الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صلاة الجماعة
قوله: الجماعة سنة في الصلوات الخمس، لما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة)) أخرجه مسلم. وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) أخرجه البخاري ومسلم. ووجه الدلالة منهما على السنة: أن لفظ ((أفضل)) موضوعه فيما لأحدهما مزية فيما يشاركه فيه.
ثم قال: وقيل: إن الجماعة فرض على الكفاية. وقد نص الشافعي عليه في كتاب الإمامة، والقائلون به يحملون الأدلة السالفة على ما إذا كان ثم عذر من مرض ونحوه، أو على صلاة النافلة. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما توهمه من أن صيغة ((أفضل)) المقتضية للمشاركة هاهنا في الفضلية، لكونها ((أفعل)) تفضيل المستلزمة لعدم الوجوب، قد وقعت هنا في الحديثين- سهو، فإنها لم توجد في الحديث الأول، بل الموجود فيه لفظ ((تزيد)) وإن كان المعنى واحدًا، ثم إن هذا التقرير تكلف لا حاجة إليه، فإن الحديث قد صرح بالاشتراك والزيادة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من حمل التفضيل عمن حصل له عذر من مرض أو نحوه، قد ذكر بعد ذلك في آخر الكلام على الأعذار ما يخالفه، وأن المعذور المنفرد لا ينقص أجره، فقال: واعلم أن هذه الأعذار كما تنفي الحرج عن التارك تحصل له فضيلة الجماعة وإن صلى منفردًا، إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، للأخبار الواردة في ذلك، قاله الروياني في ((تلخيصه))، ويشهد له ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من توضأ، فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا- أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا)) ز أخرجه النسائي هذا كلامه.
وما نقله ثانيًا من حصول الثواب نقله- أيضًا- في ((البحر)) عن القفال، وارتضاه
وجزم به- أيضًا- الغزالي في ((الخلاصة))، وهو الصواب، ففي صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا))، وخالف في ((شرح المهذب)) فقال: وهذه الأعذار مرخصة للترك، وأما فضيلة الجماعة فلا تحصل له بلا شك وإن تركها لعذر. هذا كلامه، وهو مردود بما سبق نقلًا واستدلالًا، وقد ذكر الرافعي في ((باب صفة الصلاة)) في فصل القيام: أن من صلى قاعدًا لمرض تحصل له فضيلة القيام. وقال في ((شرح مسلم)): إنه لا لاف فيه، وهو يقوي الحصول في مسألتنا، إلا أن بينهما فرقًا ظاهرًا، وهو أنه قد أتى عن القيام ببدل، بخلاف الجماعة، لكن الرافعي علله بقوله: لأنه معذور. وتبعه عليه في ((الروضة)).
قوله: واختار أبو ثور وابن المنذر وابن خزيمة أن الجماعة فرض عين، والمعروف خلافه، إذ لو كانت كذلك لكانت شرطًا فيها كالجمعة. انتهى.
وهذا الكلام صريح في أن ابن خزيمة لا يقول بالشرطية، وليس كذلك، فقد نقل الإمام عنه أنها شرط للصحة.
قوله- في التفريع على أن الجماعة فرض-: والمسافرون لا يتعرضون لهذا الفرض بلا شك كما قاله الإمام. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من القطع بعدم الوجوب وارتضاه، قد ارتضاه- أيضًا- النووي في ((التحقيق)) فقال: والجماعة في حق المسافرين سنة قطعًا، وهذا الذي قاله الإمام وتابعه عليه من تابعه غريب ومردود، فإن الشافعي- رضي الله عنه قد نص في ((الأم)) على وجوبها عليهم كما تجب على غيرهم، فإنه استدل على وجوب الجماعة من القرآن والحديث.
ثم قال بعد ذلك ما نصه: فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة ألا يحل ترك أن يصلي كل مكتوبة في جماعة، حتى لا يخلو جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن تصلي فيهم جماعة. هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن ((الأم)) نقلته.
قوله- أيضًا-: وفي الحديث: ((إلا عجوزًا في منقلبها))، قال: والمنقل: الخف، وقيل: المندل، وهو بكسر الميم كما قاله الهروي، وقال الجوهري: بالفتح. انتهى.
وهو بنون ساكنة بعدها قاف، قال الأزهري: يقال للخف: المندل والمنقل، بكسر الميم فيهما. وقال ابن مالك في ((المثلث)): المنقل- بالكسر والفتح- هو الخف مطلقًا، وبالضم: الخف المصطلح عليه. وذكر الجوهري ما حاصله: أن النقل- بلا
ميم، ولكن بنون تفتح وتكسر، وبقاف ساكنة، هو الخف الخلق والنعل الخلق، وكذلك ((المنقل)) بفتح الميم والقاف. وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن كلام المصنف مشتمل على تخليط وانعكاس، وأنكر النووي في ((التهذيب)) تفسير ((المنقل)) بالخف الخلق، قال: بل هو الخف مطلقًا عند اللغويين. قال: والتقييد بـ ((الخلق)) قاله الإمام وغيره من الفقهاء. والذي أنكره عجيب، لما سبق عن الجوهري وغيره.
قوله: ويعذر في ترك الجماعة بالمطر.
ثم قال: والوحل، لأنه أشد من المطر في الأذى، وحكى المراوزة وجهًا آخر: أنه بمجرده ليس بعذر ما لم ينضم إليه المط، وعليه ينطبق قول الغزالي في ((الوسيط)): والمطر مع الوحل عذر فيها. ومثل ذلك قاله القاضي الحسين في الجمعة، وعلى هذا: فالفرق بينه وبين المطر: أن الوحل له أمد ينتظر، ولا كذلك المطر. انتهى كلامه.
والذي حكاه عن الغزالي والقاضي وجه آخر خلاف الوجه الذي حكاه أولًا، وليس هو منطبقًا عليه كما توهمه المصنف، فإن مدلوله: أن المطر وحده ليس عذرًا، بل لابد من ضم الوحل إليه، وهو عكس ما حكاه عن المراوزة، وإذا لم يكف المطر وحده فالوحل بطريق الأولى، وحينئذ فلابد منهما معًا، وقد صرح بنقله عنه هكذا في باب الجمعة فقال: وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يشترط مع ذلك الوحل، وقد اشترطه القاضي الحسين وقال لو وجد أحدهما لم يجز الترك.
قوله- في الأعذار-: والريح الباردة في الليلة المظلمة، لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال:((أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال- عليه الصلاة والسلام: ألا صلوا في الرحال)). انتهى كلامه.
وتركيب هذا الحديث باللفظ الذي ذكره المصنف تركيب عجيب غير مفهم، أو تركيب مفهم ما ليس بصحيح، وبالجملة فالمصنف قد أخطأ في لفظ الحديث، ولفظه في ((الصحيحين)): عن ابن عمر: أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول: ((ألا صلوا في الرحال)).
قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن أحرم مع الإمام، أي: في غير الجمعة، ثم أخرج نفسه من الجماعة لعذر، وأتم منفردًا- جاز، وإن كان بغير عذر ففيه قولان أصحهما: أنه يجوز.
ثم قال في آخر المسالة ما نصه: والانتقال من الجماعة إلى الانفراد لا يجوز ولو
كان في الركعة الثانية. انتهى كلامه.
واعلم أن ما قاله من عدم تخريج الجمعة على القولين وجزم به، ليس الأمر فيه كما قاله، بل الحكم أنها مخرجة عليهما حتى يكون الصحيح فيها الجواز- أيضًا- كذا جزم به الرافعي في كتاب الجمعة، وتبعه عليه- أيضًا- النووي وقال في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه. ولا شك أن المصنف لم يقف على كلامهما، لكونه في باب آخر، فإنه لو وقف عليه لكان أقل المراتب أن يحكي ما جزم به وجهًا في المسألة إن لم يجزم به كما جزما، أو لم يصححه، ولم يقف- أيضًا- في المسألة على نقل، وإلا لكان يعزوه إلى قائله، فإن عادته أن يعزو ما هو أوضح منه.
قوله: ولو كان بعض المأمومين يؤثر التطويل دون بعض، قال الجيلي: راعى الأكثر، ويحتمل أن يقصر مطلقًا. قلت: وهو الذي يدل عليه الخبر، قال- عليه الصلاة والسلام:((إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)) أخرجه البخاري. انتهى.
وما ذكره من نقل الترك احتمالًا عن الجيلي فقط، وتقويته بالحديث- مؤذن بعدم اطلاعه في المسالة على نقل، وهو غريب، فقد صرح بالمسالة جماعات، منهم البغوي فقال: وإن رضي بعضهم دون بعض فليخفف، مراعاة لحق الضعيف، قال النووي في ((شرح المهذب)): فإن جهل حالهم، أو كان فيهم من يؤثر التطويل، وفيهم من لا يؤثره- لم يطول، اتفق عليه أصحابنا. هذا لفظه، ثم استدل بالحديث الذي استدل به المصنف، وكلام الرافعي وغيره كالصريح فيه، وفي ((فتاوي)) ابن الصلاح: أنهم لو آثروا التطويل إلا واحدًا أو اثنين، لمرض ونحوه- فإن كان ذلك مرة ونحوها خفف، وإن كثر حضوره طول مراعاة لحق الراضين، قال النووي في ((شرح المهذب)): وهذا التفصيل الذي قاله حسن متعين.
قوله: واحترز الشيخ بقوله: في الأذكار، عن التخفيف في القراءة، فإنه غير مستحب، بل المستحب فيها ما تقدم، وهو: في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، كما قال القاضي الحسين. انتهى كلامه.
واعلم أن اختيار الشيخ- رحمه الله: أنه لا فرق في التخفيف بين القراءة والأذكار، فقد صرح بذلك في ((المهذب)) فقال: في القراءة والأذكار. هذه عبارته، وحينئذ فيكون اقتصاره هنا على الذكر لأجل أنه صادق على القراءة، ولهذا قال الجيلي في ((شرحه)) لقول الشيخ ((في الأذكار)): كالقراءة. وقال الشيخ تاج الدين
الفركاح: إن قوله: في الأذكار، ناقص عن كلام ((المهذب)). قال: والصواب: التخفيف في الجميع. وما ذكره هؤلاء هو المعروف من نص إمام المذهب ونص أصحابه، ولهذا قال النووي في ((شرح المهذب)): قال الشافعي والأصحاب: يستحب للإمام أن يخفف القراءة والأذكار بحيث لا يقتصر على الأقل، ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد من طوال المفصل وأوساطه وأذكار الركوع. هذا كلامه، وهو الحق الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن السبب في قوله صلى الله عليه وسلم:((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)) هو التطويل في القراءة، فيكون مرادًا بالإجماع، وأنكر على معاذ- أيضًا- بسبب ذلك، وحكى الدرامي وجهين في المنفردة: هل الأفضل له التطويل أم لا؟
قوله: وإذا أحس الإمام بداخل وهو راكع استحب له أن ينتظره في أصح القولين، ويكره في الآخر.
ثم قال: جاء أبو بكر- رضي الله عنه مسرعًا والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأحرم في طرف المسجد، ثم انتقل إلى قرب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال له النبي صلى الله عليه وسلم:((زادك الله حرصًا! ولا تعد)). انتهى.
وهذا الذي جاء هو أبو بكرة- بتاء التأنيث في آخره- واسمه: نفيع- بنون مضمومة بعدها فاء- وهو ابن الحارث، وسياتي أيضًا الكلام عليه في الشهادات، والذي رأيته في كلام المصنف بإسقاط التاء، وكأنه توهم أنه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه.
قوله: في المسألة-: وألحق العراقيون الانتظار في التشهد الأخير بالانتظار في الركوع، لأجل إدراك فضيلة الجماعة، وعلى قياس طريقة الفوراني والغزالي التي سنذكرها، من أنه لا يدرك فضيلة الجماعة دون ركعة: أنه لا ينتظره فيه، وأعرض الرافعي عن ملاحظة هذا الأصل وقال: القياس: أن يكون الانتظار فيه كالانتظار في القيام. والأوجه ما ذكرناه. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الرافعي من عدم ملاحظة هذا الأصل غلط عجيب، فإن الرافعي إنما ألحقه بالقيام بعد التفريع على الأصل المذكور، فقال: وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام: أن يكون حكم الانتظار هاهنا حكمه في القيام ونحوه. هذه عبارته. نعم، قد يقال للرافعي: متى راعينا هذا الأصل فلا يجوز في التشهد وإن جوزنا في القيام، لأنه في القيام يحصل له فضيلة الجماعة، بخلاف التشهد، ولعل هذا المعنى هو الذي كان في نفس المصنف، ولكن
التبس عليه حالة التصنيف.
قوله: ولو صلى الشافعي خلف الحنفي فثلاثة أوجه:
أحدها: يصح مطلقًا، سواء قرأ الفاتحة أم لا، وهو الذي نص عليه الشافعي، وعلى هذا: فلو ترك فعلًا فوجهان، والفرق: فحش المخالفة في الأفعال.
والوجه الثاني: لا يصح مطلقًا، لأنه وإن أتى بها لا يعتقد وجوبها، وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الحسين.
والثالث: إن أتى بها صح، وإلا فلا. انتهى ملخصًا.
وما حكاه عن القاضي الحسين والشيخ أبي حامد من البطلان مطلقًا، غلطٌ، بل مذهبهما الثالث، فاعلمه.
قوله: الموسوس إذا كان يردد القراءة، فركع الإمام قبل أن يفرغ- يجب عليه أن يتمها، قاله القاضي، ويظهر أن يكون كالمختلف بغير عذر. انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد صرح به النووي في ((شرح المهذب)).