الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب القسمة
قوله: وقد اعترض الإمام على الأصحاب في إطلاقهم القول بأن القسمة التي فيا رد بيع، وقال: الوجه الذي يراه بناء هذا على الإجبار على القسمة وقد قال الأصحاب: لا سبيل إلى الإجبار على بذلك العوض أصلًا، وهل يجري الإجبار على القدر الذي لا حاجة فيه إلى الرد بأن يجعل العبد الذي يساوي ستمائة سهم ويجعل ستمائة من العبد المساوي ألف سهم، ويبقى الشيوع في مقدار أربعمائة؟ فيه خلاف فإذا تحرر ذلك قلنا: القدر الذي يقابل العوض لا شك أنه سبع وما يجري فيه بيع، ومن سمى هذا القدر قسمة فهو متجوز أو غافل، وما لا يقابله العوض.
فإن قلنا: يجري الإجبار فيه، ففي ذلك القدر قولًا الإفراز والبيع مذهبًا واحدًا.
وإن قلنا: لا يجري الإجبار فيما وراء ذلك، ففي القسمة المفتقرة إلى التراضي طريقان سبقا، فليجريا هنا، وقد بطل إطلاق القول بالقطع بأن القسمة المشتملة على الرد بيع، وبان أن هذا التفصيل لابد منه ولم يذكره إلا بعد أن رأينا في كلام الأئمة ما يدل عليه، ولما رأى الغزالي ما قاله أي: الإمام اقتصر على إيراده في ((الوسيط)). قلت: وفيما قاله الإمام من التخريج نظر من حيث إن هذه القسمة اعتمدت التقويم والتعديل، فإن نجعل أربعة أخماس النفيس في مقابلة جملة الخسيس، وذلك تقويم وتعديل، وقد حكينا عنه من قبل فيما إذا احتاجت القسمة إلى تقويم وقلنا بالإجبار رواية طريقين:
إحداهما: القطع بأنها بيع، وهي التي صححها الغزالي.
والثانية: إجراء القولين، وإن قلنا بعدم الإجبار، فالمذهب أنها بيع، وقضية ذلك أن ينعكس ما أبداه من التخريج، ويقال: إن قلنا بعدم الإجبار، فالوجه القطع بأنها بيع بناء على المذهب، وإن قلنا بالإجبار، ففيها الطريقان. انتهى كلامه.
وما نقله عن ((الوسيط)) من موافقته للإمام غلط، بل قد ذكر المسألة على وفق ما أبداه المصنف بحثًا، وادعى أنه قياس كلام الإمام، فقال: وأما قسمة الرد فهي بيع في القدر الذي يقابله العوض، وفي الباقي وفي قسمة التعديل بيع أيضًا إن قلنا: لا يجبر
عليه، وإن قلنا: يجبر فطريقان، منهم من خرج على القولين، ومنهم من قطع بأنه بيع ولكن يجبر للحاجة. هذا لفظ ((الوسيم)) بحروفه.
قوله: وإن نصبوا حكمًا يقسم بينهم اعتبر التراضي بعد خروج القرعة على المنصوص، لأن هذه قسمة لابد في ابتدائها من التراضي، فكذلك في الانتهاء كقسمة الرد، وهذا ما قطع به المراوزة وبه أجاب الشيخ أبو حامد، كما قال الرافعي: وقال: إن إليه مال المعتبرون. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الشيخ أبي حامد غلط، فإن الرافعي إنما نقله عنه فيما إذا تقاسما بأنفسهما، فإنه ذكر أولًا ما نقله عن الرافعي في ما إذا نصبا قاسمًا.
ثم قال عقبه ما نصه: وبه أجاب الشيخ أبو حامد فيما لو اقتسما. هذه عبارته. فنظر المصنف إلى المسألة المعقودة أولًا، وذهل عن اللفظة الأخيرة فحصل الغلط.
قوله: على أن يكون لأحدهما قراح، وللآخر قراح آخر
…
إلى آخره.
القراح- بقاف مفتوحة وراء وحاء مهملتين- قال الجوهري: هي المزرعة التي ليس عليها بناء، وفيلا فيها شجر، والجمع: أقرحة.
قوله: ولو كان بينهما عبدان قيمة أحدهما مائة والآخر مائتين، وأراد أحدهما القسمة بأن يجعل الخسيس وربع النفيس بينهما، فقد حكى الفوراني وصاحب البحر فيه قولين، وحكى الرافعي فيها طريقة جازمة بالإجبار، انتهى كلامه.
وما عزاه هنا إلى حكاية الرافعي في هذه الطريقة غلط، بل الذي حكاه الرافعي إنما هو العكس، وهو القطع بعدم الإجبار وتبعه عليه في الروضة أيضًا.
قوله: وإن ادعى نكاح امرأة، فالمذهب أنه يذكر أنه تزوجاه بولي مرشد، وشاهدي عدل، ورضاها، إن كان رضاها شرطًا، وقيل: لا يجب ذكر هذه الأمور، بل يستحب، لأن مطلق اسم النكاح ينصرف إلى النكاح الشرعي.
ثم قال ما نصه: قال في الإشراف: وأصل هذا الخلاف أن العبد إذا أذن له في نكاح صحيح فنكح نكاحًا فاسدًا هل يجب المهر حيث يجب في النكاح الصحيح أم لا؟ وقضية هذا البناء أن يكون الصحيح الاكتفاء بالإطلاق، لأن الصحيح أنه يجب حيث يجب في النكاح الصحيح. انتهى كلامه.
وهو غلط من وجوه، أحدها: أن مهر زوجة العبد في النكاح الصحيح هل يجب في كسب العبد أو في ذمة السيد؟ على قولين: أصحهما الأول، وحينئذ فإذا أذن له سيده في النكاح، وأطلق، فنكح نكاحًا فاسدًا ووطئ فيه، فمنهم من قال: يجب المهر
حيث يجب في النكاح الصحيح فيجري فيه القولان، ومنهم من قال: يجب في ذمة العبد وهو الصحيح، ومنهم من قال: يتعلق برقبته، وأما إذا أذن له في نكاح صحيح فنكح نكاحًا فاسدًا فيأتي فيه القولان الأخيران، وهما التعلق بالذمة أو بالرقبة، وأما الوجوب حيث يجب في النكاح الصحيح حتى يجب في كسبه أو على السيد فلم يقولوا به، ولا يتأتى القول به مع تصريح السيد بالصحة لما فيه من المنافاة فتصوير المصنف المسألة بذلك، سهو، وحكايته عن الإشراف سهو أيضًا، فإنه لما ذكر هذا البناء والتخريج الذي أشار إليه المصنف، عبر بقوله: وإن نكح بإذن سيده نكاحًا فاسدًا فقد قيل: النكاح يتناول الفاسد والصحيح. هذا لفظه في الإشراف، الثاني: أن تصحيحه الوجوب حيث يجب في النكاح الصحيح- غلط أيضًا، فإن هذا قول قديم لم يصححوه، والجديد الصحيح عندهم وجوبه في ذمة العبد كما هو مقدر واضحًا في الصداق، وقد صرح المصنف هناك بذلك فيما إذا أذن له في النكاح وأطلق، ولم يذكر صورة التقييد بالنكاح الصحيح. وإذا كان القول المذكور ضعيفًا عند الإطلاق، فبطريق الأولى فيما إذا قيد الإذن بالنكاح الصحيح، الثالث: أن هذا التخريج الذي ذكره ليبين به كلام الإشراف سهو وصوابه العكس، وهو الاكتفاء بالإطلاق إذا قلنا: لا يجب حيث يجب في النكاح الصحيح، وعدم الاكتفاء بالإطلاق إذا قلنا: يجب، وهو واضح.
قوله: والثاني عن أبي الحسين الطبسي. اعلم أن النقل في هذه المسألة عن أبي الحسين المذكور ذكره الرافعي فتبعه المصنف، ولا شك أن في أصحابنا رجلين أوضحت حالهما في كتاب الطبقات، أحدهما: أبو الحسين الطيبي- بطاء مكسورة بعدها ياء ثم باء، موحدة نسبة إلى بلد يقال لها: الطيب- الثاني: أبو الحسن الطبسي- بطاء مهملة مفتوحة ثم تاء موحدة مفتوحة أيضًا، وفي آخره سين مهملة نسبة إلى بلد يقال لها: الطبسين على التثنية- فيحتمل أن يكون المذكور هنا هو الأول، ويحتمل أن يكون الثاني.
قوله: وإن أقر بعين لغيره فكذبه المقر له، بطل إقراره عند القفال والأكثرين، وقيل: يحفظه الحاكم.
ثم قال: وقد قاس القاضي أبو الطيب الوجه المعزى إلى اختيار القفال في كتاب الصلح على ما إذا قال لرجل: لك عندي ألف درهم، فقال: ما لي عندك شيء، فإنه لا يصح هذا الإقرار، ولا يلزمه شيء، فكذلك هنا، وهذا من القاضي تفريع على
الصحيح، وإلا فقد حكى الرافعي في كتاب الرهن أن الإنسان لو أقر بأنه جنى على المرهون فكذبه الراهن وصدقه المرتههن وأخذ منه الأرش ثم حصلت البراءة من الدين، ففيما يفعل مما أخذ من الأرش وجها، أصحهما: أنه يرد إلى المقر وبه جزم في الحاوي والاستقصاء، والثاني: يجعل في بيت المال. انتهى كلامه. فيه أمران:
أحدهما: أن ما زعمه من أن الوجه الذي حكاه الرافعي في مسألة الرهن يجري في الدين سهو، فإن الوجه المذكور محله على ما حكاه المصنف وغيره بعد قبض الدين من المقر وحصول البراءة من دين المرتهن، وفي تلك الحالة المقر به عين لا دين، لأن المقر يدعي أنه ليس مالكًا له لكونه أقبضه إقباضًا صحيحًا عما في ذمته بزعمه، فالمسألة عكس المسألة، ولو فرضنا أن محله أيضًا قبل القبض، لم يلزم جريانه في مسألتنا، لأنا هناك حكمنا أولًا بصحة الإقرار لتعلق حق المرتهن به، فاستصحبنا الصحة بعد ذلك بخلاف ما نحن فيه.
الأمر الثاني: أن استنباطه لهذا الوجه مما ذكره دليل على أنه لم يقف على التصريح به في مسألتنا وهو غريب، فإن الرافعي قد صرح به في الركن الثاني من كتاب الإقرار، وسيكون لنا عودة هناك إن شاء الله تعالى إلى ذكر لفظه.
قوله: فرع لو شهد شاهدان أنه اشترى من فلان ساعة كذا وشهد آخران أنه كان في تلك الحالة ساكتًا، فهل تقبل هذه الشهادة الثانية ونحكم بالتعارض أو لا تقبل؟ فيه خلاف، والذي ذهب إليه الأكثرون كما ذكره الإمام أنها مردودة لتعلقها بالنفي، ومبنى الشهادة على التعرض للإثبات، ومقابله يوجه بأن هذا نفي يمكن تقدير العلم فيه، وقد ادعى الرافعي في الفروع التي ذكرها في آخر كتاب الطلاق أنه ظاهر المذهب، لأنه قال: لو رأى ذهبًا وحلف بالطلاق أنه الذهب الذي أخذه من فلان، فشهد شاهدان أنه ليس ذلك الذهب وأنه حانث، فظاهر المذهب وقوع الطلاق وإن كانت هذه شهادة على النفي، لأنه نفي يحيط العلم به. انتهى كلامه.
وما نسبه إلى الرافعي من كونه قد قال إن ظاهر المذهب هو القبول سهو، بل الذي ادعاه إنما هو الروياني، وسبب الاشتباه أن الرافعي نقل عنه مسائل كثيرة وعطف بعضها على بعض، وكثرت تلك المسائل بحيث يظن الواقف أن ذلك من كلام الرافعي على العادة لبعد آخرها عن المنقول عنه.
واعلم أن الرافعي قد ذكر مسألة السكوت في كتاب ((القسامة))، وجزم بعدم القبول على وفق ما نقله الإمام عن الأكثرين.
قوله: ((وإن مات نصراني أي من عرف بالنصرانية وترك ابنًا مسلمًا وابنًا نصرانيًا، فأقام المسلم بينه بأنه مات مسلمًا وأقام النصراني بينة بأنه مات نصرانيًا. قال الماوردي: فلهما أربعة أحوال، أحدها: أن يطلقا الشهادتين، فيحكم بشهادة الإسلام، لأن معها زيادة علم، الثانية: أن يقيدا فنقول: بينة المسلم أن آخر كلامه عند الموت الإسلام ونقول: بينة النصراني أن آخر كلامه هو التنصر، فيتعارضان، الثالثة: أن تطلق بينة المسلم وتقيد بينة النصراني، فيحكم بالشهادتين بأن نحكم بارتداده بعد إسلامه، وميراثه في الرابعة العكس، فميراثه للمسلم.
ثم قال: وقد اختصر الفوراني في التعبير عما ذكرناه من الحكم في الحالتين الأخيرتين، فقال: إذا كانت إحداهما مطلقة والأخرى مقيدة فالعمل بالمقيدة أولى. انتهى كلامه.
وما ذكره عن الفوراني من كونه موافقًا لما ذكره غريب، فإن الحالة الثالثة لم يعمل فيها بالمقيدة، إذ لو عملنا بها لأعطينا ماله للنصراني، بل علمنا بكل منهما، وجزم الرافعي فيما إذا قيدت بينة النصراني وأطلقت بينة المسلم بالتعارض على خلاف ما نقله عن الماوردي، وأقره وسكت- أعني الرافعي- عن عكسه، ولا يصح التحاقه به لوضوح الفرق فاعلمه، فإن بعض الشراح قد غلط في ذلك.
قوله: ولو كان من عليه الحق منكرًا ولا بينة له، فله أن يأخذه لعجزه عن حقه، وقال القفال: ليس له الأخذ، بل يقتضر على التحليف، وعلى الأول لو كان صاحب الحق مرجوًا إقراره لو حضر عند القاضي وعرض عليه اليمين وجب إحضاره، ولم يجز له الأخذ إن قلنا: لو كان مفرًا مماطلًا لم يجز له الأخذ. قاله الرافعي. انتهى كلامه.
وهذا الذي عزاه إلى الرافعي واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه من كلام غيره كما هو اصطلاحه عند الاقتصار عليه قد صرح به القفال كما حكاه عنه في ((البحر)) وحينئذٍ، فكيف يجامع أيضًا هذا النقل لما نقله عنه المصنف في أول المسألة؟
قوله: فإن كان المأخوذ في الظفر من غير جنس حقه باعه بنفسه، وقيل: يواطئ من نقر له بحق عند الحاكم وأنه ممتنع، أي: وهذه السلعة له، فنتبع الحاكم عليه، وهذا الثاني هو قول أبي علي ابن أبي هريرة، والتصوير الذي ذكره الشيخ نقله عنه جماعة، وفي الحاوي عنه أن طريقه أن يدعي عليه أن له دينًا على غريم وقد ائتمن هذا على ما في يده أن يبيعه في ديني، وأصل إلزامه ببيع ذلك وبقضاء ديني من ثمنه، فيعترف
المدعى عليه بذلك. انتهى كلامه.
وفيه أمران، أحدهما: أن ما نقله عن ابن أبي هريرة من ذهابه إلى الوجه الثاني وهو بيع الحاكم عليه ليس كذلك، بل اختياره الأول، فإنه حكى وجهين وصححه وعبر بلفظ الأصح، ثم إنه لما ذكر الوجه الثاني صوره بالتصوير الأول فاعلمه. كذا رأيته في اختصار شرحه على المختصر الذي علقه عنه أبو علي الطبري صاحب الإفصاح، والمسألة فيه مذكورة قبل كتاب العتق، الأمر الثاني إن إطلاق تجويز الأخذ من غير الجنس محله إذا لم يجد أحد النقدين، فإن وجده بعين ولم يعدل إلى غيره. كذا نقله المصنف في المطلب عن التتمة، ولم ينقل خلافه وارتضاه، وهو واضح.
قوله: وفي التهذيب الموافقة على تصحيح الاستقلال إذا لم يكن للأخذ بينة، أما إذا كانت قال، فظاهر المذهب أنه لا يبيعه إلا بإذنه. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن التهذيب فيه إسقاط وتغيير، فإنه قال: إن كان الحاكم عالمًا بالحال لا يبيعه إلا بإذنه على ظاهر المذهب، وإن كان جاهلًا ولا بينة له باعه بغير إذنه، لأنه إذا أقر بين يدي الحاكم: أني أخذت مال فلان بحق لا يصدقه أي: الحاكم بغير حجة. هذه عبارته، وهكذا نقلها عنه الرافعي أيضًا وحاصلها أن استيدان الحاكم إنما ذكره مع علمه، وأما مع وجود البينة فلم يذكره فيها، بل سكت عنه عنه ولم يصرح بحكمه، فحذف المصنف مسألة علم القاضي، وجعل الاستيدان محله عند وجود البينة.
قوله: ولو غصب إنسان عينًا من إنسان، وظفر المغصوب منه بعين للغاصب، والامتناع قائم، قال الإمام: فله أن يأخذه ويبيعها وينتفع بقيمتها كما لو أبق العبد المغصوب.
ثم قال ما نصه: فإذن، البيع بنفسه ظاهر المذهب، وإذا رد الغاصب العين رد الظافر قيمة العين. انتهى كلامه بحروفه.
وتعبيره بقوله، ((ثم قال)) إلى قوله:((وإذا رد)) تعبير فاسد، وفساده واضح، والإمام عبر بقوله:((فإذن ظاهر المذهب أن الظافر لا يبيع بنفسه)) هذه عبارته، فأفسدها المصنف بالتقديم والتأخير والإسقاط.
قوله في القسامة: وإن كانت الدعوى في قتل عمد، ففي القود قولان، أصحهما: أنه لا يجب.
ثم قال: والثاني يجب لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل في القسامة رجلًا من بني النضر بن مالك. انتهى كلامه.
وتعبيره بالنضر تحريف وإنما هو نصر بصاد مهملة ساكنة كذا هو في أبي داود بضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي وهو نصر بن مالك بن حسل، وكأن المصنف بقي في ذهنه الواقع في نسب النبي صلى الله عليه وسلم وهو مالك بن النضر عكس المذكور هنا.
قوله: في الكلام على توزيع الخمسين يمينًا على الورثة، ولو خلف المقتول جدًا وأخًا لأب وأم وأخًا لأب، فالأخ للأب والأم يعادد الأخ للأب على الجد ولا يرث، فيحلف الجد عشرين يمينًا والأخ للأبوين ثلاثين. انتهى كلامه.
وهذا الكلام غلط، فإن الخمسين في المثال المذكور تنقسم إلى ثلاثة، ويجبر المنكسر فيخص كل واحد سبعة عشر يمينًا، ثم إن الشقيق يحلف أربعة وثلاثين يمينًا، لأن فائدة الأخ للأب ترجع إليه فيحلف دون الأخ للأب، لأنه لا يأخذ شيئًا، ويحلف الجد سبعة عشر، فيكون المجموع إحدى وخمسين يمينًا، وأما الجواب الذي ذكره فمحله فيما إذا كان ولد الأب أنثى لا ذكرًا فإن أصل المسألة من خمسة، ويجيء فيه العمل الذي ذكره المصنف.
قوله: ومن توجهت عليه اليمين لجماعة، حلف لكل واحد منهم، فإن اكتفوا منه بيمين واحدة لم يجز في الأصح.
ثم قال: وفي ((البحر)) في باب ما على القاضي في الخصوم أن بعض أصحابنا بخراسان حكى في مسألة الكتاب وجهًا أنه يجوز للحاكم أن يحلفه يمينًا واحدة من غير رضى الخصوم، وكان الروياني أشار بالبعض الذي لم يصرح به إلى الفوراني، فإن في الإبانة له ما يدل عليه، وهذا الوجه موافق لما في الرافعي في كتاب ((اللعان))، وهو أنه لو شهد له شاهد بحق على رجل وعلى آخر بحق جاز أن يحلف معه يمينًا واحدة يذكر فيها الحقيق، وقضية ما ذكره الشيخ وغيره أن يقال في هذه الصورة بالاحتياج إلى يمين. انتهى كلامه.
فيه أمران، أحدهما: أن ما ذكره تفقهًا وظنًا من تفسير البعض المجهول بالفوراني هو كذلك، وهذه عبارة الروياني حيث نقل عنه كما نبه عليه ابن الصلاح، ودل عليه الاستقراء الثاني: أن ما ذكره من أن مقتضى ما قالوه أنه لابد من يمينين ليس كذلك كما نبه عليه المصنف في الحاشية، لأن الشيخ فرض المسألة فيما إذا كانت الأيمان عليه، وفي الصورة الأيمان له. قال: وقد صرح القاضي بأن الأيمان إذا كانت له كما في هذه الصورة، وكما إذا ادعى على جمع فنكلوا أن له أن يحلف يمينًا واحدة. كذا ذكره في كتاب ((اللعان)) ولم يحك غيره.
تنبيه: وقع في الباب ألفاظ، منها: مطرف قاضي صنعاء من اليمن- هو بميم مضمومة وطاء مهملة مفتوحة وراء مشددة مكسورة، ومنها بهاء بالشيء إن استأنس به حتى سقطت حرمته هو بباء موحدة مفتوحة ثم هاء بفتح وبكسر بعدها همزة، قاله الجوهري، ومنها: كسر السبت على اليهود هو إخراجه يوم السبت، وقطع بعبده فيه بالسكون. جعلوا القاطع للشيء كالكاسر له.
قوله: وعد في العدة من الصغائر النظر بالعين إلى ما لا يجوز. انتهى.
وما نقله هنا عن صاحب العدة وارتضاه ولم يحك غيره تبعًا للرافعي قد صحح عكسه بعد هذا في باب تحمل الشهادة، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: فروع: الغناء بغير آلة مكروه عندنا، غير محرم على المشهور، عن أبي الفرج الزار رواية وجهين، أحدهما: إنه يحرم كثيره دون قليله، والثاني: أنه حرام على الإطلاق.
ثم قال: وفي الرافعي أن القاضي أبا الطيب قال بتحريم سماعه من الأجنبية قال الرافعي: وهذا هو الخلاف الذي سبق في أن صوتها هل هو عورة؟ انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من ثبوت الخلاف في تحريم الغناء قد ناقضه في أول الإجازة، وادعى أن لا خلاف في عدم تحريمه، وقد سبق ذكر لفظه هناك، فراجعه.
قوله: أما إذا ردت شهادته بسبب الكفر، كما إذا ارتد وهو مسموع القول في الشهادة، فلا يشترط في قبول شهادته بعد الإسلام استبراء حاله بإصلاح العمل بلا خلاف، نعم، قال الماوردي: إذا أسلم عند إرادة قتله فلابد من الاستبراء. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الخلاف في غير هذه الصورة ليس كذلك، فقد حكى سريج الروياني في تصنيفه في أدب القضاء المسمى بالروضة في ذلك ثلاثة أوجه، أحدها: يجب الاستبراء في الكافر مطلقًا، والثاني: لا، والثالث: إن كان مرتدًا وجب، وإلا فلا. ذكر ذلك قبيل باب العلم بالشهادة، وبذلك يتحصل مع ما قاله الماوردي أربعة أوجه.
قوله: والتقويم ملحق عند أبي إسحاق بما نحن فيه، فثبتت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين، وقال ابن أبي هريرة: لا مدخل للنساء فيه. قال الزبيلي: قال أبو الحسن: والأولى قول أبي إسحاق. انتهى كلامه.
واعلم أن أبا الحسن المذكور، هو الزبيلي فإنه كنيته، ووقع في كتاب الزبيلي التعبير بأبي الحسن، فقال: قال أبو الحسن، والأولى قول أبي إسحاق وهذه عبارته،
فكأنه قال: قلت: وهو كما وقع في التنبيه في باب ما يوجب الغسل، قال الشيخ: وعندي أنه يلزمه الغسل، فتوهم ابن الرفعة أنه نقل عن غيره، وهو خطأ فاجتنبه.
قوله: وإن شهد ثلاثة بالزنا، وجب على الشهود حد القذف في أحد القولين، لما روي أن المغيرة بن شعبة كان أميرًا على البصرة من قبل عمر وكان منكاحًا- أي كثير التزويج- فخلا بامرأة في دار كان ينزلها وينزل فيها معه أبو بكرة ونافع ونفيع وزياد ابن أبيه، وكان جميعهم من ثقيف، فهب ريح ففتحت الباب فرأوه على بطن امرأة فبلغت القصة عمر، فاجتمعوا عنده فبدأ أبو بكرة فشهد بالزنا، ثم شهد نافع، ثم شهد ابن معبد، ثم أقبل زياد ليشهد، فلم يصرح بشيء. انتهى كلامه ملخصًا.
وفيه تخليط وتخبيط، فغن ((نفيع)) المصغر هو أبو بكرة، وإنما كني بذلك لأنه أسلم حين كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرًا للطائف وتدلى إليه من حصنها ببكرة فلقب بذلك، ولهذا فإن المصنف لم يذكره آخرًا عند الكلام على أداء الشهادة، وكان نافع ونفيع أخوين شقيقين، وهما ولدا الحارث بن كلدة- بفتح الكاف واللام- وزياد أخوهما لأمهما واسمهما سمية- بسين مهملة مضمومة ثم ميم مفتوحة ثم ياء مشددة تصغير اسم- وكانت أمة للحارث بن كلدة، فأتت منه بنافع ونفيع، ثم أتت بزياد من غير أب معروف، فلذلك كان يقال له: ابن أبيه- بالباء الموحدة- وكان أبو سفيان يذكر أنا حملت منه في الجاهلية، فاستلحقه معاوية في خلافته ووقع في الكتاب أنه زياد بن أمية- بهمزة مضمومة وميم مفتوحة وياء مشددة- وهو أيضًا تحريف.
قوله: في المسألة الثانية قال العلماء: الصحابة عدول وهذه القصة تقتضي الطعن في المغيرة أو في من شهد عليه، فما العذر؟ انتهى.
وهذا الكلام عجيب، مؤذن بعدم فهم المراد من قول العلماء: إن الصحابة عدول، فيقول: معنى كونهم عدولًا أن مجرد الصحبة شاهدة للتعديل مغنية عن البحث عنهم والفحص، فإن ظهر من أحد منهم ما يقتضي التفسيق فليس بعدل كسارق رداء صفوان، ومن يثبت زناه كالغامدية وماعز، ولهذا عبر القرافي في كتبه الأصولية بعبارة حسنة، فقال: إنهم عدول إلا من تحققنا قيام المانع به، ثم مثل بمن ذكرناه، وليس المراد من كونهم عدولًا أنه يلزمهم اتصافهم بذلك ويستحيل خلافه، فإن هذا هو معنى العصمة المختصة بالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- على أن المصنف قد أجاب عما ذكره بجواب آخر.
قوله: وقد ألحق الغزالى وإمامه قول المقر على درهم بقوله: درهم صغير،
ووافقهما البغوي. انتهى.
وتعبيره أولًا بقوله: ((درهم)) تحريف، وصوابه: دريهم، بزيادة ياء التصغير.
قوله: بخلاف الأموال، حيث لا تقبل فيها شهادة امرأتين ويمين المدعي بلا خلاف. انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، فإن فيه خلافًا ذكره الرافعي في كتاب الشفعة وتبعه عليه في الروضة، فقال في أوائل الباب الثالث، فصل: إذا أخر الطلب ثم قال: أخرت لأني لم أصدق، فإن أخبره عدلان أو عدل وامرأتان بطل حقه، وفي النسوة وجهان بناء على أن المدعي هل يقضي له بيمينه مع امرأتين؟ إن قلنا: لا، فهو كالمرأة، وإلا فكالعدل الواحد. هذا لفظه، وقد عد الرافعي وغيره الشفعة من قسم المال حتى لا تقبل إلا ما يقبل فيه وهو واضح، فظهر بذلك بطلان دعوى عدم الخلاف.
قوله: ولا خلاف أنه يجوز أن يتعمد النظر إلى الوجه عند تحمله الشهادة لها أو عليها، وكذا عند الأداء وإن كانت في غاية الجمال، إلا أن يخاف الفتنة، فلا ينظر ويكف عن الشهادة إلا أن تكون متعينة عليه، فإنه ينظر بعد ضبط نفسه، كما قاله الماوردي والرافعي. انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي إنما ذكر ذلك بحثًا، فقال: فتشبه هذه عبارته. نعم ذكره الماوردي وكذلك الروياني في ((البحر)) وعبرا بما إذا خاف إثارة الشهوة.
قوله: نعم لو تعمد النظر للوجه من غير حاجة، فسق. انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من فسقه بذلك قد تقدم منه في كتاب الشهادات في الكلام على تعداد الصغائر- عكسه، وتقدم ذكر لفظه هناك، فراجعه.
قوله: وإن كان المشهود به نسبًا أو موتًا أو ملكًا مطلقًا جاز أن يتحمل بالاستفاضة.
ثم قال ما نصه: وقد ألحق الإمام بهذه الصور الثلاث صورة رائعة، وهي الشهادة بالاعتبار، فقال إنه يتحملها بالاستفاضة، لأنه لا مطلع عليه، ولو لم يكن في إثباته طريق لتخلد الحبس على المعسر. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام غلط، فإن الإمام إنما ألحقه بها في الاكتفاء بالظن، ثم صرح بأن الاستفاضة لا تكفي.
قوله: وتثبت الاستفاضة باثنين عند الشيخ أبي حامد، ولم يورد البندنيجي والقاضي أبو الطيب سواه، وقال الماوردي: الصحيح أن الاعتبار في ذلك بالعدد
المقطوع بصدق مخبره، وهو عدد التواتر، وعلى ذلك جرى النووي وحكى الإمام وغيره الوجهين، وفي ابن يونس أن مفهوم كلام ابن الصباغ أنه إذا كثرت الأخبار بحث يقع في قلبه صدقهم، وإن لم يبلغوا عدد التواتر- كفى. انتهى كلامه.
وما نقله عن النووي من اختياره لعدم التواتر المقيد للعلم غلط، فقد عبر النووي في أصل الروضة بقوله: الأصح أنه يشترط أن يسمعه من جميع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب. هذه عبارته، وعبر في ((تصحيح التنبيه)) أيضًا بقوله: يؤمن، ولم يعبر بالعلم، وكذلك في المنهاج، وسبب الغلط اشتباه الفرق بين المستفيض والمتواتر، وتوهم التسوية بينهما، وليس كذلك، فقد قال الأصوليون وغيرهم: إن المتواتر هو الخبر الذي بلغت رواته في الكثرة مبلغًا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، والمستفيض الذي لم ينته إلى ذلك، بل أفاد الأمن من التواطؤ على الكذب، والأمن معناه الوثوق، وذلك بالظن المؤكد، وما نقله المصنف عن الماوردي قد نقل عنه الرافعي خلافه، والصواب ما في الكتاب كما بينته في المهمات.
قوله: وقد أطلق القاضي حسين والرافعي في باب حد الزنى حكاية وجهين في استحباب كتمان شهادة الشهود في حدود الله تعالى، وأن أصحهما المنع كي لا يتعطل. انتهى كلامه.
واعلم أن القاضي الحسين قد ذكر وجهين في وجوب الشهادة، وزاد على ذلك فاختار الوجوب، وعبر بقوله: والذي أختاره أنه واجب، ثم فرق بينه وبين عدم وجوب الإقرار بأن التوبة واجبة عليه وطهره حاصل با. ذكر ذلك في كتاب المسمى:((أسرار الفقه))، قبيل كتاب السرقة.
قوله: وفي جواز الشهادة على الشهادة في حقوق الله تعالى قولان، أصحهما: المنع.
ثم قال ما نصه: وقال ابن الصباغ: إنهما جاريان في الشهادة بالإحصان. قلته تخريجًا. انتهى لفظه.
وهذا النقل عن ابن الصباغ غلط، بل القائل له إنما هو ابن القاص في التلخيص، وعادته في كتابه المذكور أن يعبر بهذه العبارة، وهي قلته تخريجًا. نعم نقل ابن الصباغ في ((الشامل)) هذا الكلام عنه، فنسي المصنف فعزاه إليه غلطًا.
قوله: فرع: أطلق الماوردي القول بأنه لا يجب على شاهد الأصل أن يشهد على شهادته إذا طولب بذلك، واختار لنفسه وجوبه إن كان مما ينتقل إلى الأعيان كالوقف
والإجارة والديون المؤقتين بأجل لا يعيش إليه غالبًا، وقال ابن عصرون: إن خاف ضياع الحق كوقوعه في مرض مخوف وإرادة الجهاد، وجب.
ثم قال: وقال الشاشي: عندي أنه لو بنى هذا على وجوب الإشهاد على الحاكم في ما حكم به وكتابه المحضر كان أشبه، قلت: وفيما ذكره نظر، لأن الإشهاد على القاضي واجب بلا خلاف. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف في الإشهاد ليس كذلك، بل فيه وجهان حكاهما الشاشي، المذكور قبل ذلك قبيل باب القسمة في كتاب ((الحلية))، فقال: فإن ثبت الحق عند الحاكم بالبينة فسأله المدعي أن يشهد على نفسه بما حكم به، فهل يلزمه؟ فيه وجهان هذه عبارته، ثم حكى بعد ذلك أيضًا الوجهين في وجوب إجابته إلى كتابة المحضر، وهو الكتابة بصورة الحال، وإلى التسجيل، وهو الكتابة بتنفيذ ما في المحضر.
قوله: قال الإمام: الاسترعاء: استفعال من الرعاية، وقال النووي: إنه مأخوذ من الرعية أو المراعاة، كأنه يقول للمتحمل: أقبل على رعاية شهادتي. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ((الرعية)) وقع كذلك للنووي في لغات التنبيه، والصواب الرعاية، لأن الرعاية والمراعاة مصدران لـ ((راعى))، فإن لم نلاحظ راعى، بل رعى، فمصدره الرعي لا المراعاة، ثم إن كلام ابن الرفعة يوهم أن مقالة النووي مغايرة لمقالة الإمام، وليس كذلك.
قوله: ويلتحق خوف الغريم وسائر ما يترك به الجمعة بالمرض في تجويز الشهادة على الشهادة كما أطلقه الإمام والغزالي. قال الرافعي: وليكن ذلك في الأعذار الخاصة دون ما يعم الأصل والفرع، كالمطر والوحل الشديد. انتهى كلامه.
وما استدركه الرافعي من إخراج العذر للأصل والفرع عن تجويز سماع شهادة الفرع ونقله عنه المصنف معتقدًا لصحته قد تابعه عليه أيضًا في الروضة، وهو تقييد باطل ووهم عجيب، فإن مشاركة غيره له لا تخرجه عن كونه عذرًا في حق الفرع، إلا إذا اشتركا في سبب يستحيل معه الحضور، لا فيما يمكن مع المشقة، فإن وجد المدعي من يتخلف ويؤدي الشهادة على الأصل في تلك الحالة سمعت، ووجوده كبير، خصوصًا عند الإعطاء ما يحصل به الرضى، وإن لم يجد ذلك كان المانع فقدان الفرع.
قوله: ولا تثبت شهادة كل واحد من شاهدي الأصل إلا بشاهدين، فإن شهد اثنان
على أحد الشاهدين ثم شهدا على الآخر، ففيه قولان:
أحدهما: يجوز كما لو شهدا على مقرين.
ثم قال: والثاني: لا يجوز، لأنهما قاما مقام أحد الشاهدين، فلو قاما مقام الآخر أشبه ما لو شهد الواحد على الحق مرتين، وهذا ما صححه المزني وصححه القاضي الحسين والسرخسي والنووي.
وقال البغوي: إنه الجديد. انتهى.
وما نقله عن النووي من تصحيح المنع غلط، فإن الذي صححه في الروضة والمنهاج وتصحيح التنبيه وغيرها. إنما هو الجواز.
قوله نقلًا عن الشيخ: ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان في أصح القولين، لأنهم حالوا بينه وبين ماله بغير حق، فأشبه من غصب عبدًا فأبق في يده.
ثم قال: ولا يلزمهم في الآخر، لأن العين إنما تضمن باليد أو الإتلاف وهما معدومان، وهذا ما ادعى الفوراني والإمام أنه الجديد، وصححه النووي. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن النووي قد ذكره أيضًا في باب الإقرار من المطلب وهو غلط، فإن الذي صححه في كتبه كلها إنما هو الغرم، كما صححه صاحب التنبيه.
قوله: وإذا ردع شهود الطلاق الرجعي في العدة ففيه وجهان.
أحدهما: ولم يخرج البغوي في التهذيب سواه وهو الظاهر عند القاضي الحسين يجب الغرم بمجرد الرجوع، ولكنه يرد إن راجع، والثاني: لا يجب إلا إذا انقضت العدة ولم يراجع. انتهى.
وما نقله عن التهذيب غلط، فإن هذا القسم ليس مذكورًا فيه بالكلية، وقد ذكرت لفظه في ((المهمات))، فإن الرافعي أيضًا قد غلط في النقل عنه ولكن بالعكس، فنقل عنه عدم الوجوب، ووقع في الروضة أيضًا غلط في اختصاره لكلام الرافعي، فاعلم ذلك كله وراجعه من المهمات، فإنه غريب.
قوله: ومن حجر عليه لفلس يجوز إقراره بالحد والقصاص.
ثم قال ما نصه: وفي المال قولان، أي: إذا أسند إلى ما قبل الحجر، أحدهما: يجوز، أي: ويضارب المقر له به مع الغرماء في الدين، ويسلم له العين، والثاني: لا يجوز في الحال. انتهى كلامه.
وهو صريح في أن المال المقر به عينًا كان أو دينًا إذا قلنا بصحة الإقرار به لابد من إسناده إلى ما قبل الحجر، فأما تقييد الدين بذلك فصحيح، وأما العين فذهول.
لأن المقتضي لتقييد الدين إنما هو تقصير الذي عامله بخلاف العين، فإنه قد يغصبها أو يستعيرها أو تودع عنده، ولهذا أطلق الرافعي في العين، وفصل في الدين.
قوله: فإن لم يصح، فيؤاخذ بذلك بعد فك الحجر، ثم قال: وقد حكيت في باب التفليس عن رواية الإمام والقاضي الحسين قولين فيما إذا أقر بعين ثم فضلت بعد فك الحجر، هل يسلم للمقر له أم لا؟ وقلت: إن القياس طرد ذلك في الدين أيضًا، وقد أشار إليه في الوسيط أيضًا هنا أخذًا من قول الإمام هنا: إن الأئمة حكوا قولين في صحة بيع المفلس عينًا من أمواله موقوفًا على التبيين في الجديد، فإن كنا نرى بوقف بيع المفلس فإقراره بقبوله للوقف، وإن رددنا إنشاء تصرفه ففي إقراره تردد حينئذ، وإلا ظهر في القياس ألا نرده بل نقفه، فإن الإقرار ليس إنشاء تصرف، وإنما هو إخبار، والمفلس من أهل الإخبار، فإن رددنا قوله في الحال لحقوق الغرماء، فإذا زالت فلا يبعد أن يؤاخذ المقر الآن بموجب إقراره، وهذا واضح، ورد إقراره عند تقدير زوال الغرماء مشكل في القياس جدًا. انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره من أن الغزالي في ((الوسيط)) قد أشار إلى طرد هذا الخلاف في الدين أخذًا من هذا البحث الذي نقله عن الإمام ليس كذلك، بل أخذه من تصريح الإمام بالخلاف، كذا ذكره في البسيط في هذا الباب، فقال: وإن أقر بدين معامله لم يثبت للمقر له مضاربة الغرماء أصلًا، ويؤاخذ به بعد انفكاك الحجر، وذكر الإمام في ذلك بعد انفكاك الحجر خلافًا، ورفعه، ولم يذكره في كتاب التفليس. هذا لفظه في البسيط بحروفه.
قوله: وإذا أقر بسرقة ثم رجع لم يؤثر رجوعه في المال ويؤثر في القطع، وقيل: لا. هذه طريقة القاضي، وقيل: يسقط القطع، وفي المال قولان، ثم قال: ولو أقر رجل بأنه استكره امرأة على الزنى، فالمهر والحد واجب عليه بإقراره، فلو رجع عنه لم يسقط المهر، وفي سقوط حد الزنى جوابان للقاضي، أحدهما: يحتمل أن يكون كحد السرقة، ويحتمل أن يقال: يسقط الحد قولًا واحدًا، لأن وجوب الحد ينفك عن المهر، ووجوب القطع لا ينفك عن مطالبته برد عين أو غرم، فارتباط القطع بالمال أشد من ارتباط الحد بالمهر. قال الإمام: ومن سلك الطريقة الأخرى في القطع، وقال: إذا سقط ففي سقوط الغرم خلاف، قد يلتزم مثل هذا هنا، فنقول بسقوط الحد، وفي سقوط المهر قولان. قلت: ويقوي هذا أن القاضي قال في باب حد الزنى: لو قال: زنيت بفلان أو بفلان، هل يحد لأجل الذي قذفه؟ فيه خلاف، وجه المنع أن
المقصود هو الإقرار بالزنى، وعلى مقابله إذا رجع عن الإقرار سقط حد الزنى، وهل يسقط حد القذف، فيه وجهان بناء على ما لو أقر بالسرقة ثم رجع يسقط القطع وفي الغرم خلاف، ووجه الشبه أن المقصود هنا الإقرار بالزنى دون القذف، وفي السرقة المقصود حق الآدمي بالإقرار، فمتى رجع عن المقصود، ففي التابع قولان. انتهى كلامه.
وأشار بقوله: ووجه الشبه أي: بين الصورة التي حاول الإمام جريان الخلاف فيها، وهي سقوط المهر عمن أقر بالاستكراه على الزنا، ثم رجع وبين الصورة التي قوى بها المصنف بحث الإمام، وهي سقوط حد القذف عمن قال: زنيت بفلان ثم رجع، إذا علمت ذلك فاعلم أن ما ذكره في تقرير الشبه فاسد، وذلك لأنه انتقل إلى السرقة، وليس الكلام فيها، ثم إنه مع انتقال إليها قررها على العكس مما هو فيه، ومما يلائمه كلامه، فإن حاصله سقوط المال في السرقة، وحكاية قولين في سقوط القطع، وهذا مع كونه لا يلائم كلامه لم يقل به أحد، وإن أراد المصنف عود الشبه إلى الكلمة التي قبله وهي قوله بناء على ما لو أقر بالسرقة، فتقريره فاسد أيضًا، لأنه على العكس كما قلناه وأوضحناه، وإن أراد أيضًا الشبه بين ما خرج الإمام منه وخرج إليه حيث قال: قال الإمام
…
إلى آخره، فكذلك أيضًا لا يستقيم، لما ذكرناه أيضًا من كونه على العكس بالنسبة إلى السرقة.
قوله: ومن أقر له حل بمال فكذبه المقر له ترك في يده، وقيل: يحفظه الحاكم، ثم قال: وظاهر كلام الشيخ وغيره يقتضي أن محل الخلاف ما إذا أقر بالعين، وهو ما صرح به القاضي الحسين والإمام الرافعي، أما إذا أقر بالدين فقد ذكرنا عن القاضي أبي الطيب في باب الدعاوى ما يقتضي الجزم بأنه لا ينزع، وهو ما حكاه القاضي الحسين واقتضاه كلام التهذيب، وقد ادعى ابن يونس أنه لا فرق في جريانه بين العين والدين، وقد لنا: ثم وجه استنبطناه من كلام الرافعي. انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من أن محل الخلاف في العين ليس بصحيح، فإن الرافعي لم يصرح بنفي الخلاف عن الدين، بل صرح بإثبات الخلاف فيه عقب ذكره لهذه المسألة، فقال في الركن الثاني من كتاب الإقرار بعد حكاية الخلاف في العين وتحلل مسائل أخرى ما نصه: ويعتبر في المقر شرط آخر أغفله في الكتاب، وهو أن يكون معينًا، فلو قال لإنسان أو لواحد من بني آدم، أو لواحد من أهل البلد: علي ألف، هل يصح إقراره؟ خرجه الشيخ أبو علي على وجهين، بناء على أنه إذا أقر لمعين بشيء
فكذبه المقر له هل يخرج من يده؟ إن قلنا: نعم، لأنه مال ضائع، فكذلك هاهنا، ويعتبر الإقرار، وإن قلنا: لا، لم يصح هذا الإقرار، وهو الصحيح. هذا كلامه.
وذكر أيضًا في الباب الثاني من أبواب الشفعة مثله، فقال: إذا ادعى أحد الشريكين على رجل أنه اشترى وأقام بينة قضى بها، ثم إن وافق المدعى عليه بعد ذلك، سلم إليه الثمن وإلا فهل يترك في يد المدعي أو يأخذه القاضي ويحفظه أو يجبر على قبوله أو الإبراء منه؟ فيه ثلاثة أوجه مذكورة في الإقرار وغيره. هذا لفظ الرافعي، والغريب أن المصنف قد حكاها أيضًا هناك، وقد وقع للمصنف في شرح الوسيط مثل ما وقع له هاهنا، وزاد على ذلك فقال: إنه لم ير الخلاف إلا لابن يونس مع كونه قد نقل عن الرافعي ما نقلناه عنه.
قوله: وإن قال: بلى أو نعم أو أجل لزمه، ثم قال: وكذا لو قال: لعمري، كما قاله في ((الحاوي)) و ((المهذب)): قال الرافعي: ولعل العرف يختلف فيه. انتهى كلامه.
واعلم أن ((إي)) معناها: نعم، ولا تستعمل في اللغة إلا مع القسم، قال تعالى:{قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} ، إذا علمت ذلك فالمذكور في الرافعي والمهذب هو كما قال المصنف، وهو لعمري وحدها، والتوقف فيه ظاهر، وأما الماوردي فوهم المصنف في ما نقله عنه، فإنه لم يذكر ذلك إلا مع لفظ ((أي))، فقال: فإن قال: بلى أو نعم أو أجل أو صدق أو إي لعمري، كان مقرًا لجميع ذلك. هذا لفظه وهو صحيح لا إشكال فيه، لا من جهة اللغة ولا من جهة العرف، وقد وهم في ((المطلب)) وهمًا هذا الوهم، فنسب إلى الثلاثة أنهم قالوا بذلك في ((أي لعمري)) أعني مع الإتيان بلفظ ((إي)) وهو صحيح بالنسبة إلى الماوردي دون المهذب والرافعي.
قوله: ولو قال: مالك علي أكثر من مائة، ففي لزوم المائة له وجهان في الرافعي، والراجح عدم اللزوم، وبه أجاب في العدة ويشبه أن يجري مثلها فيما لو قال: مالك علي إلا مائة، أخذًا مما حكيناه فيما إذا حلف لا يأكل إلا هذا، هل يحنث إذا لم يأكله أم لا؟ وفيه خلاف. انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا من جريان الوجهين في مسألة الإقرار غير مستقيم، بل الصواب ما قاله الأصحاب من الجزم بلزوم المائة، وذلك لأن المسألة التي حاول التخريج منها وهي ما إذا حلف لا يأكل إلا هذا، لا شك أن الحالف قد منع نفسه من أكل غير المشار إليه، وأخرج المشار إليه، ولنا قاعدة وهي أن الاستثناء من النفي إثبات، فبعضهم يقول: الثابت بعد الاستثناء نقيض الملفوظ به قبله، فعلى هذا إذا لم يأكل
المشار إليه يحنث، لأن الثابت فيه الأكل، لأنه نقيض ما قبله.
وبعضهم يقول: الثابت نقيض ما دل عليه لفظه وهو الامتناع، فعلى هذا إذا انتفى الامتناع في المشار إليه ثبت التخيير فيه، وهذا كله بخلاف ما إذا كان الحلف على ماضٍ أو حاضر، فإنه إذا قال مثلًا: والله ما أكلت إلا هذا فيحنث إذا لم يكن قد أكل جزمًا لانتفاء توجيه الوجه الآخر، وهو التخيير لعدم إمكانه، فلما لم يحتمل الاستثناء إلا وقوعه في الخارج، حنث إذا لم يكن كذلك، فكذلك مسألتنا لا تحتمل إلا الوقوع في الخارج، فلذلك جزم الأصحاب بها، ولم يخرجوها على هذه القاعدة، فافهم ذلك، فإنها قاعدة نافعة جدًا.
قوله: ولو قال: له علي ألف إن شاء الله، لم يلزمه شيء على الصحيح، ثم قال: ولا خلاف في أنه لو قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله- لا يقع شيء، لأن الطلاق قابل للتعليق على الجملة، بخلاف الإقرار. انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف غريب، فإن فيه خلافًا مشهورًا حتى حكاه الغزالي في ((الوسيط)) في كتاب الطلاق، وحكاه المصنف أيضًا هناك.
قوله: في كتاب الطلاق، وحكاه المصنف أيضًا هناك.
قوله: وإن قال: له علي شيء ثم فسره بحد القذف قبل وقيل: لا، والوجهان حكاهما أبو الطيب عن رواية أبي محمد البافي. انتهى.
والبافي- بباء موحدة وبالفاء- نسبة إلى باف إحدى قرى خوارزم، درس ببغداد بعد الدراكي، ومات بها سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وقد أوضحت حاله في ((الطبقات)).
قوله: فيما لو قال: له علي مال، ولا خلاف في أنه لا يقبل تفسيره بخمر ولا خنزير، لأنه ليس بمال. انتهى.
وما ذكره من نفي الخلاف في الخمر ليس كذلك فإن لنا وجهًا، أن الخمر المحترمة طاهرة يجوز بيعها، وحينئذ فيصح التفسير بها على هذا الوجه.
قوله: وإن قال: له علي ما بين الدرهم والعشرة- لزمه ثمانية، وفي المفتاح عن الشافعي أنه يلزمه تسعة، واختاره في ((المرشد))، وفي ((الإشراف)) أن المزني نقل في المنثور أنه يلزمه عشرة، وقد حكاه أبو خلف السلمي عن القفال، ثم قال ما نصه: ومثل هذه الأقوال قد حكاها الرافعي فيما لو قال: أعطوه ما بين الدرهم والعشرة، وأن الأستاذ أبا منصور حكى عن بعض الأصحاب أنه إن أراد الحساب فللموصي خمسة وخمسون، وإن لم يرد الحساب فله المتفق وهو ثمانية. قال الرافعي هناك: ولا يشك
في اطراد هذا في الإقرار. انتهى كلامه.
واعلم أن المسائل المتعلقة بما نحن فيه ثلاثة، أحدهما: من درهم إلى عشرة، وفيها ثلاثة أوجه مشهورة، وأصحها: وجوب تسعة، والمسألة الثانية: ما بين درهم إلى عشرة، وفيها أيضًا الثلاثة المذكورة، لكن الصحيح المشهور منها وجوب ثمانية، والمسألة الثالثة: ما بين درهم وعشرة، والمعروف في هذه الجزم بوجوب الثمانية، فقد قال الماوردي: إن هذا مما لم يختلف فيه أصحابنا، وقال الإمام: أطبق عليه الأصحاب، وقطع به القاضي أبو الطيب مع حكاية الخلاف في المسألة الثانية، وقطع به أيضًا الشيخ في التنبيه، ولم يقف الرافعي في المسألة على تصريح بنقل، فلذلك توقف في أنها هل تلتحق بما قبلها، أو يقطع فيها بالثمانية؟
وتوقفه مردود نقلًا ومعنى، ولذلك رد عليه النووي، وقال: القطع بالثمانية هو الصواب، إذا علمت ذلك، فاعلم أن جميع ما حكاه المصنف من الاختلاف في هذه المسألة التي تكلم فيها، وهي ما بين درهم وعشرة غلط، وإنما محله في المسألة الثانية، وهي التي ترد بـ ((إلى)) عوضًا عن الواو، والذين نقل عنهم ذلك إنما قد صوبوه فيها أيضًا، فقد راجعت الأصول المذكورة كالمفتاح لابن القاص، والإشراف للهروي وشرح المفتاح لأبي خلف السملي، ويعرف أيضًا بالطبري، فوجدت الأمر كما ذكرته لك، وحيث نقل الرافعي عن أبي خلف المذكور، فمن هذا الكتاب وهو شرح المفتاح ينقل، ولكن المصنف أخذه من الرافعي، والرافعي حكاه في ما قلناه، وكذلك أيضًا ما حكاه عن الرافعي في مسألة الوصية من جريان الأوجه الثلاثة، ومن حكاية الوجه الرابع الذي أجراه في الإقرار، جميعه أيضًا غلط، بل محله في المسألة التي ذكرناها، وقع له أيضًا هذا الغلط في ((المطلب)) مع زيادة غلط آخر.
واعلم أن ما نقله الرافعي في الوصية من لزوم خمسة وخمسين إنما يأتي إذا أدخلنا الطرفين، وإدخال الأول ضعيف، فالذي ينبغي إذا أراد الحساب أن يلزمه أربعة وخمسون.
قوله: وإن قال: له علي مائة وعشرة دراهم، كان الجميع دراهم، وقيل: يرجع في تفسير المائة إليه، ثم قال: وفي ((الحاوي)) وجه ثالث: أنه إذا كان ما بعد الألف عددًا بلفظ الجمع، كقوله: ألف وثلاثة أو اربعة دراهم، وهكذا إلى العشرة- لم يكن ذلك تفسيرًا للألف، وإن كان ما بعد عددًا منسوبًا للدرهم، كقوله أحد عشر درهمًا فما زاد كان تفسيرًا للألف، لأن التمييز أخص بالصفات والنعوت. انتهى كلامه.
والتعبير الذي ذكره المصنف عن القسم الثاني من هذا الوجه المنقول عن ((الحاوي)) لا نعلم المراد منه، وقد بينه الماوردي، فقال: وإن كان عددًا منصوب التمييز كقولنا: أحد عشر درهمًا، فما زاد كان تفسيرًا للألف، هذا لفظه، وهو حسن.
قوله: لو قال: علي عشرة أحط منها درهمًا أو أخرجه أوأندره، ففيه وجهان في ((الحاوي)): قال الجوهري: ندرت الشيء- بالنون والدال المهملة- أي: أخرجته، ويقول: أندر كذا من الحساب، أي: أخرجه وأسقطه، والنادر بمعنى: الشاذ. يرجع إلى هذا.
قوله: وفي العدة أنه لو قال له: علي ألف درهم إلا مائة درهم أو خمسين درهمًا، لزمه الألف في أحد الوجهين، لأن الاستثناء المتأخر مشكوك فيه، فلا ترفع المتقدم المتيقن، كقوله: إلا مائة درهم أو عشرة دنانير. انتهى كلامه.
والتعليل الذي ذكره غير مستقيم، لأن المشكوك فيه إنما هو خمسون فقط، واتفق الاستثناء على أن الصحة في خمسين، ثم إن العدة المذكورة هي عدة أبي الحسين الطبري، والمصنف لم يقف عليها، وإنما ينقل عنها بواسطة صاحب البيان، وقد راجعت العدة المذكورة فلم أر المسالة فيها بالكلية، مع أن النسخة التي عندي أصل صحيح قديم، حاله تقتضي أنه قد حرر على المصنف. نعم رأيت ما ذكره ابن الرفعة منقولًا عنه في كتاب الزوائد للعمراني، فقلده فيه المصنف، وفي ثبوته نظر، ويدل على عدم ثبوته أن العمراني لم يذكره في البيان.
قوله: وإن قال: له هؤلاء إلا عبدًا العشرة إلا واحدًا، فماتوا إلا واحدًا فذكر أنه المستثنى، قبل على المذهب، ثم قال: ولو قتلوا إلا واحدًا فذكر أنه المستثنى، قبل وجهًا واحدًا، وإن كان الحي أقل قيمة، لأن حق المقر له متعلق بقيمة المقتولين. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ((أقل قيمة)) سهو، وصوابه أكثر قيمة لأن المقر يزعم أن الحي له فلا يمنعه ذلك زيادة قيمته على قيمة المقتولين.
قوله: تنبيه: قول الشيخ زيف، هو بضم الزاي وتشديد الياء المفتوحة وجمعه زائف، يقال: درهم زائف ودرهم زيف بفتح الزاي وإسكان الياء. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ((وجمعه زائف)) غلط، فإنه على العكس، والصواب أن يقول: وهو جمع زائف، كذا ذكره النووي في لغاتهن ومنه يأخذ المصنف، ولم يتعرضا لتفسير الزائف، وقد فسره الزمخشري بناقص العيار، أي: كثير الغش ذكره في تفسير قوله
تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} ، وذكر غيره أيضًا نحوه.
قوله: ولو قال: حاتم فيه فص أو عليه فص، لم يلزمه الفص، كما قاله في ((المهذب))، لكن الصحيح في ((النهاية)) وتعليق القاضي الحسين: أن الصحيح اللزوم، ثم قال: بل قال الثعالبي في فقه اللغة: إنه لا يقال: خاتم إلا إذا كان فيه فص، وإلا فهو فتخة. انتهى.
والفتخة- بفاء مفتوحة ثم تاء بنقطتين من فوق مفتوحة أيضًا، ثم خاء معجمة- وجمعه: فتخ، وفتخات.
قوله: وإن قال: له عندي عبد عليه عمامة، فالأكثرون على أنه لا يلزمه العمامة، وقال ابن القاضي في ((التخليص)) يدخل، وأجاب في ((المفتاح)) بمثل جواب الجمهور، وقد حكي الإمام ذلك، وقال الرافعي: إنه وهم، بل جوابه في ((المفتاح)) كجوابه في ((التخليص)) انتهى.
وهذا الذي قاله الرافعي وهم، فإن في المفتاح خلاف ما في التلخيص، وقد ذكرت لفظه في المهمات، فاعلمه.
قوله: وإن كان لرجل فأقر بولد منها بحث يلحقه نسبه، فهل تصير الجارية أم ولد أم لا؟ فيه وجهان، ثم قال: لو تبين أنه وطئها زنا، قال الرافعي: فإن كان منفصلًا عن اللفظ فهو كما لو بين النسب، وإن كان متصلًا باللفظ فلا يثبت النسب، ولا أمية الولد. قاله في ((التهذيب))، ولك أن تقول: ينبغي أن يتخرج على قولي تبعيض الإقرار. قلت: لا وجه لذلك، لأن المسألة مصورة في ((التهذيب)) بما إذا كان التفسير منفصلًا، لأنه قال في صدر المسألة: إذا كان أمتان لكل واحدة ولد، فقال: أحد هذين الولدين ولدي، يؤمر بالتعيين، فإذا عين في أحدهما ثبت نسبه، وهل تصير أم ولد؟
فيه قولان، وإن أطلق فقولان أيضًا، وإن قال: استولدتها بالزنا لا يقبل هذا التفسير، وهو كالإطلاق، وإذا كان ذلك، فقوله:((هذا ولدي)) صدر منه منفصلًا في أول لفظه، وقضيته أن تكون أمه أم ولد على قول، وقوله بعد ذلك:((استولدتها بالزنا)) يدفع ذلك، ويدفع أيضًا كون الولد حرًا نسيبًا، فكان مثل قوله: له علي ألف، ثم يقول: من، فيلزمه قولًا واحدًا.
نعم، لو قال ابتداء:((أحدهما ولدي استولدت أمةً بالزنا))، اتجه التخريج كما قال. هذا آخر كلام ابن الرفعة، والذي قاله الرافعي هو الصواب، وأما ما قاله المصنف فغريب جدًا، فإن الذي نقله الرافعي عن التهذيب صحيح، وهو مذكور بعد الكلام
الذي نقله عنه المصنف من غير فاصل بينهما أصلًا، فقال بعد قوله: وهو كالإطلاق ما نصه: ولو وصل باللفظ فلا يثبت النسب، ولا أمومة الولد. هذا لفظه، فذهل المصنف عن هذه الزيادة ولم يتمم الكلام.
قال مؤلفه: فرغت من تسويدة عشية اليوم السادس عشر من شهر شعبان سنة ست وأربعين وسبعمائة. انتهى.
نجز الكتاب بحمد الله تعالى وببركة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته عام ست وسبعين وسبعمائة، بلغ من أوله إلى آخره مقابلة محررة على أصل صحيح معتمد محرر، شاهدت في حاشية آخر النسخة التي نقلت منها ما مثاله بخط المؤلف، بلغ مقابلة محررة بالمسودة على يد مؤلفه، فصح إن شاء الله تعالى.
انتهى آخر خط المؤلف رحمه الله، وذلك في مجالس كثيرة على يد كاتبه، آخرها يوم السبت ثالث عشر من شوال الحرام من شهور سنة ست وستين وسبعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.