الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
86 - بابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} هُوَ الْهَوَانُ، وَالْهَوْنُ الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِـ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} .
(باب ما جاءَ في عَذاب القَبْر)
(الهون)؛ أي: بضمِّ الهاء.
(الهوان)؛ أي: الذِّلَّة، قال في "الكَشَّاف" في قوله تعالى:{الْيَوْمَ} [الأنعام:93]، يحتمل الإماتة لمَا فيه من شدَّة النَّزْع، ويحتمل الوقْت الممتدَّ الذي فيه عَذاب البَرزَخ والقيامة.
(مرتين)؛ أي: القتل في الدُّنيا، وعذاب القبْر بدليل:{ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101]، أي: النَّار.
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} [غافر: 46]، قضيَّة دخول العَاطِف تَقتضي المُغايرة، أو لكون عرْض النار قَبل القيامة هو عذَاب القبْر.
* * *
1369 -
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ
مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} نزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
الحديث الأول:
(مَرْثَد) بفتح الميم، والمثلثة.
(أُتي) بضمَّ الهمزة، أي: حالَ كونه مأْتيًّا إليه، أي: أَتاه مُنكَرٌ ونَكِيْر.
(بالقول الثابت) هو كلمة التَّوحيد؛ لأنها راسخةٌ في قلْب المؤمن، فلا يُزالون عنها لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، فإذا سُئلوا في القبْر لَم يتوقَّفوا في الجَواب، فإنْ قيل: فإذا كان كذلك فلا تعذيبَ للمُؤمن في القبر، فما معنى أنها نزَلتْ في عذاب القبْر؟، قيل: لعلَّه سمى ما يكون من أحوال القبْر عَذابًا بالمُلاقاة للملَكين والوَحْشة ونحو ذلك، أو ذُكر تَهويلًا؛ لأن في القبْر العذاب للكافر.
قلتُ: لا امتناعَ من تعذيب المؤمن في القبر لمَا يَليق به مما يُريده الله تعالى إلا أن يَعفوَ عنه.
* * *
1370 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ناَفِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ: "وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُكُمْ حَقًّا؟ "، فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: "مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ".
الحديث الثاني:
(القَلِيب)؛ أي: قَلِيب بدْرٍ، وأصله البِئْر.
(لا يجيبون)؛ أي: لا يَقدِرون على الجواب، ففيه أن في القبْر حياةٌ يصلُح فيها أنْ يُعذَّب.
* * *
1371 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوَتْى} ".
الثالث:
(إنما قال) مرادُها ما كانت تذهب إليه أنَّ أهل القبور يعلمون ما سمعوا قبل الموت، ولا يسمعون بعد الموت، وكأن حديث:(ما أَنتُم بأَسْمعَ منْهم) لم يَثبُت عندها، وقد ذكر البخاري في (غَزوة بدْر):(قال قَتادة: أَحياهُم اللهُ حتَّى أَسمعَهم قَولَه تَوبيخًا ونِقْمةً)؛ فإما
أنَّه صلى الله عليه وسلم قال في بدْرٍ المقالَتين، فحَفِظت عائشة إحداهما، وحَفِظ غيرُها الأُخرى، وكذا سماعهم بعد إحيائهم.
* * *
1372 -
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ:"نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
الرابع:
(فقال: نعم عذاب القبر) حذف الخبَر فيه، أي: حقٌّ، أو ثابتٌ، وهو ما صرَّح به غُنْدَر.
(إلا تعوذ)؛ أي: إلا صلاةً تعوَّذ فيها، وكأنه كان يُسِرُّ بذلك، فلمَّا رأَى استِغرابها حين سمعَتْه من اليهوديَّة أعلَن به ليَرسَخ ذلك في عَقائد أُمَّته، ويكُونوا على خِيْفة من فِتْنته، وقال الطَّحَاوِي: سمع اليهوديَّة، ثم أُوحي إليه بعد ذلك بفِتْنة القبر.
* * *
1373 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً.
زادَ غُنْدَرٌ عَذابُ القَبْرِ.
الخامس:
(ذكر)؛ أي: ذكَر الفِتنة بتفاصيلها، ومن ثم ضَجَّ المسلمون وصاحُوا وجَزِعوا.
(ضجة) تَنكيره للتَّعظيم.
(زاد غُنْدَر) وصلَه النسائي.
* * *
1374 -
حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أتاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذا الرَّجُلِ؟ -لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَتقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا"، قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: "وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ