الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل في صريح الطلاق وكنايته
فالصريح في الطلاق وغيره: ما لا يحتمل غيره بحسب الوضع العرفي من كل شيء وضع له اللفظ، والكناية: ما يحتمل غيره ويدل على معنى الصريح.
(ويقع) الطلاق ممن أتى (بصريح) غير حاك ونحوه (مطلقا) ولو كان هازلا أو لاعبا، قال ابن المنذر:"أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن هزل الطلاق وجده سواء". (1) فيقع باطنا وظاهرا، لحديث أبي هريرة مرفوعا:"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة"، راوه الخمسة إلا النسائي (2)، وكان فتح تاء أنت لأنه واجهها بالإشارة فسقط حكم اللفظ، أو كأن لم ينو الطلاق؛ لأن إيجاد (3) هذا اللفظ من العاقل دليل إرادته، والنية لا تشترط للصريح لعدم احتمال غيره (4).
وإن أراد أن يقول: طاهرا ونحوه فسبق لسانه بطالق، أو أراد أن يقول: طلبتك فسبق لسانه بطلقتك دين ولم يقبل حكما، أو قال: طالقا وأراد من وثاق، أو من زوج كان قبله، أو من نكاح سبق هذا النكاح وادعى ذلك، أو قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمت فتركت الشرط، أو قال: أنت طالق إن قمت، ثم قال: وأردت وقعدت فتركته ولم أرد طلاقا دين فيما بينه وبين اللَّه؛ لأنه أعلم بنيته ولم يقبل منه ذلك حكما؛ لأنه خلاف الظاهر عرفا، فتبعد إرادته كما لو أقر بعشرة ثم قال: أردت
(1) الإجماع ص 101.
(2)
سبق تخريجه في ص 240.
(3)
في الأصل: الإيجاد.
(4)
في الأصل: أو غيره.
زيوفا (1).
ومن قيل له: أطلقت امرأتك؟ أو قيل له: امرأتك طالق؟ فقال: نعم. وأراد الكذب طلقت وإن لم ينو الطلاق؛ لأن نعم صريح في الجواب، والجواب الصريح بلفظ الصريح صريح، إذ لو قيل له: ألزيد عليك ألف؟ فقال: نعم، بيان إقرارا. ولو قيل له: أخليتها؟ ونحوه من الكنايات فقال: نعم فكناية إن نوى الطلاق وقع وإلا فلا، أو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا وأراد الكذب لم تطلق؛ لأنه كناية تفتقر إلى النية ولم توجد مع إرادة الكذب، وكذا إن نوى ليس لي امرأة تعفني وتخدمني ونحوه، وإني كمن لا امرأة له ولم ينو شيئا، فإن نوى الطلاق وقع.
وإن قيل لعالم بالنحو: ألم تطلق امرأتك؟ فقال: نعم لم تطلق؛ لأنه إثبات لنفي الطلاق، وتطلق امرأة غير النحوي لأنه لا يفرق بينهما في الجواب، وإن قال العالم بالنحو أو في غيره لقوله: ألم تطلق امرأتك؟ : بلى طلقت لأنه نفي، ونفي النفي إثبات فكأنه قال: طلقتها.
ومن قامت عليه بينة فأقر بوقوع طلاق ثلاث لتقدم يمين منه توهم وقوع الطلاق عليه فيها ونحوه ثم استفتى فأفتي أنه لا شيء عليه لم يؤاخذ بإقراره لمعرفة مستنده في إقراره بوقوع الطلاق ويقبل قوله، قال الشيخ تقي الدين:"بيمينه أن مستنده في إقراره بذلك إن كان ممن يجهله مثله"(2).
(1) الزيف: من وصف الدراهم، يقال: زافت عليه دراهم أي صارت مردودة عليه لغش فيها، ويقال: درهم زيف وزائف: إذا كان رديئا. ينظر: لسان العرب 9/ 142، والمطلع ص 415.
(2)
ينظر: الاختيارات ص 440.
وإن أخرج زوجته من دارها أو لطمها أو أطعمها أو ألبسها ونحوه وقال: هذا طلاقك طلقت وكان صريحا نصا (1) فلو فسره بمحتمل كإن نوى أن هذا سبب طلاقك في زمن بعد هذا الوقت قبل حكما لعدم ما يمنع منه لاحتماله.
من كتب صريحا طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه؛ لأن الكتابة صريحة فيه، لأنها حروف يفهم منها المعنى، فإذا أتى بالطلاق وفهم منها وقع كاللفظ، ولقيام الكتابة مقام قول الكاتب، ولو قال كاتب الطلاق: لم أود إلا تجويد خصي، أو غم أهلي قبل؛ لأنه أعلم بنيته وقد نوى محتملا غير الطلاق أشبه ما لو نوى باللفظ غير الإيقاع، وإذا أراد غم أهله بتوهم الطلاق دون حقيقته لا يكون ناويا للطلاق.
ويقع الطلاق بإشارة مفهومة من أخرس لقيامها مقام نطقه، فلو لم يفهمها إلا بعض [الناس](2) فهي كناية بالنسبة إليه، وتأويله مع صريح إشارة مفهومة كتأويل غير أخرس مع نطق بصريح طلاق، وعلم مما تقدم أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ وكناية أو إشارة وكتابة لأخرس بما يبين طلاق كناطق وأولى، فأما القادر على الكلام فلا يصح طلاقه بإشارة ولو كانت مفهومة لقدرته على النطق.
وصريح الطلاق بلسان العجمي بهشتم (3) -بكسر الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة فوق-؛ لأنها في لسانهم موضوعة للطلاق يستعملونها فيه أشبه لفظ الطلاق بالعربية، ولو لم تكن صريحة في لسانهم لم يكن فيه صريح في
(1) المقنع والشرح الكبير والإنصاف 22/ 225، وكتاب الفروع 5/ 381، والمحرر 2/ 53، والمبدع 7/ 272، وكشاف القناع 5/ 248.
(2)
ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 130.
(3)
ومعناه: خليتك. ينظر: المطلع ص 335.
الطلاق، ولا يضر كونها بمعنى خليتك، فإن طلقتك كذلك إلا أنه لما كان موضوعا ومستعملا فيه كان صريحا، فمن قال (1) عارفا معناه وقع ما نواه من طلقة وأكثر فإن لم ينو شيئا فواحدة كصريحه بالعربية، فإن زاد بسيار وقع ثلاثا.
وإن أتى به وبصريح الطلاق من لا يعرف معناه لم يقع عليه شيء كأنه لم يرد بلفظه معناه لعدم علمه.
(و) يقع ممن أتى (بكنايته مع النية) وكنايته (2) نوعان: -
ظاهرة: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة لأن معنى الطلاق فيها أظهر.
وخفية: وهي الألفاظ الموضوعة لطلقة واحدة ما لم ينو أكثر.
فالظاهرة خمسة عشر: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج -بفتح الحاء والراء- أي الإثم، وحبلك على غاربك، وتزوجى من شئت، وحللت للأزواج، ولا سبيل لي عليك، أو لا سلطان لي عليك، وأعتقتك، وغطي شعرك، وتقنعى.
والخفية عشرون: اخرجى، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وخليتك، وأنت مخلاة، وأنت واحدة، ولست لي بامرأة، أو اعتدي، واستبرئي، واعتزلي، والحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، وما بقي شيء، وأغناك اللَّه، وإن اللَّه قد طلقك، واللَّه قد أراحك منى، وجرى القلم، ولفظ فراق وسراح وما تصرف منهما غير ما استثني من لفظ الصريح.
ولا يقع الطلاق بكناية ولو ظاهرة إلا مع النية لقصور رتبتها عن الصريح فوقف عملها
(1) أي: بهشتم.
(2)
في الأصل: كتابته، والصحيح ما أثبت.
على النية تقوية لها لتلحقه فيـ[العمل](1)، ولاحتمالها غير معنى الطلاق فلا تتعين له بدون نيته، وتكون مقارنة للفظ، فإن وجدت في ابتدائه وعزبت عنه في باقيه وقع الطلاق اكتفاء بها في أوله كسائر ما تعتبر له النية من صلاة وغيرها.
ولا يشترط لكناية نية طلاق حال خصومة أو غضب أو سؤال طلاقها اكتفاء بدلالة الحال، فلو لم يرده أو أراد غيره إذن دين فيما بينه وبين اللَّه ولم يقبل حكما لتأثير دلالة الحال في الحكم، كما يحمل الكلام الواحد على المدح تارة والذم أخرى بالقرائن، وكذا لو قال على خصومة: ليست أمي بزانية كان تعريضا بالقذف لمخاصمه، وفي غير خصومة يكون تنزيها لأمه عن الزنا، فتقوم دلالة الحال مقام القول فيه، فلا يقبل منه ما يخالفه لأنه خلاف الظاهر، ويقع بكناية ظاهرة ثلاث طلقات وإن نوى واحدة؛ لأنه قول علماء الصحابة منهم ابن عباس وأبو هريرة وعائشة (2)، وكان أحمد يكره الفتيا في الكناية الظاهرة مع ميله إلى أنها ثلاث (3)، ويقع بكناية خفية طلقة رجعية في مدخول بها؛ لأن مقتضاه الترك كصريح الطلاق دون البينونة، فإن نوى أكثر من واحدة وقع؛ لأنه لفظ لا ينافي العدد فوجب وقوع ما نواه به.
وقوله: كلي واشربي، واقعدي وقومي، وقربي، وبارك اللَّه عليك، وأنت مليحة
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت من شرح منتهى الإرادات 3/ 131.
(2)
لم أقف عليه مسندا عنهم رضي الله عنهم وروي هذا القول عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عمر. ينظر: الموطأ ص 350، ومصنف عبد الرزاق 6/ 356، 359، والسنن الكبرى للبيهقي 7/ 343 - 344.
(3)
مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص 171، وكتاب الفروع 5/ 390، والإنصاف 22/ 259، والإقناع 4/ 11.
أو قبيحة، ونحوه لغو لا يقع به طلاق وإن نواه؛ لأنه لا يحتمل الطلاق.
(وصريحه) -أي الطلاق- (لفظ طلاق) أي المصدر فيقع بقوله: أنت الطلاق ونحوه (وما تصرف منه) -أي الطلاق- كطالق ومطلقة وطلقتك، (غير أمر) كاطلقي (و) غير (مضارع) كتطلقين (و) غير (مطلقة -بكسر اللام-) اسم فاعل فلفظ الإطلاق وما تصرف منه نحو: أطلقتك ليس بصريح، فيقع الطلاق من مصرح ولو كان هازلا أو لاعبا كما تقدم.
(وإن قال) لزوجته: (أنت علي حرام أو كظهر أمي) أو أختي ونحوه، (أو ما أحل اللَّه علي حرام فهو ظهلر ولو نوى) به (طلاقا)؛ لأنه صريح في تحريمها، وقوله: علي حرام، أو يلزمه مني الحرام، والحرام لازم لي لغو مع نية أو قرينة ظهار كانت علي حرام، وإن قاله لمحرمة بحيض ونحوه ونوى أنها محرمة به فلغو، وإن قال: ما أحل اللَّه علي حرام أعني به الطلاق وقع ثلاثا نصا (1)، وأعني به طلاقا وقع واحدة نصا (2)، أما في الأولى فإن أل للاستغراق أو العهد، ولا معهود فيحمل على الاستغراق فيتناول الطلاق كله بخلاف الثانية فقد ذكره منكرا فيكون طلاقا واحدا، وكذا قوله: أنت علي حرام أو الحل علي حرام أعني به الطلاق أو أعني به طلاقا بخلاف أنت علي كظهر أمي أعنى به الطلاق فلا يصير طلاقا؛ لأنه لا تصلح
(1) مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ 1/ 334، ورواية أبي داود ص 170، والمغني 10/ 399، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف 22/ 271 - 272، وكتاب الفروع 5/ 390 - 391.
(2)
المغني 10/ 400، والمقنع والشرح الكبير والإنصاف 22/ 271 - 273، وكتاب الفروع 5/ 390 - 391، وكشاف القناع 5/ 253.
الكناية به عنه ذكره في "الشرح"(1) و"المبدع"(2).
وإن قال: فراشي علي حرام فإن فوى امرأته فظهار، وإن نوى فراشه فيمين نصا (3)، فمتى جلس أو نام على فراشه فعليه كفارة يمين لحنثه، فإن لم ينو شيئا فالظاهر أنه يمين.
(وإن قال) لزوجته: أنت علي (كالميتة أو الدم وقع ما نواه) من طلاق؛ لأنه يصلح كناية فيه، فإذا اقترنت به النية انصرف إليه، فإن نوى عددا وقع وإلا فواحدة، ومن ظهار كأنت علي حرام، ومن يمين بأن يريد ترك وطئها لا تحريمها ولا طلاقها فتجب فيها الكفارة بالحنث، (ومع عدم نية) شيء من الثلاثة (4) فـ (ظهار)؛ لأن معناه أنت علي حرام كالميتة والدم.
(وإن قال: حلفت بالطلاق) لا أفعل كذا أو لأفعلنه (وكذب) بأن لم يكن حلف بالطلاق (دين) فيما بينه وبين اللَّه (ولزمه) الطلاق (حكما) مؤاخذة له بإقراره، لأنه
(1) 22/ 272.
(2)
7/ 281.
المبدع في شرح المقنع، للقاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح، المولود سنة (815 - 884 ص)، لم يترض فيه لمذهب المخالفين إلا نادرا، ومال فيه إلى التحقيق، وضم كتاب الفروع سالكا مسلك المجتهدين في المذهب، فهو من أنفع شروح المقنع، وهو عمدة في المذهب، أجاد فيه رحمه الله. ينظر: السحب الوبلة 1/ 60 - 63، والمدخل لابن بدران ص 435، وهو كتاب مطبوع في عشرة أجزاء طباعة المكتب الإسلامي.
(3)
مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ 1/ 334، وكتاب الفروع 5/ 391، والمبدع 7/ 273، والإقناع 4/ 12.
(4)
أي: الطلاق والظهار واليمين.
يتعلق به حق آدمي معين فلم يقبل رجوعه عنه كإقراره له بمال ثم يقول: كذبت، وإن قالت امرأته: حلفت بالثلاث أو طلقتني ثلاثا فقال: بل واحدة، أو قالت: علقت طلاقي بقدوم زيد فقال: بل عمرو فقوله لأنه منكر لما تقوله، وهو أعلم بحال نفسه.