الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب التهجد (19)
1 - باب التَّهَجُّدِ بالليْلِ، وَقوِلِه عز وجل:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}
(باب التَّهجُّد)
هو التيقُّظ من النَّوم باللَّيل، أي: تَرْك الهُجود وهو النَّوم.
(اسْهَرْ)(1) بلفظ الأَمْر: تفسيرٌ للتهجُّد في الآية.
(نافلة)؛ أي: زيادةً على الفرائض الخمس، فهو من خصائصه.
قلتُ: صحَّح (ن) أنه نُسِخَ عنه التهجُّد كما نُسخ عن الأُمة، قال: ونقلَه الشَّيخ أبو حامِد عن النَّصِّ، وهو الأصحُّ، أو الصَّحيح، ففي "مسلم" عن عائشة ما يدلُّ عليه.
1120 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
(1) كذا وقعت هذه اللفظة هنا، وكذا هي في "الكواكب الدراري"(6/ 182).
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يتهَجَّدُ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ولكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحقُّ، وَوَعدكُ الحقُّ، وبقَاؤُكَ حَقٌّ، وقَوْلُكَ حَقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والنَّبيونَ حَقٌّ، ومُحَمَّد صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، والسَاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنبتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ -أَوْ لَا إِلَهَ غيْرُكَ-"، قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيم أَبو أُمَيَّةَ: "وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ".
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(قيم) معناه: قَيُّوم وقَيَّام واحدٌ، وهو القائم بتدبير الخَلْق، ومعطيه ما به قِوامه، أو القائم بنفسه المُقيم لغيره.
(نور)؛ أي: مُنوِّر، أي: خالق النُّور، والمُنَزَّه عن كل عَيبٍ؛ من قول العرب: امرأةٌ منوَّرةٌ، أي: مُبَرَّأةٌ من كلِّ ريبةٍ.
(أنت الحق)؛ أي: واجبُ الوُجود، مِن حَقَّ الشيءُ: ثبَتَ ووَجبَ، وهذا الوصْفُ لله بالحقيقة والخُصوصية، أو وجودُه بنفسه،
فلا يَسبقُه عدَمٌ، ولا يلحقُه عدَمٌ، وما عداه بخلاف ذلك، ولهذا كان أَصدق كلِمةٍ قالها الشَاعر كلمةُ لَبِيْد:
أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ
وأما إطلاق الحقِّ على ما بَعُدَ من اللِّقاء والسَّاعة والوَعْد، فلأنَّها كائنةٌ باختياره تعالى، فيجب أن يُصدِّق بها، فعبَّر فيها بالحقِّ تأكيدًا وتَفخيمًا.
(ووعدك)؛ أي: إخبارُك بخيرٍ أو شَرٍّ، ولكن أكثر ما يُستعمل في الخير، ويقال: في الشِّرِّ وعيدٌ، ومن القليل:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [البقرة: 268].
(ولقاؤك) هو البعث، أو رُؤية الله تعالى، وهو داخلٌ فيما قبلَه، فهو من عطفِ خاصٍّ على عامٍّ، كما عُطف عامٌّ على خاصٍّ في قوله: وقولُك، أو المراد بالوعد المصدر، ثم ذكَر بعده المَوعودَ به.
(وقولك حق)؛ أي: مدلولُه ثابتٌ، فصِدْق القَول مُطابقته للواقع، وحقيقةٌ بالنظَر للواقع المطابِق للقَول، فهما متلازِمان، وفي "مسلم":"وقولُكَ الحَقُّ" بالتَّعريف.
قال (ك): وتعريف الحقِّ في بعضها، وتَنكيره في البعض؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجنس مقارِب للنَّكِرة في المعنى، لكنْ في المعرَّف باللام إشارةٌ للماهيَّة بخلاف النَّكِرة، وقال الطِّيْبِي: عرَّفَ في حقِّ الله؛ لأن ما سِواه في مَعرِض الزَّوال، وفي وعده لاختصاصه بالإنجاز دون وَعْد غيره، والتَّنكير في البَواقي للتَّعظيم، وخصَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم،
وعمَّم في النَّبيين؛ للإشارة إلى مُغايرته بأنَّه فائقٌ عليهم بما خصَّه الله به، فإنَّ تغيير الوَصْف بمنزلة تغايُر الذات.
قلتُ: وكان شيخنا شيخ الإسلام البُلْقِيْني يقول: التعريف في حقِّه واضحٌ؛ لما سبق، وفي وعْده؛ لأن ما بعدَه كالمُتفرِّع عليه، فلهذا نكَّر فيها، وعلى رواية "مسلم"، فالقَول يكون مثْل الوَعْد.
(أسلمت)؛ أي: استَسلمتُ لأَمْرك ونهيك.
(توكلت)؛ أي: فوَّضْتُ الأَمْرَ إليك قاطِعًا نظَري عن الأسباب العادية.
(أنبت)؛ أي: رجعتُ إليك مُقبِلًا بالقَلْب عليك.
(خاصمت)؛ أي: رفعتُ إليك مَنْ يَجحَدُ الحق، وجعلتُك الحاكم بيني وبينهم لا غيرُك ممن كان يتحاكَمُ إليه الجاهلية من صنَمٍ، وكاهنٍ، ونارٍ، ونحوه.
وقدَّم صِلاتِ هذه الأفعال للتخصيص، وإفادةِ الحَصْر.
(فأغفر) هو تواضعٌ وإجلالٌ الله تعالى، وتعليمٌ للأُمة، وإلا فهو معصومٌ مما يُغفَر.
ولا يَخفى ما اشتمَل عليه من جَوامع الكَلِم؛ إذْ لفظ القَيم إشارةٌ إلى أنَّ وُجودَ الجواهر وقوامَها منه، والنُّور إلى أنَّ الأَعراض منه، والمَلِك إلى أنَّه حاكِمٌ فيها إيجادًا وإعدامًا يَفعل ما يَشاء، وكلُّه نِعَمٌ من الله، فلذلك قَرَن كُلًّا بالحمْد، وخصَّص الحمْد به، وقوله:(أنت الحق): إشارةٌ إلى المَبدأ، والقَول ونحوه إلى المَعاش، والسَّاعة