الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب البيوع
باب ما يتم به البيع
قوله: ويعتبر في البيع ثلاثة أشياء: أحدها: العاقد وهو البائع والمشتري، والثاني: المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، والثالث: الصيغة وهي الإيجاب والقبول. قال في ((الوسيط)): وهذه الثلاثة الأركان لابد منها لوجود صورة العقد. واعترض الرافعي على الغزالي فقال: إن كان المراد أنه لابد من وجودها في دخول صورة البيع في الوجود فالزمان والمكان وكثير من الأمور بهذه المثابة، فوجب أن تعد أركانًا، وإن كان المراد أنه لابد من حضورها في الذهن ليتصور البيع فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، لأن البيع فعل من الأفعال، والفاعل لا يدخل في حقيقة الفعل، ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج لا نعد المصلي والحاج أركانًا؟! بل الأشبه أن الصيغة- أيضًا- ليست جزءًا من حقيقة فعل البيع. انتهى كلام الرافعي، وأجاب المصنف فقال ما نصه: وجوابه: أن المراد الأول، وإنما لم نعد الزمان والمكان من الأركان، لأنه لا يعقل فعل من الأفعال بدونهما، عقدًا كان أو غير عقد، والعلم بذلك حاصل بالبديهة، فلذلك لم يذكرهما، بخلاف ما ذكره، فإنه لما اختلف فيه احتاج إلى ذكره. انتهى كلامه.
وهذا الكلام غلط وذهول عجيب، فإن المختلف فيه إنما هو الصيغة، وأما العاقد والمعقود عليه والثمن والمثمن فلابد منها بالاتفاق. واعلم أن المنقول: أن البائع والمشتري ليسا من الأركان، كذا جزم به القاضي الحسين في كتاب الوكالة من ((تعليقته))، قال: بخلاف الزوجين في النكاح. وفرق بأنهما مقصودان فيه، بخلاف البيع.
قوله: وروى الخراسانيون عن ابن سريج تخريج قولٍ: أنه يكتفي في المحقرات بالمعاطاة، وروي عنه في ((التتمة)) أنه يكتفي بها فيما جرت العادة فيه بالمعاطاة ويعدونه بيعًا، ومقتضى هذا: أن خلاف ابن سريج ليس قاصرًا على المحقرات.
ثم قال ما نصه: ومثلوا المحقرات بالباقة من البقل، ومنهم من يمثلها بما دون
نصاب السرقة. قال الرافعي: والأشبه الرجوع فيه إلى العادة، فما يعتاد فيه الاقتصار على المعاطاة بيعًا ففيه التخريج، ولهذا قال صاحب ((التتمة)) معبرًا عن التخريج: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهو بيع، وما لا كالدواب والعقار والجواري فلا. هذا آخر كلامه، وقد قدمت من كلام صاحب ((التتمة)) أن بينهما فرقًا، فلا يحسن الاستشهاد. انتهى كلام ابن الرفعة.
وما ذكره- رحمه الله في آخر كلامه اعتراضًا على الرافعي من أن الاستشهاد لا يحسن سهو، فإن الاستشهاد بما نقله عن صاحب ((التتمة)) لما ذكره بحثًا، واضح مطابق، بل الصواب على هذا التقدير أن نقول: فلا يحسن البحث الذي ذكره وعبر عنه بالأشبه، ووجهه: أن الذي يعد بيعًا بالمعاطاة أعم من المحقرات كما تقدم، فلا يصح تفسير المحقرات به، وجواب هذا أن نقول: إن الرافعي إنما أراد بقوله: والأشبه الرجوع فيه، أي: في التخريج، وهو الظاهر، وعلى هذا فلا إيراد.
قوله: إذا باع الأب أو الجد مال ابنه الصغير هل يفتقر إلى النطق بلفظ العقد، أو تكفي نية ذلك؟ فيه وجهان: فإن اعتبرنا الإتيان باللفظ فهل يفتقر إلى القبول؟ فيه وجهان. انتهى.
ومقتضاه: أن الإيجاب لابد منه جزمًا، وأن الخلاف إنما هو في القبول، وليس كذلك، بل الوجهان في أنه لابد من اللفظين أو يكفي أحدهما، سواء كان إيجابًا أو قبولًا، كذا حكاه الرافعي وغيره، وذكره المصنف على الصواب في ((المطلب))، وقال: إنا إذا اكتفينا بأحد اللفظين فلابد أن يكون يصح الابتداء به.
قوله: وهذا التعليل من الماوردي مبني على اعتقاده أن البيع لا ينعقد بقوله: أبحتك هذا العبد بألف، أو: سلطتك عليه، أو: أوجبته لك، أو: جعلته لك، وما أشبه ذلك، وهذا إن أراده مع وجود النية، وجعل القائل كالشاهد فهو خلاف الظاهر من المذهب على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الغزالي. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله عن الرافعي وغيره من تصحيح البيع بلفظ الإباحة مع النية غلط، ففي الرافعي الجزم بأنه لا يصح، وقال النووي في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه.
الثاني: أن الرافعي لم يذكر ((أوجبت)) بالكلية.
الثالث: أنه لم يصحح شيئًا في ((سلطتك عليه))، والذي صحح الانعقاد إنما هو النووي في ((زوائده)).
قوله: وحكى- يعني الرافعي- في باب الاستثناء من كتاب الطلاق: أن الكلام
اليسير لا يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول على الأصح، فيتجه جريان مثل ذلك هنا. انتهى كلامه.
واعلم أن الذي حاول تخريجه هو عين ما نقله الرافعي أو داخلٌ فيما نقله، فإنه عبر بالإيجاب والقبول كما تقدم، وهو يتناول الأبواب كلها إن لم نحمله على المتبادر إلى الفهم وهو المعاملات.
قوله: فروع: لو قال البائع. بعتك بألف أفقبلت؟ فقال: نعم، أو قال: بعتك بألف، فقال: نعم- انعقد البيع، حكاه الرافعي في كتاب النكاح، وفي ((النهاية)) في كتاب ((الإقرار)) أن قول المشتري: نعم، لا يكون قبولًا. انتهى كلامه.
وحاصله: أن الإمام قائل بأن ((نعم)) لا تكون جوابًا للمسألتين، وليس كذلك، بل إنما أجاب به في المسألة الثانية فقط، فإنه ذكرها قبيل فصل أوله: قال: والإقرار في الصحة والمرض- فقال ما نصه: مما أجراه الأئمة: أن الرجل إذا قال لمن يبايعه: بعت منك هذا بألف، فقال: نعم- لم يكن ذلك قبولًا، فإن قول القائل: نعم يترتب على استخبار وهو يقع خبرًا، والخبر يتردد بين الصدق والكذب، وقبول العقد إنشاء لا يتصف بصدق ولا كذب. هذا كلامه، ولا يلزم من المنع في هذه أن يمنع عند الاستفهام، لأن ((نعم)) إذا لم يتقدمها استفهام لا يكون مدلولها إلا تصديق ما صدر من المتكلم وهو الإيجاب في مثالنا، فكأنه قال: صدقت في أنك رضيت بذلك وأوجبه، وإنما تكون مفيدة إجابة المتكلم إذا كان مستفهمًا، والصورة التي لم يذكرها الإمام قد وجد فيها الاستفهام، ووقعت ((نعم)) فيها مترتبة على التماس إنشاء.
قوله: ولو قال: بعتك بألف إن شئت، فقال: شئت- لم ينعقد، وفي ((التتمة)) عند الكلام في نية الوضوء والتبرد: أنه يصح. ولو قال: اشتريت، فوجهان. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((التتمة)) قد نقله- أيضًا- المصنف عنه في ((شرح الوسيط))، وهو غلط عجيب، فإن صاحب ((التتمة)) إنما حكم بصحة الإيجاب فقط، ولم يتعرض لقول المشتري: شئت، فقال: وكما لو قال رجل لآخر: بعتك هذا الثوب بعشرة إن شئت، كان الإيجاب صحيحًا، لأنه لو لم يقل: إن شئت كان الخيار ثابتًا، فإذا صرح به لم يضره. هذا لفظه، ثم صرح هنا بالمسألة التي ذكرها المصنف، وجزم فيها بالبطلان فقال: الخامسة عشرة: لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة إن شئت، فإن قال المشتري: شئت، لم ينعقد البيع، لأن لفظ ((المشيئة)) ليس من ألفاظ التمليك، وإن قال: قبلت، فوجهان. هذا كلامه، وقد ذكر الشيخ محيي الدين أنه لا خلاف في عدم الصحة فيها، كذا ذكره في ((شرح المهذب))، لكن نص الشافعي على الصحة، كذا نقله عنه
الكرابيسي في ((أدب القضاء)) فقال ما نصه: وقال- يعني الشافعي-: إذا قال لعبده أنت حر بألف، أو: أنت طالق بألف إن شئت، فشاء العبد والمرأة- عتق العبد وطلقت المرأة وعليهما الألف، وكذلك إذا قال: قد بعتك هذا العبد بألف إن شئت، فقال: قد شئت- جاز البيع. هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلت، والنسخة التي نقلت منها أصل عتيق كتب ابن الصلاح عليها بالثناء عليه وباستغرابه وكثرة فوائده، ورأيت في ((الأم)) في كتاب الإقرار نحوه- أيضًا- فإنه قال: ما نصه: لو قال: هذا لك بألف درهم إن شئت، فشاء- كان هذا بيعًا لازمًا، ولكل واحد منهما الخيار، لأن قول إنشاء لا إقرار. هذا لفظه.
قوله- في المسألة-: ولو قال: اشتريت، فوجهان، أظهرها- وهو اختيار القاضي الحسين، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في كتاب ((الإقرار)) -: أنه ينعقد. ولو قال الطالب: اشتريت هذا منك إن شئت، فقال: بعته منك إن شئت- قال الإمام في كتاب ((الإقرار)): الذي يجب القطع به: أنه لا ينعقد، فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق التعليق، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده، فلو قال الطالب مرة أخرى: اشتريت، أو: قبلت- قال: فالذي يقتضيه القياس عندي أن البيع لا يصح على قياس القاضي- أيضًا- فإنه يبعد حمل المشيئة على استدعاء القائلٍ، وقد سبق فتعين حمله على المشيئة نفسها، وإذا حمل على ذلك كان تعليقًا محضًا، والتعليق يبطل البيع. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام في كتاب الإقرار من تصوير المسالة بما إذا علق المشتري- أيضًا- كلامه، وأن تعليقه مقتضٍ للبطلان- قد نقله عنه المصنف في موضع آخر أيضًا، وهو غلط، بل أجاب الإمام بالبطلان مع كون المشتري لم يعلق كلامه، فقال ما نصه: ولو قال الطالب: اشتريت منك هذا العبد بألف، فقال: بعته منك إن شئت- فيجب القطع بأن البيع لا ينعقد، فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق القبول، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده. هذا لفظه، ثم ذكر ما نقله عنه المصنف إلى آخره.
قوله: فنقول: إذا اشترى قريبه الذي يعتق عليه ثبت فيه الخيار للبائع، وفي ثبوته للمشتري خلاف مبني على أقوال الملك، فإن قلنا إن الملك للبائع أو موقوف، ثبت له- أيضًا- وإن قلنا: إنه للمشتري، لم يثبت على الصحيح، وفي ((الحاوي)) حكاية وجه أنه يثبت أيضًا. انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله عن الحاوي من كونه قد حكى وجهًا ليس كذلك، بل جزم به. نعم، حكاه الماوردي في خيار الشرط، ولا يلزم من التردد هناك حصوله هنا،
وقد قال الإمام في كتاب الإقرار: إن من يثبت الخيار لمن يشتري أباه يتردد في خيار الشرط، ويقول: إنا يثبت خيار المجلس من جهة أنه خيار شرعي، فأما الخيار الذي يتعلق ثبوته بالشرط والاختيار فلا وجه لثبوته. هذا كلامه.
قوله: وفي جواز الخيار ثلاثة أيام ما رواه مسلم وأبو داود عن محمد بن يحيي بن حبان قال: كان جدي قد بلغ مائة وثلاثين سنة وما زال يخدع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من بايعته فقل: لا خلابة، وأنت بالخيار ثلاثًا)). انتهى كلامه.
واعلم أن هذه الزيادة التي ساق الحديث لأجلها، وهي قوله:((وأنت بالخيار ثلاثًا)) - قد وهم في نسبتها إلى مسلم، والذي رواه مسلم عن ابن دينار: أنه سمع ابن عمر يقول: ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من بايعت فقل: لا خلابة)) فكان إذا بايع يقول: لا خيانة. وأورده- أيضًا- البخاري في ((صحيحه)) في باب ما ينهى عن إضاعة المال، وفي باب من باع على الضعيف، ولم يذكر فيه هذه الزيادة. نعم، ذكرها في ((تاريخه))، ورواها- أيضًا- على الشافعي وغيره، وما وقع فيه المصنف هاهنا قد تفطن له في ((المطلب)) فذكره على الصواب أيضًا.
قوله: وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال، وبانقضاء الخيار في الثاني، وموقوف في الثالث.
ثم قال: ومن فوائد الخلاف: نفقة المبيع على من تجب؟ وقد ذكره الجيلي، وقال: إذا قلنا بالوقف كانت عليهما
…
إلى آخر ما ذكر.
وهذه المسألة التي لم ينقلها إلا عن الجيلي مشهورة للأصحاب المعتبرين على غير هذا الحكم الخارج عن القياس: فقد ذكرها الروياني في ((البحر)) في باب بيع المال الذي فيه الزكاة، وهو قبل زكاة المعدن، وصرح بأنا إذا قلنا بالوقف كانت- أيضًا- موقوفة تجب على من تبين الملك له، وذكرها أيضًا. وذكر الرافعي: أن نفقة الولد إلى أن يعرض على القائف على الرجلين، فإذا ألحقه بأحدهما رجع الآخر عليه. وقيده في العدة بما إذا أنفق بإذن الحاكم، وإلا لم يرجع. والقاضي الحسين في كتابه المسمى بـ ((أسرار الفقه)) فقال: إن قلنا: إن الملك للبائع، فالنفقة عليه، وإن قلنا: للمشتري، فعليه، ذكر ذلك قبيل كتاب النفقات، ويعلم منه- أيضًا- من عليه النفقة على القول الثالث، لأن كون الملك فيه للبائع أو المشتري تظهر عند انقضاء الخيار، إلا أن المطالب منهما في مدة الوقف لا يعلم مما ذكره. ثم إن الفطرة تتبع النفقة، وفطرة هذا العبد تنبني على أقوال الملك كما ذكره الرافعي في آخر باب زكاة الفطر، فلزم ما ذكرناه، والحاصل: أن المسألة مذكورة في غير موضعها، فلم يتفطن لها
المصنف، فقلد هذا الناقل الضعيف في حكم ضعيف.
قوله: والعلم بالأجل تارة يحصل بأن يقال: إلى يوم أو ساعة، فيصح وإن أطلق، لأنه يحمل على اليوم الذي هو فيه، كما لو حلف لا يكلم شهرًا ثم ينظر: إن كان العقد نصف النهار ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار من الغد، والليل يدخل في حكم النهار للضرورة، وإن كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، كذا قاله في التتمة، وفيه نظر من حيث إنه جعل اليوم محمولًا على اليوم الذي هو فيه، وفي نظيره من الإجارة لا يصح، ولم يظهر لي فرق بينهما. انتهى كلامه.
وما اعترض به على المتولي من أن نظيره في الإجارة لا يصح، واستشكل الفرق بينهما- فغريب جدًا، فإن الصحيح في ((الرافعي)) و ((الروضة)) فيما إذا قال: أجرتك شهرًا، وأطلق- أنه يصح، ويحمل على الشهر الذي هو يه، ويكمل من الشهر الذي بعده إذا كان في أثنائه، ولا فرق في التنكير بين اليوم والشهر والسنة، وقد صرح الرافعي في الإجارة باليوم بخصوصه، ولم يحك فيه إلا الصحة، فقال في الكلام على استئجار الثياب: وإن قال: يومًا، وأطلق- قال الصيمري: كان من وقته إلى مثله من الغد. هذا كلامه، والغريب أن المتولي في ((التتمة)) قد صرح هنا بالصحة في الإجارة- أيضًا- فقال في الباب التاسع من أبواب البيع: التاسعة: إذا قال: بعتك بشرط خيار يوم، اقتضى إطلاقه اليوم الذي وقع فيه العقد، كما لو قال: أجرتك شهرًا، انصرف إلى الشهر المتصل بالعقد، وإذا قال: والله لا أكلمك شهرًا، انصرف إلى الشهر الذي بعد اليمين. هذا لفظ المتولي، ثم ذكر بعده ما نقله عنه المصنف إلى آخره، فحذف استدلاله بالإجارة، ثم نسي، فظن أنه يقول بالبطلان، فاعترض عليه، لاسيما أن المصنف قد صحح في الإجارة عدم الصحة على عكس ما صححه الرافعي، فقال: إنه الصحيح الذي قطع به العراقيون.
واعلم أن ما نقله عن ((التتمة)) من أنه إذا كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، هو كذلك في ((التتمة)). فاعلمه، فإن النووي قد نقل المسألة عنه في ((شرح المهذب)) على غير الصواب، فقد يقف عليه واقف فيظن صحة ذاك وبطلان ما ذكره المصنف.
قوله: ويجوز الاستبدال عن الثمن على الجديد.
ثم قال: ومحله إذا لم يكن الثمن مؤجلًا، أو كان ولكن لا اشتراك في علة الربا بينه وبين الثاني، أو كان مشتركًا لكنهما جنسان كالذهب والفضة، أما لو اتحد الجنس كالطعام عن الطعام لم يجز، وهذا ما حكاه القاضي في باب بيع الطعام. هذا
كلامه، ثم نقل عن الشيخ أبي حامد جواز ما منعه القاضي، وعن الماوردي منع الاستبدال عن المؤجل مطلقًا، لأنه لا يملك المطالبة به. إذا علمت ذلك فحاصل ما حكاه عن القاضي: أنه يمتنع استبدال الطعام عن الطعام المؤجل إذا كانا من جنس واحد، فإن كانا من جنسين كالقمح عن الشعير لم يمتنع، وهو خلاف ما ذكره القاضي، فإن الذي ذكره أن المؤجل إن لم يكن طعامًا جاز، وإن كان طعامًا فباعه بطعام لم يجز، وإن باعه بغيره جاز إذا تقابضا، وحاصله: منع بيعه بطعام آخر، ولم يشترط فيه أن يكون من الجنس، ومأخذه أنه بيع للربوي الحال بالمؤجل، وقبض المؤجل إذا بيع والحالة هذه إنما هو قبض حكمي، وذلك لا يكفي في الربويات كما أوضحوه في بابه، بل يتعين حمل كلام القاضي على أنه من غير الجنس، لأنه إذا كان بجنسه ونوعه كان أخذ الحال عن المؤجل تعجيلًا للمؤجل، وليس باعتياض كما جزم به الرافعي هنا. وهذا التقرير لكلام القاضي هو الصواب المطابق لما ذكره، وقد قرره المصنف كذلك في ((شرح الوسيط)) على خلاف ما قرره هنا، ونقل فيه عن نص الشافعي ما قاله القاضي من التفصيل، وينبغي إذا كان المؤجل نقدًا فباعه بنقد أن يكون كالطعام بالطعام عند القاضي.
قوله: وفي الثمن ثلاثة أوجه:
والثاني: أنه النقدان لا غير، والمثمن ما يقابلهما على اختلاف الوجهين.
والثالث- وهو الأصح-: أن الثمن هو النقد، والمثمن: ما يقابله.
فإن لم يكن في العقد نقد، أو كان العوضان نقدين- فالثمن: ما اتصلت به الباء، والمثمن: ما يقابله، فإذا باع بغير النقدين في الذمة: فإن قلنا بالوجه الأول فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين، وإن قلنا بغيره فلا يجوز. انتهى ملخصًا.
وما ذكره من أنا إذا فرعنا على جواز الاستبدال عن الثمن: أنه يجوز الاستبدال هذا على الوجه الأول، فواضح، لأنه الثمن عند هذا القائل، فإن الباء قد التصقت به. وأما منعه الاستبدال على الوجهين الأخيرين فصحيح بالنسبة إلى الوجه الثاني، وهو القائل بأن الثمين هو النقدان لا غير، وأما بالنسبة إلى الوجه الثالث فلا، بل حكمه حكم الوجه الأول، لالتصاق الباء- أيضًا- وهو واضح.
قوله- في المسألة أيضًا-: ويظهر للاختلاف في أن الثمن ماذا، فوائد أخر، منها: إذا كان العوضان نقدين، فعل الأول: لا يمتنع فيجري في جواز الاستبدال عن كل
منهما الخلاف المذكور. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الوجه الأول السابق في كلامه هو أن الثمن ما دخلت عليه الباء، وما لم تدخل عليه يكون مبيعًا، وحينئذٍ فيكون نفي المبيع في المسألة المذكورة إنما هو على الوجه الثاني لا على الوجه الأول، فانعكس على المصنف.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من حكاية الخلاف في هذه المسألة لم ينقله عن أحد، ولم أقف عليه لغيره، وهو فاسد، لأن هذا مصارفة، والمعتبر في الصرف هو القبض الحقيقي، ولهذا جزم الماوردي بمنع الإبراء منه، وقد جزم به المصنف- أيضًا- في آخر باب الربا.
قوله: ومنها: إذا كان العوضان عرضين، فلا يجوز على الثاني الاستبدال عن واحد منهما وجهًا واحدًا. انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف إذا قلنا: إن الثمن هو النقدان لا غير، باطل، وذلك لأن مثل هذا العقد ليس سلمًا على الصحيح، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه، غير أن المبيع فيه دين، ولنا في بيع المبيع من بائعه قبل القبض خلاف مشهور، وهذا فرض منه.
قوله: أما إذا كان للبائع حق الحبس، ونقله بغير إذنه- فقد حصل نقل الضمان، وهل يملك التصرف؟ فيه وجهان في ((الوسيط))، والمذكور في ((الرافعي)) و ((الحاوي)): العدم، وفي ((النهاية)) - حكاية عن الشيخ أبي محمد أن الاستيلاء كما ذكرنا لا يقتضي نقل الضمان كما لا يقتضي التصرف، وهو بعيد. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الاستيلاء مع النقل لا ينقل الضمان على هذا الوجه غلط، بل محله إذا وجد الاستيلاء ولم يوجد النقل، بأن كان بساطًا فجلس عليه، أو دابة فركبها ولم يشترها، كذا صرح به في ((النهاية)) في ضمن فصل أوله:((قال: من ابتاع جزافًا))، وذلك أنه حكم بضمان ما اشتراه جزافًا وقبضه مكايلة، وبأن قبض المنقول يتوقف على القبض على الأصح.
ثم قال ما نصه إن قلنا: لابد من النقل في قبض المبيع، وجعلنا الاستيلاء قبض عدوان- فلو وجد الاستيلاء من المشتري من غير نقل فهو كالقابض جزافًا فيما اشترى مكايلة، وذكر شيخي وجهًا آخر: أن الاستيلاء- كما صورنا- لا يقتضي نقلًا للضمان، كما لا يقتضي التسلط على التصرف، وهذا بعيد. هذا لفظ الإمام، وقد تفطن المصنف في شرح الوسيط لذلك، فذكره فيه على الصواب.