الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
31 - بابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ
(باب زِيَارة القُبور)
1283 -
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: "اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي" قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِيِ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ:"إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى".
(إليك عني) أي: تنَحَّ وأَبعِدْ، فهو من أسماء الأفعال.
(فقيل لها) القائل لها ذلك: الفَضْل بن العبَّاس كما في "الأوسط" للطبراني.
(إنما الصبر)؛ أي: الكامل ليَصحَّ الحَصْر، وسبق معنى الحديث قَريبًا.
وفيه إباحة الزِّيارة لعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم ذلك.
* * *
32 - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ" إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
"كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]، وَهُوَ كقَوْلِهِ {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} ذُنُوبًا {إلَى حِملِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءُ} ، وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا" وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ.
(باب قَول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "يُعذَّبُ ببُكاء أهله عليه")
هو ما وصلَه في الباب عن ابن عبَّاس، عن ابن (1) عُمر.
(من سنته)؛ أي: من طَريقته وعادته.
ووجه الاستدلال بالآية: أن أهل الشخص يقتدون به، فإذا تسبَّب في تبعيَّتهم له بفعْل شيءٍ فلم يقِهم النَّارَ، وبالحديث ما رعَى نفْسه حيث ناحَ، ولا رعتْه أهلُه؛ لأنهم يتعلَّمون منه، ويحتمل أنه أراد بالسُّنَّة وصيَّته لأهله بذلك.
(كلكم راع) وصلَه البخاري مرَّاتٍ سبَقتْ، وتأتي.
(كما قالت عائشة)؛ أي: مستدِلَّةً بالآية، ومعناها: لا تحمِل نفْسٌ حاملةٌ حِمْلَ أُخرى، أي: لا تُؤاخذ نفسٌ بغير ذنْبها.
(وما يرخص) إما عطفٌ على أول التَّرجمة، إما على: (كما
(1)"ابن" ليست في الأصل.
قالتْ)، أي: فهو كما يرخَّص في عدَم العذاب.
(وقال النبي صلى الله عليه وسلم) وصلَه البخاري عن ابن مسعود في (بَدْء الخلْق).
(كِفْلٌ)؛ أي: نَصيبٌ، فهو أيضًا دليلٌ أنه يُعذَّب إذا كان في حياته ينُوح؛ لأنه سنَّ النِّياحة في أهله.
فالحاصل مما أراده البخاري أنه لا يُعذَّب بالبكاء عليه إلا بما فيه نَوحٌ، ويكون قد سَنَّ ذلك بفعْله، أو أَومأَ به، فالتَّعذيب على فعْله ونيَّته، ويُجمع بينه وبين:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وقيل: معنى الحديث أن يُمدحَ الميت في البُكاء بما كان يمدحُ به الجاهليَّة من القتْل والغارات ونحوهما من الذُّنوب التي هو يعذَّب بها حينئذٍ، وقيل معناه: أنه يحزن ببكائهم، أي: يَسوءُه ما يكرهه ربُّه، وقد رُوي:"إنَّ أَعمالَكم تُعرَض على أَقربائكم مِنْ موتَاكُم، فإنْ رأَوا خيْرًا فَرِحُوا به، وإنْ رأَوا شَرًّا كَرِهُوه"، فالتَّعذيب له من الحيِّ لا أنه يعذِّبه الله، وقيل: معناه أنه يحزَن وينكَّد لبكائهم، فهو كتعذيبه كما في:"السَّفَر قِطْعةٌ من العَذاب"، وهو قريبٌ من الذي قبلَه، وقيل: الباء فيه للحَال، أي: يعذَّب عند بُكائهم، وعليه فهي واقعةُ عين.
* * *
1284 -
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ رضي الله عنه -
قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَائْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ:"إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّبِيُّ وَنفسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ- فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذَا؟ فَقَالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".
الحديث الأول:
(عَبْدَان) بفتح المهملة، وسُكون الموحَّدة، اسمه: عبد الله.
(ومحمد)؛ أي: ابن مُقاتِل.
(عبد الله)؛ أي: ابن المُبارَك.
(أبي عُثمان)؛ أي: عبد الرحمن بن مَلٍّ.
(بنت النبي صلى الله عليه وسلم) هي زينب.
(أن ابنًا لي) يحتمل أنه عليُّ بن العاص بن الرَّبيع؛ قاله الدِّمْيَاطِي، قيل: وفيه نظَرٌ، لأنَّ عليًّا كان معه صلى الله عليه وسلم بمكة يوم الفتح، وقد راهقَ، فلا يُقال فيه: صبيٌّ إلا أن يكون قارَبَ الموتَ وهو صغيرٌ، ثم عاشَ بعد ذلك، وقد رواه الدُّولابِي بسنَد البخاري بلفظ:(إنَّ بنتًا لها أو صبيًّا)، وفي روايةٍ للبخاري:(إن بِنتي احتُضِرَت)،
والبنت اسمها: أُمَيْمَة كما في "مُعجَم أبي سعيد بن الأَعرابي" ورواه أحمد أيضًا: (أُتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُمَيمَة ابنة زَينب ونفْسُها
…
) الحديثَ، ووقَع في (جُزء حديث صعدان بن نصر): أنه أُتي بأُمامة بنت زَينب، فإنْ أُريد بها أُمَيمة فواضحٌ، وإلا فأُمامة عاشتْ حتى تزوَّجها عليٌّ بعد وفاة فاطمة، أو يُقال: كانت وصلتْ إلى النَّزْع، ثم عاشتْ، كما سبق في عليٍّ.
قلتُ: وقد يُجمع بين ذلك باحتمال تعدُّد الواقعة في بنتٍ واحدةٍ أرسلتْ، أو بنتين؛ زينب في أُميمة، أو رُقيَّة في عبد الله بن عُثمان، أو فاطمة في ابنها مُحسِن بن علي، وإنْ كان فيه بُعدٌ.
(قُبِضَ) سبق رواية البخاري فيه في (الإيمان): (احتُضِرَ)، وهو واضحٌ، وسيأتي الحديث:(ونفْسه تقَعقَعُ)، فيُحمل:(قُبِضَ) على أنه قارَب أن يُقبض.
(وكل) بالرفع على الابتداء، والنَّصبِ عطفًا على اسم (إنَّ).
(ولتحتسب)؛ أي: تَجعل الولَد في حسابه لله راضيةً بحُكمه قائلةً: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(تقعقع) كذا وقَع هنا بتاءَين، لكنْ ذكره ابن الأَثِير في "النِّهاية" بتاءٍ واحدةٍ، وقال: معناه: يَضطَرِب ويتحرَّك كلَّما صار إلى حالةٍ لم يَلبث أن ينتقل إلى أُخرى؛ لقُربه من الموت، والقَعْقَعة: حكايةُ أصواتِ الجُلود اليابِسة، ورواه البخاري في (المرضَى) في (باب:
عيادة الصِّبيان): (تُقلْقل).
(الشن) القِرْبة اليابسة، وجمعها: شِنَان، وفي المثَل: مِثْلي لا يُقَعقع لي بالشِّنان.
(ما هذا)؛ أي: فيضُ الدَّمع، وذاك لما عُلِمَ من عادته صلى الله عليه وسلم من مُقاومة المُصيبة، وشدَّة الصبر.
(رحمة)؛ أي: أثَر رحمةٍ جعلَها الله في قُلوب عباده، لا أنه جزَعٌ وقلَّة صبْر.
(الرحماء) بالنَّصب على أن (ما) في (إنما) كافَّةٌ، وبالرفع على أنها موصولة، أي: إن الذين.
* * *
1285 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْناَ بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَقَالَ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، قَالَ: فَقَالَ: "هَلْ منكم رَجُلٌ لم يُقَارِفِ اللَّيلةَ؟ فقال أَبُو طَلْحَةَ: أنا، قالَ: فانْزِلْ، قالَ: فَنَزَلَ في قَبْرِها.
الحديث الثاني:
(بنتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الطَّبَراني: هي أُمُّ كُلثوم، وكذا صحَّحه ابن عبد البَرِّ، ووقَع في "تاريخ البخاري الأَوسط" عن حَمَّاد بن سلَمة،
عن ثابت، عن أنس: أنَّها رُقَيَّة، ثم قال: ما أَدري ما هذا؟، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهَدْ رُقيَّة، أي: لأنه كان غائبًا ببدْرٍ، صحَّح ابن بَشْكُوال أنها زينب، وهي رواية ابن أبي شيبة.
(لم يقارف) قال (خ): لم يُذنِب، وقيل: لم يُجامِع أهله، وأنكره الطَّحَاوِي، وقال: معناه لم يُقاوِل؛ لأنهم كانوا يَكرهون الحديث بعد العِشاء، وقال غيره: حِكْمة تَرْك المُجامَعة أن نُزول القبر لمعالجة النساء لا ينبغي لمن كان قَريب عهدٍ بمخالطة النساء، بل تكون نفسه كالنَّاسية لذلك مطمئنةً بتركه، وقيل: إذا قُلنا: إن ابنته أُمُّ كُلثوم أن عُثمان تلْك اللَّيلة باشَر جاريةً له، وعلِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فعرَّضَ به أن لا يَنزل في قبرها حيث لم يُعجبه أنه اشتغَل عنها وهي محتضَرةٌ بذلك.
(أبو طلحة) اسمه: زَيْد بن سَهْل.
فيه نُزول الأجنبي من المرأة قبرَها بإِذْن الوليِّ، وفيه التوسُّل بالصَّالحين في تولِّي شأن دفْن الميِّت، وجوازُ البُكاء حيث لا صياحَ ولا مُنكَر.
* * *
1286 -
حَدَّثَنا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ ابنُ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبي مُلَيْكَةَ قال: تُوفِّيَتِ ابنةٌ لِعُثْمَانَ رضي الله عنه بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، وَإِنِّي
لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا -أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا- ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ رضي الله عنهما لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تنهَى عَنِ الْبُكَاءَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ".
1287 -
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَدْ كَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رضي الله عنه مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءَ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ، فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: يَا صُهَيْبُ! أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟
1288 -
قَال ابْنُ عَبَّاس رضي الله عنهما: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رضي الله عنه ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، قَالَ ابْنُ أَبِيُ مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَر رضي الله عنه شَيْئًا.
الحديث الثالث:
(جالس بينهما) فيه جواز الجُلوسُ والاجتماعُ لانتظار الجَنازة، وجُلوسه بينهما وإنْ كانا أفضَلَ منه لعُذْرٍ، إما لكَون الموضع أرفَق بالجائي بعده، أو نحو ذلك.
قلتُ: أو كما صرَّح به بعدَه أنه جلَس إلى جنْب أحدهما، ثم جاء الآخَر.
(ثم حدث)؛ أي: ابن عبَّاس.
(بالبيداء) أصلُها: المَفَازة، والمراد هنا بين مكَّةَ والمَدينة.
(الركب) أصحاب الإبِل في السفَر، العشَرة فما فوقها.
(سَمُرَة) بفتح المهملة، وضمِّ الميم، أي: العظيمة من شجَر العَضَاه.
(صُهيب) بضمِّ المهملة: ابن سِنان.
(فالْحَقْ) أمْرٌ من اللُّحوق.
(أُصيب)؛ أي: جُرِحَ الجِراحةَ التي مات فيها.
(وآخَاهُ) الألِف فيه للنُّدبة لا العلامة في إعراب الأسماء الستَّة، والهاء بعده للسَّكْت لا ضميرٌ، نعم، الشَّرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيقدَّر أن الأُخوَّة والصَّاحبيَّة كانا معلومَين معروفَين.
(رحم الله عُمر) هو من حُسْن الأدب نحو: عفَا الله عنْك تمهيدًا لدفْع ما يُوحِش مما لا يَليق.
(ولكن) بتشديد النون، وتخفيفها.
(والله ما حدث) جزمَتْ بذلك وحلَفت عليه، إما لأنها سمِعَتْ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم اختصاصَ العذاب بالكافر، أو فهمَتْه بالقَرائن.
(حسبكم)؛ أي: كافِيْكم، لكن الآية عامةٌ للمؤمن والكافر على معنى زيادة عذابه، فكما أنَّ أصلَ العذاب لا يكون بفعل غيره، فزيادتُه كذلك، فوجْهُ استدلالها بالآية: أنَّ عادةَ الكُفَّار الوصيَّة بالنيَاحة، وكان ذلك مشهورًا عندهم.
(أضحك وأبكى) غرَضه بذلك في هذا المقام: أن الكُلَّ بإرادة الله، فيُعمل بظاهر الحديث، فإنَّ له أن يُعذِّبه بلا ذَنْبٍ، ويكون البُكاء عليه علامةً له، أو يعذِّبه بذنب غيره، لا سيَّما إذا تسبَّب في وقوع الغير فيه، وتخصيصُ آية الوِزارة بيوم القيامة، وقال الطِّيْبِي: غرَضه تَقدير قَول عائشة، أي: أن بُكاء الإنسان وضَحِكه من الله، فلا أثَر للعبد فيه، فعنْد ذلك أذعَن، وإنما كان أثَره في الكافِر دُون المؤمن، لأنه لا يَرضى بالمعصية لا من نفسه ولا من غيره، بخلاف الكافر.
(شيئًا)؛ أي: بعد ذلك.
قال (خ): إذا ثبتَت الرِّواية فلا تُدفَع بالظَّنِّ، وقد روى ذلك عُمر وابنه، ولا تدفع قصَّة اليهودية في حديث عائشة روايتهما، إذ لا مُنافاةَ بينهما، واحتِجاجها بالآية، فإنه يؤاخَذ بفعل نفْسه؛ لأنه كان يُوصُون بذلك.
وقال (ن): نَسَبَتْهما عائشةُ إلى النِّسيان والاشتباه، وأَوَّلت الحديثَ بأن معناه: يُعذَّب بذنْبه في حال بُكاء أهله لا بسبَبه، لحديث اليهوديَّة.
* * *
1289 -
حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِكٌ، عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ، عَنْ أبيه، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّها أَخْبَرتْه أَنَّها سَمِعَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا".
1290 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رضي الله عنه جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"؟
الرابع، والخامس:
(علمت) صريحٌ في أنه ليس خاصًّا بالكافر.
قال القَرَافي: الأَولى أنْ يُقال: سَماع صوت البُكاء هو نفْسُ العذاب، كما أنَّا معذَّبون ببُكاء الأطفال، فيبقى الحديث على ظاهره، فلا تخصيصَ وتكلُّف.