الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب سجود السهو
قوله: وإن تكلم ناسيًا، أو سلم ناسيًا، أو قرأ في غير موضع القراءة- سجد للسهو.
ثم قال: الثاني: أنه لا فرق في القراءة بين أن تكون الفاتحة أو بعضها أو غير ذلك، وهو في الفاتحة متفق عليه إذا كان على وجه السهو، وفي غير الفاتحة وجهان في ((الحاوي)). انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق غريب، فإن المسألة فيها وجهان مشهوران في ((الرافعي)) وغيره من الكتب المشهورة، حتى جعل النووي الخلاف قويا فإنه عبر في ((الروضة)) و ((المنهاج)) بلفظ ((الأصح))، وقد أشار المصنف بعد هذا إلى ذكر هذا الخلاف.
قوله: ومن هنا تؤخذ قاعدة قررها الأصحاب في الباب: أن ما لا يبطل الصلاة ارتكابه من المنهيات على وجه العمد لا يتقضي السجود سهوه. ولم يستثن من ذلك إلا قراءة الفاتحة أو غيرها في غير المحل. انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه لا يستثنى إلا هذه المسألة غريب، فإنه يستثنى من ذلك مسائل أخرى ذكرها الأصحاب مفرق:
إحداها: القنوت قبل الركوع، فإن عمده لا يبطل الصلاة، مع أن سهوه يقتضي السجود على الأصح المنصوص، كما ذكره النووي في باب صفة الصلاة من ((زوائد الروضة)).
الثانية: إذا طول ركنًا قصيرًا ساهيا، وقلنا: لو تعمده لم يضر- فإنه يسجد على الصحيح، كما ذكره من ((زياداته)) - أيضًا- في هذا الباب.
الثالثة: إذا ترك التشهد الأول ناسيًا، وتذكره بعدما صار أقرب إلى القيام- فله أن يعود إليه، ثم إذا عاد سجد على ما صححه الرافعي في ((الشرح الصغير))، وتبعه النووي في ((المنهاج))، مع أنه لو تعمده لم تبطل صلاته، لأنه يجوز له أن يترك التشهد وينتصب.
الرابعة- استثناها ابن أبي الصيف في ((النكت)) - وهو القاصر إذا زاد ركعتين سهوًا، فإنه يسجد، مع أنه يجوز له زيادتهما. وفي هذه بحث ذكرته في ((المهمات)).
قوله: وفي كلام الشيخ احتراز عن مذهب أبي عل بن خيران في أن من لم يكن خلف الإمام، لكن مقتديًا به في قدوة حكمية: كالطائفة الثانية في صلاة ذات الرقاع إذا خرجت إلى وجه العدو- فإنها إذا سهت في الركعة التي تأتي بها لا يحمل عنها عنده، وكذا المزحوم في الصلاة إذا سها فيما يأتي به- حيث تكون القدوة حكمية، كما ستعرفه- لا يتحمل عنه الإمام على رأي، والمنصوص: خلافه. انتهى.
واعلم أن الإمام إذا قام إلى الثانية فيجوز للمقتدين به ألا يتموا الصلاة، وأن يذهبوا إلى مكان إخوانهم وجاه العدو وهم في الصلاة، فيقفون سكوتًا، وتجئ هذه الطائفة فتصلي مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو ويقفون سكوتًا، وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا. هذه هو أصح القولين، ورواه ابن عمر، وفي قول: لا يجوز ذلك.
ولم يذكر المصنف في صلاة الخوف خروج الفرقة الثانية إلى وجه العدو، فإنه لم يستوعب الكيفية كما استوعبها الرافعي، واقتصر في حكاية الخلاف على خروج الفرقة الأولى إلى وجه العدو ساكتة، وحينئذ فلم يذكر المصنف أن الطائفة الثانية تخرج إلى وجه العدو قبل الإتيان بالركعة حتى يفرع عليه، وبتقدير ذكره فإن إتيانها بالركعة على هذا التقدير إنما يكون بعد السلام، وحينئذ فلا يحمل مطلقًا، وكأنه أراد الطائفة الأولى فسبق القلم إلى الثانية، وأراد سهوها في مدة وقوفها ساكتة قبل إتيانها بالركعة، وعلى كل حال: لو لم يأت بقوله: إذا خرجت إلى وجه العدو، لاستقام.
وقد علمت مما ذكرناه هاهنا ما يرد عليه في ذلك الباب، وعدم استيفاء الكيفية المختلف فيها.
قوله: وإن سها إمامه تابعه في السجود، وقيل: لا تجب المتابعة على المسبوق مطلقًا.
ثم قال: وقيل: إن كان سهوه قبل اقتدائه فلا يتابعه فيه، بخلاف ما إذا كان بعد اقتدائه، وقال الإمام: إنه الظاهر. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام غلط، فإن الإمام صحح أن السهو يتعدى حكمه إلى المسبوق، ثم فرع ما نقله عنه المصنف على الضعيف، وهو لا يتعدى، فراجعه.
قوله: وإن ترك- أي الإمام- فعلًا مسنونًا، واشتغل بفرض لم يخرج به من الصلاة، مثل: أن ترك التشهد الأول، أو: ترك سجود التلاوة حين قرأ آية سجدة
تابعه، ولم يشتغل بفعله، لأن متابعة الإمام واجبة فلا تترك لأجل سنة، فلو اشتغل بفعله بطلت صلاته إن لم ينو مفارقته، وإن نوى مفارقته جاز على الأصح، لأن هذه مفارقة بعذر، صرح به في ((التهذيب)). انتهى كلامه.
وما جزم به من كون ذلك مفارقة بعذر قد ذكر ما يخالفه في باب سجود التلاوة، وفرق بينه وبين التشهد والقنوت بأنهما من الأبعاض، بخلاف هذا، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، فراجعه.
قوله: في قول الشيخ: ((وإن لم يسجد حتى سلم الإمام ولم يطل الفصل سجد، وإن طال ففيه قولان، أصحهما: أنه لا يسجد)) -: إن ظاهر ما ذكره- يعني الشيخ- مفرع على أن محل السجود قبل السلام، وبذلك قيده الشارحون لكلامه. ولا يظهر للتقييد معنى، فإنا إذا قلنا: إن محله بعد السلام، إذا كان السهو زيادة ولم يطل الزمان سجد في وقت السجود، وإن طال ففيه القولان، صرح بهما البندنيجي وغيره. انتهى كلامه.
واعلم أن ما قاله من عدم فائدة التقييد كلام غريب، فإن لنا قولًا ثالثًا: أنه يجوز قبل السلام وبعده، والشارحون قد ذكروا هذا القول، ثم قيدوا كلام الشيخ بما سبق، للاحتراز عنه، فاعلم ذلك.