الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
53 - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ، وَكَم الْغِنَى؟ وَقَوْل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"وَلَا يَجدُ غنًى يُغْنِيهِ"{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}
(باب قول الله عز وجل: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]؛ أي: لا يكون إلْحاحًا وإبْرامًا، ثم قيل: المعنى: يَسألون ولا يُلحِفون في المسألة، وقيل: لا يسألون أصلًا، كقوله:
لا ضَبَّ بها ينجحر
أي: لا ضَبَّ ولا انجحار، أي: لا يكون منهم سؤالٌ حتَّى يكون فيه إلحافٌ.
(غنى) بكسر الغين، والقَصْر: ضدُّ الفَقْر، وإن صحَّت الرواية بالفتح والمدِّ فإنَّه الكِفاية.
(للفقراء) عطفٌ على (لَا يَسألون)، وحرفُ العطف مقدَّرٌ، أو هو حالٌ، أي: قائلًا، نعَمْ، في بعضها:(لقَول اللهِ تعالى: للفقراء)، فيكون معناه: أنَّه شرط في السُّؤال عدَم وُجدان الغنى لوصف الله الفقراءَ بقوله: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 273] أي: فإنَّ من استطاع ذلك فله نوعُ غنًى.
* * *
1476 -
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَني مُحَمَّدُ ابْنُ زِيَاد قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي، أَوْ لا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا".
الحديث الأول:
(الأُكلة) بضمِّ الهمزة: المأكولة، أي: اللُّقمة، وبفتحها: المَرَّة مع الاستِيفاء، ولكنْ لا معنى له هنا كما قال (ش)، قال: ويشهد للأول رواية: (اللُّقمة واللُّقمتان).
(ويستحيي) بياءَين، وبياءٍ واحدةٍ.
(أو لا يسأل) لا زائدةٌ، وفي بعضها:(ولا يَسأَل)، فـ (لا) غيرُ زائدةٍ.
وفيه أن المَسكَنة إنما تكمُل مع العِفَّة عن السؤال، والصبرِ على الحاجة، واستحبابُ الحياء في كل الأَحوال.
قال (ط): يُريد: ليس المسكين الكاملُ الذي هو أحقُّ بالصَّدقة، وأحوجُ إليها؛ لأن (الأَكلة والأَكلتان) لا تُخرج عن أصْل المَسكَنة.
ثم قال أبو حنيفة، ومالك: إنَّ المسكين أسوأُ حالًا من الفقير، وقال الشَّافعي: الفقير أسوأُ حالًا.
* * *
1477 -
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ".
الحديث الثاني:
(أشوع) بالشين المعجَمة السَّاكنة، غير منصرفٍ.
(كره) قال (ن): الرِّضَا والكَراهة من الله أَمْره ونهيُه، أو ثوابه وعقابه، أو أراد الثواب والعقاب.
(قيل: وقال) إما فعلَان، وإما مَصْدران، ولكن كُتبا بغير ألفٍ على لغة رَبِيْعة.
قال صاحب "المُحْكَم": القَول في الخير، والقَال والقيل في الشرِّ خاصةً.
قال (ح): والمراد إما حكاية أقوال النَّاس كقال فلانٌ وقيل له، من باب ما لا يَعني، وإما نقل أمْر الدِّين بلا حُجَّةٍ ولا بيانِ مَن يُسمِّيه ولا يحتاط فيه.
(وإضاعة المال)؛ أي: الإسْراف كدَفْعه لغير رشيدٍ، أو احتمال الغُبن، أو سوء القِيام به في الرَّقيق ونحوه حتَّى يضيع، أو قسمة ما لا ينتفع به الشريك، ويحتمل أن المراد: أنْ يتخلَّى الرَّجل عن كلِّ ماله
وهو محتاجٌ غيرُ قويٍّ على الصَّبْر، ويحتمل أن إضاعة جنْسه عن حقِّه والبُخل به.
(وكثرة السؤال) قال (خ): أي: الإكثار من سُؤال النَّاس أموالَهم، أو سؤال المرء عما نُهي عنه من المُتشابه الذِي تُعبِّدنا بظاهره، أو السُّؤال عن أمور النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم[التي] لا حاجةَ لهم بها، ونحو ذلك كما في:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء: 85]، ولهذا قال تعالى:{لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101]، فهذا مذمومٌ، بخلاف السُّؤال عما يُحتاج إلى معرفته في الدِّين، نحو:{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 219] ونحوه.
وذكر (ن): رابعًا، وهو سُؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره؛ لأنه يتضمَّن حُصول الحَرَج في حقِّ المسؤول عنه، فإنَّه قد لا يُريد إخبارَه بحاله، فإنَّه إنْ أخبَره شَقَّ عليه، أو ترَك جوابَه فسُوء أدبٍ.
* * *
1478 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَخْبَرَني عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ:"أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا،
ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، أَوْ قَالَ:"مُسْلِمًا" قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، أَوْ قَالَ:"مُسْلِمًا -يَعْنِي فَقَالَ- إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ".
1478 / -م - وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكتِفِي، ثُمَّ قَالَ:"أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ! إنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: {فَكُبْكِبُوا} : قُلِبُوا، {مُكِبًّا}: اَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا.
الحديث الثالث:
(غُرير) بضمِّ المعجَمة.
(لَا أُراه) بضمِّ الهمزة، أي: أَظُنُّه، وسبق الحديث في (باب: إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة)، وأنَّ الرَّجل الذي لم يُعطِه: جُعَيْل بن سُراقة.
(وعن أَبيه) عطفٌ على مَقول يَعقُوب، أي: أن يَعقُوب رواه بالطَّريقين.
(سمعت أبي) هو محمَّد بن سَعْد بن أبي وَقَّاص، فيكون مُرسَلًا؛ لأنه لم يُسنِده إلى سعد، وجوابه: أنَّ قوله: (فهذا) إشار إلى حديث سعد السَّابق، فهو متصلٌ.
(في حديثه)؛ أي: في جملةِ حديثه.
(بجُمْعٍ) بالباء الجارَّة، وضمِّ الجيم، وسكون الميم: في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: ضَرَب بيده حالَ كونها مجموعةً، وفي بعضها:(فجمع) بالفاءِ، وفعلِ الماضي، وفي بعضها:(مَجمَع) بلفظ المَفْعَل، فيكون مضافًا إلى:(بين) اسمًا لا ظَرفًا كقوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] على قراءة الرَّفْع.
(وكتفي) فيه اللُّغات الثلاثة المشهورة.
(أقْبِل) يُروى بهمزة وصْلٍ تُكسر في الابتداء، وفتْح الموحَّدة، من القَبُول، أي: لا تعتَرض، ورُوي بقطع الهمزة مفتوحةً من الإِقْبال.
قال التَّيْمي: كأنه لمَّا قال ذلك تَولى ليذهب، فأمرَه بالإقبال ليتبيَّن له وجه الإعطاء والمنْع.
ورواه مسلم: (أإقبالًا) بهمزة استفهام، ونصب (إقبالًا) على المصدر، أي: أتُقاتل قتالًا، أي: أتُعارض فيما أقول مرَّةً بعد مرةٍ كأنَّك تُقاتل، قال (ش): ويصحُّ أن يكون مفعولًا لأجله.
ثم إنما أعطى الرَّجل ليتألَّفه ليستقرَّ الإيمانُ في قلبه، وعَلِم أنَّه إن لم يُعطه قال قولًا أو فعل فعلًا دخَل به النارَ، فأعطاه شفَقةً عليه، ومنَع
الآخَر عِلْمًا منه برُسوخ الإيمان في صَدْره، ووُثوقًا بصبره.
(أي سعد) منادى بـ (أَيْ) مبنيٌّ على الضمِّ؛ لأنه مفردٌ.
قال (ك): ومناسبة الحديث للتَّرجمة بما فيه من تَرْك السُّؤال، ولعلَّه مستفادٌ من تَرْك الرَّجل المَشْفوع له ذلك.
قال (ط): فيه الشَّفاعة من غير أن يَسأَلها المشفوع له، وأنه لا يُقطَع لأحدٍ بحقيقة الإيمان، وأنَّ الحِرْص على هداية غير المُهتدي آكَدُ من الإحسان إلى المهتدي، والأمر بالتعفُّف والاستغناء، وتَرْك السؤال.
(فكبكبوا
…
) إلى آخره، فَسَّر به المذكور في آية الشُّعراء، يُريد أن كبَّ متعدٍّ، وأكبَّ لازمٌ، وهو غريبٌ أن يكون القاصِر بالهمزة والمتعدِّي بحذْفها، ويجوز أن تكون همزةُ (كَبَّ) للضَّرورة.
(فكبوا) من الكَبِّ، وهو الإلْقاء على الوجْه، وفي بعضها:(قُلبوا) بالقاف، واللام، والموحَّدة.
(مكبًّا) إشارةٌ للمذكور في (سورة المُلك)، وعادة البُخَارِيّ إذا كان في القُرآن لفظٌ يُناسب لفظَ الحديث يذكُره استطرادًا.
(غير واقع)؛ أي: غير لازمٍ.
(وقع)؛ أي: كان متعديًا.
(أكبر)؛ أي: أسَنُّ، فإن عمُره مائةٌ وستون سنةً، والإشارة بهذا إلى أنَّه من رواية الأكابِر عن الأصاغِر.
* * *
1479 -
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لا يَجدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيُسْأَلُ النَّاسَ".
الحديث الرابع:
(ولا يفطن)؛ أي: لا يُعلم بحاله حتَّى يُتصدَّق عليه.
(فيتصدق) بالنَّصب، وكذا قوله:(فيسأل)، لأنها في جواب النَّفي.
قال (ش): ويجوز في (يسأل) الرَّفع.
* * *
1480 -
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ -أَحْسِبُهُ قَالَ- إِلَى الْجَبَلِ فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: صَالِحُ بْنُ كيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ.
الخامس:
(أحسبه)؛ أي: أظنُّه (قال: يغدو إلى الجبل)؛ أي: موضِع الحطَب.