الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الوقف
قوله: ((وأما الكلب فجزم المعظم بمنع وقفه، وإن جازت إجارته، وقد أجاز بعضهم وقفه، واختلفوا في أصله، فالشيخ أبو حامد كما حكاه في الإبانة عنه، والماوردي والقاضي الحسين بنوه على جواز إجارته.
ومنهم من بناه على جواز هبته.
ومنهم من بناه على أن الوقف لا يقتضي نقل الملك، وقد حكى في البحر طريقة قاطعة بهذا الوجه، ونسبها الفوراني إلى القفال واختارها في المرشد.
ومن خرج هذا الوجه على ما ذكرناه، يلزمه تجويز وقف الموصى له بالمنفعة، ولم يجوزه)). انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الإلزام الذي ذكره آخر كلامه عجيب، فإنه خارج باشتراطهم أن تكون عينًا.
الثاني: أن ما حكاه هنا عن الفوراني غلط فإن الذي نسبه الفوراني في كتاب الإبانة إلى القفال: إنما هو الجزم بالمنع، فقال: وقال القفال: لا يجوز، لأنه لا يقبل نقل الملك، هذا لفظه في الإبانة من غير زيادة عليه.
قوله- نقلًا عن الشيخ: ((فإن وقف على قاطع الطريق أو حربي أو مرتد، لم يجز، وإن وقف على ذمي جاز.
ثم قال: فإن قيل: يظهر أن المراد بالذمي غير معين، كما أن مراده بقاطع الطريق والمرتد والحربي ليس شخصًا معينًا، بل من يقطع أو يرتد أو يحارب، إذ لو كان معينًا، لكان كما لو وقف على زيد مثلًأ، وكان قاطع طريق، فإنه يصح جزمًا، وكذا لو وقف عليه وهو حربي أو مرتد في وجه.
قلت: ليس الأمر كذلك، بل المراد الواحد المعين، فإن هذه الصيغة ليس فيها عموم، وما ذكر من أن المراد بقاطع الطريق واحد غير معين فصحيح، لأنه مضاف إلى الطريق، ومثل ذلك يقتضي العموم، وما ذكر من أن المراد بالحربي والمرتد غير
معين ممنوع، لما ذكرناه)). انتهى كلامه.
وهو تخليط فاحش، فإنه الصيغة إذا لم يكن فيها عموم، لا يلزم أن يكون مدلولها واحدًا معينًا، فقد يكون واحدًا غير معين، كما لو قال: لله علي أن أعتق عبدًا، فإنه يكفيه أي عبد كان، ولا يستقيم أن يريد العموم البدلي، لأنه لا يراد به أيضًا فرد معين، وقد جعله مغايرًا له، وكذلك دعواه أن المراد بمن يقطع الطريق واحد غير معين، ثم استدل عليه بأن المضاف يقتضي العموم في غاية العجب، لاسيما والقائلون بأن الإضافة مقتضاها العموم، إنما هو عموم الشمول، وحينئذ فلا يصح أن يريد الشمولي ولا البدلي، وسبب هذا جميعه هو كلامه فيما لا علم له به، ولو سكت عن مثل ذلك، لكان خيرًا له، ويكفيه ما يبديه في الفن الفقهي من العجائب والغرائب.
قوله: ((وطريق تصحيح الوقف على نفسه كما قال ابن يونس، وصاحب رفع التمويه: أن يقف على أولاد أبيه الذين من صفتهم كيت وكيت، ويذكر صفات نفسه)) انتهى.
واعلم أن ما ادعاه من أن صاحب رفع التمويه صححه بهذا الطريق غلط، فإنه إنما نقل ذلك عن غيره نقل مضعف له بعد أن ذكر- أيضًا- ما يقتضي عدم الصحة، فإنه قال: فرع: ولا يجوز أن يقف على نفسه، بل طريق ذلك أن يهبها لغيره ويقبضها إياه ممن يثق به أو يبيعها عليه بثمن ما، ثم يسأله إبقاءها عليه وعلى من شاء بعده.
وقيل: إن أراد أن يقف على نفسه، فله إليه طريق، وهو أن يقف على أولاد ابنه ويصف نفسه فيقول: وقفت هذا على أولاد فلان على كل من كان صفته كذا وكذا، ويذكر صفة نفسه، فإنه يدخل في ذلك الوقف. هذا كلام رفع التمويه بحروفه.
والظاهر أنه أشار إلى ابن يونس، فإنه كثيرًا ما يتبعه فيما يقوله، ورأيت بخط بعض الفضلاء أن أبا علي الفارقي تلميذ الشيخ أبي إسحاق، ذكر هذه الطريقة، وكان ابن يونس اعتمد عليه فيها، وبالجملة فهي مردودة معنى، وهو ظاهر، ونقلًا فقد قال الغزالي في فتاويه: إذا وقف على أولاده، فإن انقرضوا، فعل عصبتهم، فمات بعضهم، وكان للواقف عصبة، لا يدخل بحكم العصوبة، لأنه يصير متعينًا لاستحقاق وقف نفسه، وبهذا خالف إذا وقف على المسلمين، لأنه على العموم فيدخل فيهم هذا كلام الغزالي. وهو يقتضي إبطال ما تقدم بطريق الأولى فتبين أن لا مستند للتصحيح بهذه الصورة.
قوله: والمتفقهة: هم المشتغلون بتحصيل الفقه: مبتدئهم ومنتهيهم.
والفقهاء هم الذين حصلوا من الفقه شيئًا وإن قل، كذا قاله الرافعي.
والذي حكاه القاضي الحسين: أنهم الذين يعرفون من كل علم شيئًا. انتهى ملخصًا.
وهذا النقل عن الرافعي من استحقاقه بما قل حتى يستحق بالمسألة الواحدة، هو كذلك فيه، وتابعه عليه أيضًا في الروضة، ولكن لا أعلم من ذكره قبله، فإن غالب الكتب المطولة، كالحاوي والبحر وتعليقه القاضي أبي الطيب وغيرها، ليس فيها تعرض للمسألة. والذين تعرضوا لها، جزموا بأن هذا القدر لا يكفي، فذكر القاضي الحسين في هذا الباب من إحدى تعليقتيه، ما ذكره المصنف، وقال في التعليقة الأخرى: يعطى من حصل من الفقه شيئًا يهتدى به إلى الباقي. قال: ويعرف بالعادة.
وقال في التهذيب في باب الوصية: يصرف لمن حصل من كل نوع، وكأن هذا هو مراد القاضي بقوله: من كل علم.
وقال الغزالي في ((الأحياء)): يدخل الفاضل في الفقه، ولا يدخل المبتدئ من شهر ونحوه، والمتوسط بينهما درجات يجتهد المفتي فيها، والورع لهذا المتوسط ترك الأخذ. انتهى. ونقله عنه النووي في كتاب ((البيع من شرح المهذب)) وأقره.
وقال في ((التتمة)) في الوصية أيضًا: إنه يرجع فيه إلى العادة، وعبر في كتاب ((الوقف)) بقوله: أي من حصل طرفًا، وإن لم يكن متبحرًا، فقد روي: أن من حفظ أربعين حديثًا عد فقيهًا. انتهى.
ولا شك أن هذا اللفظ- أعني: عدم التبحر- هو الموقع للرافعي في الغلط، ثم إن ما ذكره الرافعي هنا، قد خالفه في كتاب الوصية فتأمله، وقد أوضحته في ((المهمات)).
قوله: ووقعت في الفتاوى مسألة في زمن الأستاذ أبي إسحاق: وهي أن من قال: وقفت داري هذه على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ: بأن الوقف يقع بعد الموت وقوع العتق في المدبر.
ثم قال: وقد حكى الرافعي عن فتاوى القفال في المسألة التي أفتى فيها الأستاذ: أنه لو أوصى بالدار بعد ذلك، كان رجوعًا. انتهى كلامه.
وما حكاه من التمثيل بالإيصاء لم يذكره الرافعي، ولا يصح التمثيل به أيضًا، لأن مجرد الإيصاء لا يقتضي الرجوع، وإنما يقتضي على المشهور، وإنما حكى الرافعي عن القفال تمسك ذلك بالعرض على البيع، واعلم أن كلام النووي في الروضة هنا غير مستقيم، فتفطن لذلك، وقد أوضحته في المهمات، فراجعه إن شئت.
قوله: ولو وقف داره مسجدًا وشرط أن يصلي فيه طائفة بعينها دون غيره، فإذا انقرضوا، فعلى عامة المسلمين، فوجهان:
أحدهما: أن شرطه غير متبع، لأن جعل البقعة مسجدًا، كالتحرير، فكيف يختص بجماعة.
والثاني وبه جزم القاضي حسين.
وقال الرافعي: يشبه أن تكون الفتوى به أولى أن يتبع، رعاية لشرط الواقف، فعلى الأول قال في التتمة: يفسد الوقف، لفساد الشرط، وقياس ما ذكرناه عن الإمام: أنه لا يفسد. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر المسألة من أن قياس ما قاله الإمام عدم الإفساد- غريب، فإن الإمام قد صرح به فقال: ومهما فسد الشرط في جعل، فالمذهب الثبوت أن الشرط يلغى وينفذ المسجد، فإن هذه الجهة مشابهة للأعيان، والشرط الفاسد إذا لم يقع على جهة التعليق، لا ينافي نفوذ العتق. هذا لفظه.
ذكر ذلك في أواخر الباب قبيل فرع أوله: إذا علق الرجل عتق عبده.
واعلم أن الإمام قد ذكر طريقة لم يحكها المصنف ولا الرافعي، فإنه جزم بفساد الشرط في تخصيص المسجد لجماعة، وحكى الوجهين فيما إذا شرط ألا يقام فيه إلا شعار طائفة معينة، كالحنفية، أو الشافعية، قال: والمذهب- وهو القياس أيضًا- بطلان الشرط، والقائل بالصحة، قاله على سبيل المصلحة، إذ التنافس بين أرباب المذاهب غير خافٍ، والشرط مردود فصححناه. انتهى ملخصًا. وإلى هذا الكلام الأخير أشار الرافعي بقوله: ويشبه أن تكون الفتوى به أولى، وإن كانت طريقته في فرض الخلاف مخالفة لطريق غيره، كما قدمناه.
قوله: وإن وطئت الموقوفة بشبهة أو مكرهة، أخذ الموقوف عليه المهر، لأنه بدل منفعتها، وهكذا الحكم إذا زوجت، وحكى في الحلية في صورة الشبهة ثلاثة أوجه: أحدها هذا، ولم يبين ما عداه.
قال مجلي في الذخائر: ويحتمل أن يكون الثاني أنه يشترى به عبد، ويكون وقفًا.
والثالث: يكون للواقف، كما جعلنا التزويج إليه على قول.
قلت: ويظهر فيها شيء آخر، إن صح النقل وهو: أن منفعة البضع لا تدخل على وجه، لكونها غير معتادة، كما قلنا في الموصي بمنفعته، وحينئذ فيكون كوقف دابة لاستيفاء بعض منافعها، كالركوب مثلًا وسكت عن الثاني، وصححناه، فإن الباقي
يبقى للواقف على وجه، ورجحه الرافعي، ويستحقه أقرب الناس إلى الواقف على وجه آخر. انتهى ملخصًا.
وما ذكره هو وصاحب الذخائر عجيب، فإن كلام الشاشي في الحلية مشتمل على بيان الثلاثة، فإنه حكى في الولد ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يملكه الموقوف عليه.
والثاني: يكون وقفًا كأمه.
والثالث: يأخذه أقرب الناس إلى الواقف.
ثم قال عقبه من غير فاصل ما نصه: وحكى أيضًا من مهر الموقوفة إذا وطئت بشبهة، لمن يكون له المهر ثلاثة أوجه، هذه عبارته من غير زيادة عليه، وذلك إشارة إلى الأوجه السابقة المتصلة بالكلام، وذكر في المعتمد مثله أيضًا.
تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا منها: ابن جميل بجيم مفتوحة، وميم مكسورة بعدها. ومنها: الأعتد بعين مهملة، وتاء مضمومة مثناة من فوق، بعدها دال مهملة، يقال: فرس عتد- بفتح التاء وكسرها- أي: معد للجري، لقوته وتمام خلقته، والعتاد: بفتح العين هو العدة، قاله الجوهري: فيجوز أن يكون الأعتد جمعًا.
ومنها: العمارة والفصيلة، ذكرهما في الكلام على الأنساب والقبائل، فالعمارة بكسر العين المهملة، كالتي تقبض الحراب.
والفصيلة بفاء مفتوحة، وصاد مهملة مكسورة، بعدها ياء مثناة من تحت.