الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب التعزير
قوله:- يعني الشيخ- بهذه الأمثلة: إن التعزير يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة. انتهى كلامه.
وقد علم منه أنه إن كان في المعصية حد أو كفارة، فلا تعزير فيها، لكنه يستنثى منه الجماع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة بالإجماع، كذا رأيته في ((شرح السنة)) للبغوي في الكلام على حديث الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان، وعبر بقوله: أجمعت عليه الأمة وجزم به أيضًا ابن يونس صاحب ((التعجيز)) في شرح له، ورأيت للرافعي في شرح مسند الإمام الشافعي في الكلام على الحديث المذكور ما يقتضيه أيضًا، فإنه قال: واستدل بعضهم بهذا الحديث على أنه يجوز للإمام ترك التعزير إذا رآه، ووهم المصنف فذكر في كتاب الصيام ما حاصله أن التعزير لا يجب، وقد نبهت هناك على غلطه تنبيهًا مختصرًا، وأحلت إيضاحه على المذكور في هذا الباب، ومما يستثنى- أيضًا- جماع الزوجة حائضًا، وقلنا بوجوب الكفارة، فإنه يوجب- أيضًا- التعزير بلا خلاف، كما صرح به بعض الأصحاب، وقد ذكر الشيخ عز الدين في ((القواعد الكبرى)) مسألة لابد من استثنائها أيضًا، فقال: ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام، لم يجز تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم وتستر زلتهم، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع في العبادات، وهو نحو ثلث الكتاب، فإن قيل: يستثنى أيضًا يمين الغموس، فإن فيها الكفارة والتعزير، كما جزم به في ((المهذب))، وكذلك قتل المسلم إذا لم نوجب القود، كما إذا قتل الوالد ولده أو الحر العبد، فإن فيه التعزير، وإن كان فيه كفارة، كما نص عليه الشافعي في ((الأم))، وصرح به عنه ابن الصباغ في ((الشامل)). وغيره.
قلنا: أما الأول فالجواب عنه ما قاله الشيخ تقي الدين بن الصلاح في فتاويه، والشيخ عز الدين في ((القواعد)) أن في يمين الغموس جهتين، إحداهما الكذب، والأخرى انتهاكه للاسم المعظم، حيث أكد به الكذب، فالتعزير للكذب والكفارة للانتهاك.
وأما الثاني: وهو القتل، فالجواب عنه أن الكفارة في المسألة المذكورة في مقابلة تفويت النفس المؤمنة، وليست في مقابلة معصية، حيث أقدم على القتل بدليل إيجابها في قتل الخطأ، وإذا لم يكن في مقابلة المعصية، فيشرع التعزير زجرًا للإقدام عليها.
قوله: ويجوز التعزير بالحبس.
ثم قال: ومدة الحبس إذا رآه هل تتقدر؟ قال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: نعم تتقدر بشهر للاستبراء والكشف، وبستة أشهر للتأديب والتقويم، وغيره لم يقدرها. انتهى كلامه.
وما ذكره- رحمه الله من أن غير الزبيري لم يقدرها ليس كذل، فإن الشافعي قد صرح بتقديرها بما دون السنة، فقال في ((الأم)) في باب من لا قصاص بينهم لاختلاف الدين ما نصه: قال الشافعي: وإذا قتل المؤمن الكافر عزر، ولا يبلغ في تعزيره في قتل ولا غيره حدًا، ولا يبلغ بحبسه سنة، ولكن حبس يتنكر به وهو ضرب من التعزير، هذا لفظه بحروفه، ومن ((الأم)) نقلته، وهي فائدة جليلة، وحكمها متجه منقاس، فإن الشارع جعل تغريب السنة واجبًا في حد الزنى، والحبس في معناه وأشد منه، فوجب أن يكون التعزير به ناقصًا عنه على قياس سائر التعازير، وعذر المصنف وغيره من الأصحاب ممن تنشط فيطالع ((الأم)) في عدم وقوفهم على هذا النص كونه مذكورًا في غير مظنته، وقد ذكر المصنف في باب قطع الطريق أنه إذا وقع قبل أن يأخذ المال، عزر بالحبس أو بغيره.
ثم قال: وفي تقدير الحبس وجهان:
أحدهما: لا، بل يعتبر فيه ظهور التوب.
والثاني: نعم، لأنه قد أقيم في الحرابة مقام الحد، وعلى هذا فقال الزبيري: يتقدر بستة أشهر كيلا تزيد على تغريب الزنى في حق العبد.
وقال ابن سريجة: يقدر بسنة.
قوله: ويجوز للإمام النفي في التعزير، كما قاله الماوردي، وأن ظاهر مذهب الشافعي- رضي الله عنه أن مدته مقدرة بما دون السنة ولو بيوم، كي لا يصير مساويًا للتغريب، وكذا صرح به في ((الإشراف)) عن قول الشافعي، وقد أشار الإمام إلى تضعيف هذا القول في ((الغياثي)) وإن لم يحكه، بأن التغريب بعض الحد، فلو غرب في التعزير مدة سنة لم نكن قد بلغنا به الحد. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((الإشراف)) و ((الغياثي)) غلط، فإنهما لم يذكرا ذلك في النفي،
وإنما ذكراه في المسألة التي قبلها وهي الحبس، فإن الهروي في ((الإشراف)). قال: مسألة التعزير ليس بوجب، بل للإمام فعله، إن رأى الصلاح في الضرب ضرب، ولا يبلغه مقدار الحد، وإن رأى الصلاح في الحبس، ولا يبلغه سنة، فإن كان مثله يتعظ إذا وعظ اقتصر عليه.
وهذا قول الشافعي في جميع أنواعه، هذا لفظه، وهو قريب من أواخر الكتاب. وأما إمام الحرمين في ((الغياثي))، فإنه قال في الباب الثامن فيما يناط بالأئمة بعد نحو كراس من أوله ما نصه: وليس الحبس ثابتًا في حد حتى يحط التقصير عنه، ويسوغ للقاضي أن يحبس في درهم أمدًا بعيدًا إلى اتفاق القضاء أو الإبراء وقد منع بعض الفقهاء تبليغ مدة الحبس في العزير سنة نظرًا إلى مدة التغريب في حد الزنى، وهذا فاسد عندي لما قدمناه ذكره، وليس التغريب حدًا كاملًا فينقص عنه تعزير، وإنما هو جزء من حد، فيتفطن لذلك الناظر. هذا لفظه بحروفه وقد نقلته من نسخته صحيحة كتب عليها الشيخ ((تقي الدين بن الصلاح)) أنها بخط تلميذ المصنف الشيخ ((عبد الجبار الخواري البيهقي))، وقد ظهر لك مما نقلناه غلط المصنف من المسألة الأولى إلى الثانية، وما قاله الإمام في ((الغياثي)) قد تقدم جوابه في المسألة السابقة. وإنما قال ما قال لعدم علمه بمن قال.