الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب صوم التطوع
قوله: ويستحب صيام أيام البيض، لما روى أو داود عن ابن ملحان القتبي عن أبيه قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة))، والصحيح أن أيام البيض هي هذه، للخبر.
ثم قال ما نصه: وقيل: إنها الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، قاله في ((الحاوي))، ويعزى إلى الصيمري. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بـ ((القتبي)) تحريف، وإنما هو ((القيسي))، نسبة لـ ((عبد القيس))، وملحان. بكسر الميم وبالحاء المهملة.
الثاني: أن ما عزاه إلى الصيمري صحيح، فإنه قد حكى في ((شرح الكفاية)) وجهين، وصحح ما نسبه إليه، وأما نقله ذلك عن ((الحاوي)) فإنه لم يحكه وجهًا بالكلية، فضلًا عما يوهمه كلامه من الجزم به، بل إنما حكى الخلاف بين الناس، فقال في باب صيام عرفة: اختلف الناس فيها- يعني أيام البيض- هل كانت فرضًا ثم نسخت؟ ثم قال: واختلفوا في زمانها، فقال بعضهم: الثاني عشر وما يليه، وقال آخرون: الثالث عشر وما يليه. هذا لفظه، وقال قبل ذلك في رابع فصل من كتاب الصيام: اختلف الناس في شهر رمضان: هل كان ابتداء فرض الصيام، أو ناسخًا لصوم تقدمه؟ على مذهبين.
ثم قال: ولهم في الأيام البيض مذهبان. ثم حكى ما تقدم، والموقع للمصنف في هذا هو النووي، فإنه حكاه عنه في ((زيادات الروضة)) وغيرها.
قوله: ولا يجوز صوم يوم الشك، أي: تطوعًا مطلقًا أو تحريا لرمضان كما قال البندنيجي، لما روى أبو داود عن صلة- وهو ابن زفر- قال: كنا عند عمار
…
إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يقتضي أن البندنيجي قال بتحريمه، سواء صامه تطوعًا أو
تحريا لرمضان، وليس كذلك، بل البندنيجي قائل بالكراهة لا بالتحريم، فإنه قال في ((تعليقه)) الذي ينقل عنه المصنف: ولا يجوز أن يصوم العيدين، وكذا أيام التشريق على الجديد.
ثم قال ما نصه: فأما يوم الشك فمكروه أن يقصده بالصوم. هذا لفظه، وقد صرح هو به في آخر المسألة على الصواب، فقال: وقد وافق الشيخ في عبارته- يعنى عدم الجواز- صاحب ((التتمة))، وعبارة ابن الصباغ والبندنيجي وصاحب ((البحر)) والفوراني والقاضي الحسين: أن صوم يوم الشك مكروه. هذا لفظه، وسبب الوهم: أن البندنيجي قد قال بأنه لا فرق بين صومه عن التطوع أو رمضان، فضم المصنف هذا التقسيم إلى عبارة الشيخ، فوقع في الخطأ.
الأمر الثاني: أن صلة: بصاد مهملة مكسورة ثم لام مفتوحة، وأما زفر: فبزاي معجمة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، وقد تحرف على المصنف فتفطن له.
واعلم أن المصنف بعد الكلام الأول بأسطر قلائل، في الكلام على انتصاف شعبان- قد قال ما نصه: وجزم به في ((المهذب))، والقائل بالأول
…
إلى آخر كلامه، ومراده بالأول: اختصاص عدم الجواز بيوم الشك، فاعلم ذلك، فإنه ملبس يتعين التنبيه عليه.
قوله: ولو صام يوم الشك عن فرض صح، وهل يكره؟ فيه وجهان، قيل: مختار أبي الطيب: الكراهة، وهو الذي جزم به في ((المهذب))، وقال في ((الحاوي)): إنه مذهب الشافعي، رضي الله عنه. والذي رأيته في ((تعليق)) أبي الطيب: أنه يسقط عنه الفرض، ولا ثواب له، ويكون بمنزلة الصلاة في الدار المغصوبة. واستبعد ابن الصباغ ما حكي عن أبي الطيب من الكراهة، وقال: لم أره لغيره من أصحابنا. وما قاله مخالف للقياس، لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعًا له سبب كان الفرض أولى، كالصلاة في الوقت المنهي عنه، ولأنه لو كان عليه يوم من رمضان فقد تعين عليه فعله فيه، لأن وقت القضاء قد ضاق، ولأجل ذلك قال في ((المرشد)): إن صامه عن قضاء رمضان ينبغي ألا يكره، لأنه متعين. انتهى كلامه.
وما ذكره من إنكار الكراهة في ((تعليق)) أبي الطيب غريب، فقد صرح به قبل هذا النقل الذي ذكره بقليل، فقال ما نصه: عندنا أن صوم يوم الشك مكروه، فإن صامه تطوعًا فلا ثواب له، وإن صامه عن فرض سقط الفرض ولا ثواب له أيضًا. هذا لفظه، وهو يقتضي أنه لا فرق في كراهة النفل بين ما له سبب وما لا سبب له.
واعلم أن الوجهين المذكورين في دفع الكراهة هما لابن الصباغ، وكلام المصنف يقتضي قوتهما، وهما باطلان:
أما الأول- وهو القياس على النفل- فذهول عن مدرك قطعي الصحة غامض الإدراك، وهو أن صيام الفرض فيه لا يبرئ الذمة بيقين، لاحتمال أن يكون من رمضان ورمضان لا يقبل غيره، وهذا المعنى لا يأتي في التطوع، فإن غاية ما يلزم منه على تقدير كونه من رمضان ألا يعتد بما أتى به، وهذا الكلام كله على تقدير تفرقة القاضي بين الفرض والنفل ذي السبب، وقد تقدم أن كلام القاضي في ((التعليق)) يقتضي أنه لا فرق، وابن الصباغ في نقله هنا عن القاضي قد صرح بأنه ينقل من ((تعليقه)).
وأما الوجه الثاني فدليل على عدم فهم المراد من كراهة الفرض في الأوقات المكروهة، وذلك أنه قد تقدم في الصلاة: أن الصبح يكره فعلها عند ظهور الشعاع، والعصر عند اصفرار الشمس، قالوا: وليس المراد من الكراهة: أنه مأمور بترك الصلاة، بل الفعل واجب عليه، ولكن المراد أنه يكره التأخير إلى ذلك، فإن أخر تضيق عليه، ولزمه الإتيان به، وقالوا- أيضًا- هناك بكراهة تأخير الفائتة ليصليها في وقت الكراهة، وما قالوه هناك فهو الذي بعينه يقال هنا، فالرد بما ذكروه هنا غلطة فاحشة.