفع الإكراه وقع طلاقه، أو أكره على طلاق معينة فطلق غيرها، أو أكره على طلقة فطلق أكثر وقع طلاقه؛ لأنه غير مكره عليه، ولا يقع طلاق إن أكره على طلاق مبهمة من نسائه فطلق معينة، أو ترك التأويل بلا عذر لعموم الخبر، وينبغي له إذا أكره على الطلاق وطلق أن يتأول خروجا من الخلاف.
وإكراه على عتق وعلى يمين باللَّه وعلى ظهار كإكراه على طلاق فلا يؤاخذ بشيء منها في حال لا يؤاخذ فيها بالطلاق، ولا يقال: لو كان الوعيد إكراها لكنا مكرهين على العبادات فلا ثواب، لأن أصحابنا قالوا: يجوز أن يقال: إننا مكرهون عليها والثواب بفضله لا مستحقا عليه عندنا، ثم العبادات تفعل للرغبة ذكره في "الانتصار"(1)، ويقع الطلاق في النكاح المختلف في صحته كالنكاح بولاية فاسق أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدة أختها ونحو ذلك؛ لأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية فجاز أن ينفذ في العقد الفاسد إذا لم يكن في نفوذه إسقاط لحق الغير، كالعتق ينفذ في الكتابة الفاسدة بالأداء كما ينفذ في الصحيحة، ويكون الطلاق في الفاسد بائنا فلا يستحق عوضا سئل عليه ما لم يحكم بصحته فيكون كالصحيح المتفق عليه، ولا يكون الطلاق في نكاح مختلف فيه بدعيا في حيض فيجوز فيه، لأن الفاسد لا يجوز استدامته كابتدائه ولا يسمى طلاق بدعة، ولا يصح خلع في نكاح فاسد لخلوه عن العوض، لأنه إذا كان الطلاق بائنا بلا عوض فلا يستحق عوضا ببذله؛ لأنه لا مقابل للعوض، ولا يقع طلاق في نكاح باطل إجماعا، كمعتدة وخامسة.
(1) ينظر: كتاب الفروع 5/ 369، وكشاف القناع 5/ 236. "الانتصار في مسائل الكبار"، وهو الخلاف الكبير، للإمام العلامة محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني، أبو الخطاب البغدادي. ينظر: الذيل 1/ 116، والمدخل لابن بدران ص 419.