الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَابع (81) كَتابُ الرِّقَاقِ
35 - باب رَفْعِ الأَمَانَةِ
(باب: رفع الأمانة)
6496 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ".
الحديث الأول:
(أُسند الأمر) أي: فُوضت الوظائفُ إلى غير مستحقيها، وسبق الحديث أول (كتاب العلم).
* * *
6497 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ
رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا:"أَنَّ الأَمَانةَ نزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ"، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ:"يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثْلَ أثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فترَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ الإسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا".
الثاني:
(حديثين)؛ أي: في (باب الأمانة)، وإلا، فله أحاديث كثيرة، أولُ الحديثين في نزول الأمانة، وثانيهما في رفعها.
(جَذْر) بفتح الجيم، وقيل بكسرها وسكون المعجمة: الأصل؛ أي: كانت لهم بحسب الفطرة، وحصلت لهم بالكسب أيضًا بحسب الشريعة.
(الوَكْتِ) بفتح الواو وإسكان الكاف وبالمثناة: الأثر اليسير، وقيل: السواد اليسير، وقيل: اللون المُحْدَث المخالف للون الذي كان قبله.
(المَجل) بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها: هو التَّنَفُّطُ الذي يحصل في اليد من العمل بفأس ونحوه.
(فَنَفِطَ) بكسر الفاء، والضمير للرجل؛ ولكن ذَكَّره على إرادة العضو.
(منتبرًا) من الانتبار، وهو الارتفاع، ومنه: المنبر؛ لارتفاع الخطيب عليه.
(الأمانة)؛ أي: بمعناها المشهور، وهو خلاف الخيانة، وقيل: المراد: التكاليف الإلهية.
وحاصله: أن القلب يخلو عن الأمانة بأن تزول عنه شيئًا فشيئًا، فإذا زال آخر جزء منها، زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وإذا زال جزء آخر، صار كالمجل، وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد ثبوته في القلب وخروجه منه، واعتقاب الظلمة إياه بجمر دحرجته على رجلك، حتّى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التَّنَفُّظ.
(الإسلام) في بعضها: (بالإسلام).
(نصرانيًّا) هو مثال، وإلا فاليهودي كذلك، وفي "مسلم" التصريح بهما.
(أُبايع) قيل: المراد: البيع والشراء المعروفان؛ أي: كنت أعلم أن الأمانة في الناس، فكنت أقدم على معاملة من اتفق، غيرَ باحث عن حاله؛ وثوقًا بأمانته؛ فإنه إن كان مسلمًا، فدينُهُ يمنعه من الخيانة،
ويحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا، فساعيه -أي: الذي يسعى له إلى الوالي عليه- يقوم بالأمانة في ولايته، فينصفني، ويستخرج حقي منه، وكل من ولي شيئًا على قوم، فهو ساعيهم، مثل: ساعي الزكاة، وأما اليوم، فقد ذهبت الأمانة، فلستُ أثق بأحد أئْتَمنُهُ في بيع وشراء إلا فُلانًا، وفُلانًا -يعني: أفرادًا من الناس قلائل-. والقول بأن المراد بالمبايعة، أي: الخلافة وغيرها من التحالف في أمور الدِّين خطأ؛ لأن النصراني لا يعاقد عليها، ولا يبايع بها؛ فإن قيل: رفعُ الأمانة ظهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجهُ قولِ حذيفةَ: أنا أنتظره؟ قيل: المنتظر هو الرفع بحيث يقبض أثرها مثل المجل، ولا يصح الاستثناء بمثل إلا فُلانًا، وفُلانًا، وهذا الحديث من أعلام النبوة.
* * *
6498 -
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّمَا النَّاسُ كَالإبِلِ، الْمِائَةُ لَا تَكَادُ تَجدُ فِيهَا رَاحِلَةً".
الثاني:
(راحلة)، أي: النجيبةُ المختارةُ، الكاملةُ الأوصاف، الحسنةُ المنظر، وقيل: الراحلة: الجمل، والهاء للمبالغة، أي: الناسُ كثير، والمرضيُّ منهم قليل؛ كما أن المئة من الإبل لا تكاد تجد فيها راحلة،
ثم قيل: المراد بذلك: القرون التي في آخر الزمان، وإلا فقد شهد صلى الله عليه وسلم لقرن الصحابة والتابعين وأتباعهم بالفضل.
قال (ك): لا حاجة لذلك؛ لاحتمال أن يراد: أن المؤتمنين منهم قليل.
وقال (خ): يؤوّل الحديث بوجهين:
أحدهما: أن الناس في أحكام الدِّين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع؛ كالإبل (المئة) لا يكون فيها راحلة، وهي التي تُرْحَل لتُركب؛ أي: كلها حمولة تصلح للحمل، والعرب تقول للمئة منَ الإبل: إبل، تقول لفُلان إبلٌ؛ أي: مئة، وله إبلان؛ أي: مئتان، فيكون قوله:(المئة) في الحديث توكيدًا.
وقال ابن مالك: فيه النعت بالعدد، وقد حكى سيبويه عن بعض العرب: أخذوا من بني فُلان إبلًا مئة، وذكر الراغب: أن الإبل في عرفهم اسم لمئة، فمئة إبل: هي عشرة آلاف.
والثاني: أنّ أكثر الناس أهلُ نقص، وأهلُ الفضل قليل؛ بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة؛ قال تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187]، وقال الزُّهْرِي: إن الزهد في الدنيا قليل كقلة الراحلة في الإبل.
* * *