الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب المسح على الخفين
قوله: وفي تعبير الشيخ بلفظ ((الجواز)) تنبيه على أمرين، أحدهما: أن المسح غير واجب وغير مستحب وغير مكروه، وهو مشهور، لكن أبو الطيب حكى هنا عن الشافعي أنه مكروه. انتهى كلامه.
وهذه الحكاية عن أبي الطيب غلط من المصنف- رحمه الله فإن أبا الطيب لما ذكر هذه المسألة في ((تعليقه)) - وهو الكتاب الذي ينقل منه المصنف عنه- نقل أن الشافعي رواه عن مالك، لا أن الشافعي نفسه قال به، فإنه قال: وروي عن مالك ست روايات، إحداها: أنه يمس مؤقتًا مثل قول الشافعي الجديد، وروي عنه أنه قال: يمس حتى تصيبه الجنابة. وهذا مثل قول الشافعي القديم، وروي عنه أنه قال: يمسح المسافر دون الحاضر، وروي عنه أنه قال: يمسح الحاضر دون المسافر، وروى عنه ابن فديك أنه لا يمسح أصلًا، وروى عنه الشافعي أنه كره المسح على الخفين. هذا كلامه بحروفه، ومن ((تعليقه)) نقلت.
قوله: ولو كان المحدث لابس خف بالشرائط، وقد دخل عليه وقت الصلاة، ووجد من الماء ما يكفيه لو مسح على الخف، ولا يكفيه لو غسل الرجلين- فالذي يظهر: وجوبه، لقدرته على الطهارة الكاملة، ولا يأتي فيه الخلاف الذي يأتي في التيمم، لوضوح الفرق. انتهى.
وأشار بالآتي في التيمم إلى ما إذا كان على طهارة، وأرهقه حدث، ولم يكن لابسًا للخف، فإن في وجوب لبسه ليمسح عليه وجهين، أصحهما: عدم الوجوب. وهذا الفرع الذي ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله، قد صرح به صاحب ((البحر)) في كتاب التيمم، وحكى فيه الاتفاق فقال: فرع: إذا كان لابسًا للخفين في السفر، وهو على طهارة، ومع ماء يكفيه لوجهه ويديه ومسح رأسه فقط، ومعه ثلج يابس يمسح به الخفين، ولا يمكنه إذابته- فعليه الوضوء ومسح الخفين به قولًا واحدًا، لأنه يمكنه تحصيل وضوئه هذا كلامه.
قوله: أما إذا أجنب في أثناء المدة انقطعت مدة المسح بوجوب غسل الرجلين،
وهكذا الحكم في المرأة إذا حاضت أو نفست، قاله الرافعي، واستدل له بحديث صفوان، وفيه نظر، لأن حديث صفوان يدل على أن المسح على الخف لا يقوم مقام غسل الرجلين في الجنابة، لا أنه تبطل مدة المسح. نعم، إن كان لا يتأتى غسل الرجل في الخف فالنزع واجب لأجل الغسل، فإذا نزع بطلت به المدة، وإذا لم ينزع هل نقول: تبطل، تنزيلًا لوجوب النزع منزلته، أم لا؟ هذا محل الاحتمال، وإن كان يتأتى غسل الرجلين في الخف ينبغي ألا تبطل مدة المسح، بناء على أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل، ويصير ذلك بمنزلة ما قاله الأصحاب فيما إذا دميت رجله في الخف، إن أمكن غسلها فيه لم تبطل المدة. انتهى كلامه.
فأما ما اعترض به على الرافعي من أن حديث صفوان إنما يدل على أن المسح لا يقوم مقام الغسل فليس كذلك، بل يدل على وجوب النزع، فإن لفظه- على ما حكاه الرافعي وغيره-:((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفرًا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة)).
وأما قوله: وإذا لم ينزع فهل نقول: تبطل، تنزيلًا لوجوب النزع منزلته، أم لا؟ هذا محل الاحتمال- فيقال له: توقفك في البطلان في هذه الحالة يستدعي جواز المسح على تقدير عدم البطلان، وإلا لم يكن لبقاء المدة فائدة، وجواز المسح لابد له من فائدة، وما فائدته مع قيام الجنابة، فإنه لا يستبيح معها شيئًا من الموانع، والفرض: أنه لابد من النزع، وإذا نزع عاد الحدث.
وأما قوله: وإن كان يتأتى غسل الرجلين في الخف فينبغي ألا تبطل مدة المسح، بناء على أن الوضوء لا يندرج تحت الغسل
…
إلى آخره- فإن تفريعه عدم البطلان على عدم الاندراج كلامٌ عجيب، بل إذا أمكن الغسل في الخف، وقلنا بما قاله من أنه ينبغي ألا تبطل المدة- فإنه يمسح إلى انقضاء المدة. نعم، إن كان قد أحدث الحدث الأصغر- أيضًا- مع الأكبر: فإن توضأ أولًا ومسح قبل الغسل فلا كلام، وإن اغتسل وقلنا بعدم الاندراج احتاج إلى الوضوء والمسح، ولكن لا ارتباط له بالبطلان وعدمه. وخطر لي في الجواب عن الثاني: أن يتوضأ ويمسح، لفائدة النوم والأكل والشرب والجماع وغيرها مما استحبوه في باب الغسل.
قوله: قال الأصحاب: والرخص التي تتعلق بالسفر ستة، منها ما يختص بالطويل بلا خلاف، وهي: المسح على الخفين، والقصر، والفطر، ومنها ما يجوز في الطويل والقصير بلا خلاف، وهي الصلاة على الراحلة ونحوها، وفي هذا شيء ستعرفه،
ومنها ما اختلف قول الشافعي فيه، وهو الجمع في السفر والتيمم. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من نفي الخلاف في جواز الصلاة على الراحلة في السفر القصير ليس كذلك، بل في اشتراط السفر الطويل في ذلك قولان مشهوران في ((الرافعي)) وغيره، وقد حكاهما المصنف في باب استقبال ودعواه- أيضًا- أنه لا خلاف في اختصاص القصر بالسفر الطويل ليس كذلك، بل فيه قول: أنه يجوز في القصير- أيضًا- بشرط الخوف، حكاه الرافعي وغيره، وحكاه المصنف- أيضًا- في صلاة المسافر.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من انحصار رخص السفر في ستة باطل- أيضًا- فإن ترك الجمعة من رخص السفر، وكذلك عدم القضاء على المتيمم الفاقد للماء، وعدم القضاء على الزوج إذا سافر بواحدة من نسائه بالقرعة. فالجمعة لا تختص بالطويل، بخلاف الأخيرتين على الصحيح. وعدوا- أيضًا- أكل الميتة من رخص السفر.
قوله: وابتداء المدة من حين يحدث، لأنها عبادة مقدرة بوقت، فكان أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة، ثم هذا الدليل يدل على امتناع تجديد الوضوء المشتمل على مسح الخفين، ولاشك في أنه مكروه. انتهى كلامه.
واعلم أن عبارته تقتضي الامتناع فيما قبل الحدث وبعده، مع أن التعليل المتقدم الذي استنبط منه ما ذكره إنما يدل على المنع فيما قبل الحدث خاصة، ثم إن دعواه أنه لاشك في الكراهة عجيب، فقد جزم النووي في ((شرح المهذب)) هنا بجوازه واستحبابه فيما قبل الحدث، على خلاف ما دل عليه التعليل السابق.
قوله: فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام- أتم مسح مقيم. ثم نبه على أمرين، فذكر أحدهما.
ثم قال: الثاني: أن المسألة الثانية مصورة بما إذا بقي من مدة المقيم شيء كما إذا كان قد مسح دون يوم وليلة، لأن فيه تنبيهًا على محل خلاف المزني، أما إذا كان قد مسح في السفر يومًا وليلة فأكثر ثم أقام، استأنف وفاقًا، وإنما قلنا ذلك، لأن في ((تعليق)) البندنيجي: أنا أبا العباس- يعني ابن سريج- حكى عن المزني أنه قال: إذا كان مقيمًا ثم سافر أو مسافرًا، ثم أقام- بني إحدى المدتين على الأخرى، ويقسط ذلك على الزمان: فإن كان مقيمًا، فمضى من مدة الإقامة ثلثها من حين الحدث، ثم سافر-فله أن يمسح بعد أن حصل مسافرًا يومين وليلتين ثلثي مدة السفر، في مقابلة
ما بقي من مدة الحضر وهو ثلثا يوم وليلة. وإن كان مسافرًا، فمسح يومًا وليلة، ثم حضر- فقد مضى له ثلث مدة السفر، فيضيف إلى هذا ثلثي مدة الحضر. انتهى كلامه.
وما ادعاه أولًا من الوفاق على الاستئناف فيما إذا استوفى مدة المقيمين قبل الإقامة، مستندًا إلى ما نقله عن البندنيجي- غريب، فإن النقل المذكور عليه، لا له، فتأمله. وكأنه نظر إلى المثال دون ما قبله.
قوله: وقد قال الأصحاب: المستحاضة ومن في معناها إذا توضأت ولم تصل، ولبست الخف، ثم أحدثت الحدث المعتاد- يجوز أن تتوضأ، وتمسح على الخف، وتصلي فريضة واحدة وما شاءت من النوافل، فإن كانت قد صلت الفرض استباحت النافلة فقط.
ثم قال: وعن الشيخ أبي حامد: أن لها أن تستوفي مدة المسح يومًا وليلة في الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر. انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله عن الشيخ أبي حامد قد رأيت في ((تعليقه)) عكسه، وهو الجزم بالمذهب المشهور، والرافعي عبر بقوله:((وعن أبي حامد))، فكأنه توهم أن المراد به الشيخ أبو حامد، فصرح به هنا. وذكر بعده بنحو صفحة ما هو أشد منه، فقال جوابًا عن سؤال أورده على الشيخ ما نصه: وجوابه: أن اشيخ أبا حامد قائل باستيفاء المدة، وهذا الكتاب مختصر من ((تعليقه)) كما هو المشهور، وحينئذ لا يحسن معه هذا السؤال. هذه عبارته، وهي زائدة على تلك في الخلل، والذي في ((الرافعي)) يجوز أن يراد به القاضي أبو حامد المروروذي، وهو الظاهر، لما ذكرناه، ولأن ذاك لا يطلق إلا مقيدًا بـ ((الشيخ)).
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا.
أحدها: أنه لا يجوز المسح على ما لا يسمى خفًا، وذلك يشمل صورًا.
منها: إذا أخذ قطعة جلد، وأحكمها بالشد بحيث لا يرى معها بشرة القدم، ويمكن متابعة عليها، وهو ما حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب، لأنه غير مخروز، وأبدا جوازه احتمالًا لنفسه. انتهى.
وما نقله عن القاضي الحسين هنا غلط، فإن القاضي لم يذكر هذه المسألة في ((تعليقه)) بالكلية.
وأما هذا الكلام الذي نقله عنه المصنف جميعه فإنما ذكره في الخف المشقوق
القدم إذا شد بالشرج.
قوله: ومنها أن صاحب ((التخليص)) اشترط في الملبوس أن يكون حلالًا، لأن المسح على الخف رخصة، فلا تباح بالمعاصي، ويندرج في ذلك الخف المغصوب والمسروق.
ثم قال: لكن الذي عليه عامة الأصحاب: أنه لا يشترط ذلك، وصححه الغزالي. انتهى كلامه.
واعلم أن الغزالي في ((الوسيط)) قد رجح المنع فقال: إنه أحسن الوجهين.
وفي كلام ((الوجيز)) إشعار برجحانه- أيضًا- نعم، صرح في ((البسيط)) بالجواز، وعبر بلفظ ((الأصح))، فاعلمه، فيجوز أن يكون المصنف قد أراد الكتاب المذكور.
قوله: وفي المسح على الجرموقين قولان.
أحدهما: يجوز.
وهذا ما قاله في القديم و ((الإملاء))، واختاره المزني، ونص عليه في ((الأم))، لأنه قال فيه- كما حكاه البندنيجي
…
إلى آخره.
وهذا النقل عن ((الأم)) غلط عجيب، فإن المنصوص عليه فيها إنما هو المنع، وقد نبه على هذا الغلط في ((المطلب)).
قوله في المسألة: والثاني: لا يجوز.
ثم قال ما نصبه: وهذا ما نص عليه في الجديد و ((الأم)) كما قاله أبو الطيب، وهو الأصح. انتهى كلامه.
وهذا التعبير الذي نقله عن أبي الطيب يوهم أن القاضي قائل بأن ((الأم)) ليست من الكتب الجديدة- على وفق ما قاله الإمام- مع أن القاضي لم يذكر شيئًا يوهم ذلك أصلًا.
قوله: ولو كان الأسفل لو انفرد لا يمكن المسح عليه، والأعلى لو انفرد لأمكن المسح عليه- جاز المسح عليه قولًا واحدًا. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد رأيت في ((الاستذكار)) للدرامي فيه طريقين، ونقلهما- أيضًا- عنه النووي في ((شرح المهذب)).
قوله: التفريع: إن قلنا بالجواز ففي كيفية تنزيل الأسفل مع الأعلى ثلاثة معان عن ابن سريج حكاها البندنيجي وغيره:
أظهرهما: أن الأعلى بدل عن الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل.
والثاني: أن الأسفل كاللفافة، والخف هو الأعلى.
والثالث: أن الأسفل بمنزلة طاقة من طاقات الخف والبطانة له.
وبنى المراوزة على هذه المعاني فروعها، منها: إذا لبس الأسفل على الطهارة، ثم أحدث ومسح عليه، ولبس الأعلى- فقال الرافعي: إن منهم من بناه على المعاني، فقال: إن قلنا بالأول والأخير فله المسح عليه، وإن قلنا بالوسط فلا. وهذه طريقة القاضي حسين، وحاصلها وجهان حكاهما أبو الطيب وغيره، ومنهم من قال: إن قلنا بالوسط انبنى على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا: فإن قلنا: إنه يرفعه، جاز له المسح، وإلا فلا. انتهى.
وما نقله- رحمه الله عن اختيار القاضي الحسين لهذه الطريقة ليس كذلك، بل إنما اختار الطريقة التي تليها، وهي الجواز على الأول والأخير، وبناء الوسط على رفع الحدث، كذا ذكره في ((تعليقه)).
واعلم أن تعبيره عن الثلاث المتقدمة بـ ((المعاني)) قلد فيه الرافعي و ((الروضة)) مع أنها أوجه لابن سريج كذا صرح به جماعة منهم: الإمام في ((النهاية))، والروياني في ((البحر))، والعمراني في ((البيان))، والرافعي في ((الشرح الصغير)) فقال: فيه ثلاثة أوجه عن ابن سريج. هذه عبارته.
قوله: ومنها: لو تخرق الأسفل من إحدى الرجلين، فإن قلنا بالمعنى الأول قال في ((التهذيب)): نزع واحدة من الرجل الأخرى، كي لا يكون جامعًا بين البدل والمبدل، وليس كما إذا تخرق الأعلى من إحدى الرجلين، حيث جرى في لزوم النزع من الأخرى الخلاف الذي سلف، لأن ما لاقاه المسح هنا باقٍ، ولا كذلك ثم، فإنه الذي نزع فصار كالخف ينزع عن الرجل. انتهى كلامه.
وهذا الفرق الذي ذكره المصنف إنما ذكره للرد على كلام ذكره الرافعي، فإنه لما ذكر الحكم والتعليل السابقين عبر بقوله: كذا ذكره في ((التهذيب)) وغيره، ولك أن تقول: هذا المعنى موجود فيما إذا تخرق الأعلى من إحدى الرجلين، وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الأخرى، فليحكم بطردهما هاهنا. هذا كلام الرافعي، وهو كلام محقق متين، والفرق الذي ذكره المصنف غلط عجيب على العكس من المسألة، فإن الأعلى الذي حصل المسح عليه، وأشبه الخف الواحد المنزوع من إحدى الرجلين- هو الذي حصل فيه الخلاف، والتحتاني هو المجزوم به، فتوهم العكس حالة شروعه في الفرق.
واعلم أن كلام المصنف- تبعًا للرافعي- يوهم أن البغوي علل بالجمع بين البدل والمبدل، مع أن البغوي لم يذكر ذلك بالكلية، والمراد بالجمع: بالنسبة إلى المسح، لأن الخف الواحد الباقي على إحدى الرجلين مبدل عن الجرموق، والجرموق في الأخرى بدل عن الخف.
قوله: وقد قيد في ((الوجيز)) استحباب مسح الأسفل بما إذا لم يكن عليه نجاسة. وهذا منه تفريع على جواز الصلاة في الخف الذي أزيل جرم النجاسة عنه بمسحه على الأرض، وإلا فقد تقدم أن الخف المتنجس الذي لا تجوز الصلاة فيه لا يجوز المسح عليه. انتهى كلامه.
وهو عجيب، فإن الذي أفهمه كلامه المتقدم وكلام غيره إنما هو فيما إذا كان الخف جميعه متنجسًا، أما لو كان الأعلى طاهرًا والأسفل متنجسًا فإنه لا يمسح الأسفل، لما فيه من انتشار النجاسة، بل يمسح الأعلى فقط، ويصح مسحه، وحينئذ: فإذا أراد الصلاة: فإن كانت النجاسة مما يعفى عنها فواضح وإن لم يعف عنها أزالها بطريقها: إما بالماء على قولٍ، وإما بالدلك على آخر.
وقد أجاب الرافعي في كلام الغزالي بنحو ما ذكرته، فقال باحثًا في كلامه: ولا شك أنه إذا عند المسح على أسفل خفة نجاسة فلا يمسح عليه، لأن المسح يزيد فيها، والقول في أنه كيف يصلي فيه: أتتعين إزالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع، أم يكفي دلكه بالأرض- سيأتي في كتاب الصلاة، إن شاء الله تعالى.
هذا كلام الرافعي، وهو واضح. نعم، يتجه تخريج المسألة على أن المسح على الخف هل يرفع الحدث، أو لا يرفعه وإنما يبيح الصلاة؟ فإن قلنا بالأول- وهو ما صححه في ((الروضة)) من ((زوائده)) - فلا إشكال في صحة المسح مع نجاسة الأسفل، وإن قلنا بالثاني فيظهر بناؤه على أن من تيمم وعلى بدنه نجاسة: هل يصح أم لا؟ ويجوز أن يفرق بينهما.
قوله: فإن اقتصر على مسح القليل من أعلاه أجزأه، وإن اقتصر على ذلك من أسفله لم يجزئه على ظاهر المذهب، وقيل: يجزئه.
ثم قال بعد تقرير هذا الخلاف ما نصه: وقد جعل الرافعي محل الخلاف فيما يحاذي أخمص القدمين والكعبين، وقال: إنه لا كلام في أن ما يحاذي غير الأخمص وغير العقبين يجوز الاقتصار عليه، انتهى كلامه
وتعبيره بالكعبين هنا غلط، فإن الكعب هو العظم الناتئ بين مفصل الساق والقدم،
والصواب التعبير بالعقبين كما عبر به ثانيًا.
قوله: وإن ظهرت الرجل من الخف، أو انقضت مدة المسح- وهو على طهارة المسح- غسل القدمين في أصح القولين، واستأنف الوضوء في القول الآخر.
ثم قال: فعن ابن سريج وأبي إسحاق وابن أبي هريرة وجمهور البغداديين: أنهما مبنيان على القولين في تفريق الوضوء: فإن قلنا: يجوز، اقتصر على غسل القدمين، وإلا استأنف. وعن الشيخ أبي حامد والقفال وأصحابه: أنهما مبنيان على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا؟ وفيه قولان مستنبطان. انتهى.
وما نقله عن الشيخ أبي حامد من بنائهما على رفع الحدث ليس كذلك، بل الذي صححه إنما هو الأول، وهو البناء على تفريق الوضوء، كذا رأيته في ((تعليقه))، وعبر بلفظ ((الأصح))، إلا أنه صحح بعد ذلك استئناف الوضوء، على خلاف قضية البناء، فاعلمه.