الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب ما يفسد الصلاة
قوله: إذا أحدث في صلاته بطلت صلاته، لقوله- عليه الصلاة والسلام:((إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ، وليعد صلاته)) رواه أبو داود، وقال الترمذي: إنه حسن. ولا فرق في ذلك بين أن يفعله قصدًا أو سهوًا. ومن هنا يظهر لك أن ما يقع في بعض النسخ من تقييد البطلان بالحدث عامدًا لا صحة له.
ثم قال: وإن سبقه الحدث ففيه قولان
…
إلى آخره.
وما ذكره من فساد التعبير بالعمد عجيب فاسد، فإن المعتمد للحدث قد يكون عالمًا بكونه في الصلاة، وقد يكون ساهيًا، وفي كلا الحالين تبطل صلاته بلا خلاف، وإنما القولان إذا سبقه الحدث، وكأنه يوهم أن تعمد الحدث مقابله وقسيمه سهو الصلاة، وليس كذلك.
وقوله في الحديث: ((فسا)) هو بفتح الفاء وبعدها سين مهملة ثم ألف، أي: أخرج الريح، تقول منه: فسا فسوًا، والاسم: الفساء، بالمد.
قوله: ويجب على المصلي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تبطل بها الصلاة، وقيل: إنها لا تجب وتبطل الصلاة بها.
ثم قال: وألحق به أبو إسحاق إنذار الأعمى والصغير ونحوهما من الوقوع فيما يهلكه إذا لم يمكن الإنذار بغير الكلام، وهو الأصح في ((الحاوي)) واختيار جماعة، وقيل: إن ذلك لا يجب عليه، ولو فعله بطلت صلاته، كذا قاله في ((المهذب))، وغيره جزم بالوجوب وقال بالبطلان عند الإنذار، وفرق بين ذلك وبين إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد لا يقع فيما يخاف عليه الهلاك، وجزم به البندينجي، وقال الرافعي: إنه الأصح عند الأكثرين. انتهى كلامه.
وما نقله من حكاية خلاف في الوجوب غلط، وعزوه ذلك إلى ((المهذب)) غلط- أيضًا- فإن حاصل ما فيه إنما هو الجزم بالوجوب وحكاية الخلاف في البطلان، وقد صرح النووي في ((شرحه)) بذلك فقال: وجب الكلام بلا خلاف، وهل تبطل صلاته؟ فيه الوجهان. هذه عبارته.
قوله: أما لو تنحنح لامتناع القراءة إلا به فلا خلاف في أنها لا تبطل. انتهى.
أطلق المسألة، وصورتها في القراءة الواجبة، كما قاله في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وسكت عن حكم المستحبة، والقياس تخريجها على الخلاف في الجهر، والأصح فيه: أنه ليس بعذر.
قوله: وإن خطا ثلاث خطوات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات- بطلت صلاته، للإجماع على أن العمل الكثير يبطلها دون القليل، وليس لذلك ضابط، فرجع فيه إلى العرف، والعرف يعد الثلاث المتواليات كثيرة.
ثم قال: وما ذكره الشيخ من البطلان بالثلاثة هو طريقة الشيخ أبي حامد، ولم يخالف منطوقها أحد من الأصحاب. نعم، مفهومها يقتضي أن الخطوة والخطوتين والضربة والضربتين لا تبطل، وبه صرح الشيخ في الباب بعده. انتهى كلامه.
وما ادعاه من الاتفاق على البطلان بالثلاثة ليس كذلك، فإن لنا وجهًا حكاه الرافعي والمصنف وغيرهما: أن الكثير ما يسع زمانه ركعة، والقليل: ما لا يسع، ولا شك أن الثلاثة تنقص عن الركعة، والذي أوقع المصنف فيما وقع فيه: أن الرافعي ادعى ذلك، وأخرج القائل بالركعة، فذهل عنه وادعى التعميم، فراجعه.
قوله: وإن أكل عامدًا بطلت صلاته، لأنه يعد معرضًا عن الصلاة، ومنهم من لاحظ فيه كونه فعلًا ففرق بين القليل والكثير، قال الرافعي: والمرجع فيه على هذا قلة وكثرةً إلى العرف. وأفهم كلامه أن كلامهم عائد إلى قلة المأكول وكثرته، والذي يظهر على هذه الطريقة: أن يكون النظر إلى قلة الفعل والمضغ وكثرته. انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من أن كلامه يفهم أنه راجع إلى المأكول لا إلى الأكل غير صحيح، لأن الرافعي إنما فرضه في الأكل خاصة، وليس فيه ما يوهم اعتبار المأكول بالكلية، فراجع كلامه تجده كذلك. ثم إن الرافعي قد نص على أن مجرد المضغ إذا كثر يبطل وإن لم يصل بسببه شيء إلى الجوف، لأنه فعل من الأفعال، فإذا كان الرافعي يبطل بالفعل الكثير عند عدم وصول شيء إلى الجوف بالكلية، فبطريق الأولى مع حصول شيء.
قوله: ولا يدخل فيها وقد حضر العشاء ونفسه تتوق إليه، لقوله صلى الله عليه وسلم:((إذا قرب العشاء وقد حضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) رواه البخاري ومسلم. انتهى كلامه.
والتقييد بقوله: ((قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) من تفردات مسلم، ولم يروه البخاري.
قوله: ولست أعرف خلافًا أن الساهي البارق
…
إلى آخره.
يقال: برق البصر، يبرق، على وزن ((علم يعلم))، برقًا: إذا تحير، فهو بارق: أي متحير. متحير. وأما برق يبرق- كوزن ((خرج يخرج)) - فمعناه: تلألأ، والمصدر: البروق.
قوله: وإن سلم على المصلي فيستحب له الرد بالإشارة، وفي ((التتمة)): أن الأولى: ألا يرد حتى يفرغ. وفي ((الذخائر)): أنه حكى عن الشافعي أن الرد بالإشارة في الصلاة مكروه.
ثم قال: ولا يجب الرد في هذه الحالة، ولا بعد السلام بحال، لأن السلام لم يكن مشروعًا، بل قد نص الشافعي على كراهة السلام على الخطيب، قال ابن الصباغ: والمصلي أولى بذلك، ويشهد لكراهة ذلك قوه- عليه الصلاة والسلام ((غرار في الصلاة ولا تسليم)) أخرجه أبو داود. قال أحمد بن حنبل: معنى ذلك فيما أرى: لا تسلم ولا يسلم عليك. وقيل غيره. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في وجوب الرد غريب، فقد حكى الرافعي في كتاب السير وجهًا: أنه يجب الرد في الصلاة بالإشارة، ووجهًا آخر: أنه يجب الرد بعد السلام باللفظ.
واعلم أن الحديث الذي ذكر المصنف رواه البيهقي بهذا اللفظ، ورواية أبي داود:((في صلاة))، أعني بتنكير ((الصلاة)).
والغرار- بكسر الغين المعجمة وتكرير الراء المهملة-: هو النقصان. وقد اختلف العلماء في ضبط قوله: ((ولا تسليم)): فروى منصوبًا، ومجرورًا: فمن نصبه عطفه على ((غرار)) أي: لا غرار ولا تسليم في الصلاة، وهذا هو معنى ما نقله المصنف عن أحمد. ومن جره عطفه على ((صلاة))، أي: لا غرار في صلاة ولا في تسليم، وبهذا جزم الخطابي، ويؤيده ما جاء في رواية البيهقي:((لا غرار في تسليم ولا صلاة))، والغرار في التسليم: أن يسلم عليك إنسان فترد عليه أنقص مما قال بأن، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتقول: عليكم السلام، قال: وللغرار في الصلاة تفسيران:
أحدهما: ألا يتم ركوعها وسجودها ونحو ذلك.
والثاني: أن ينصرف وهو شاك: هل صلى ثلاثًا أو أربعًا مثلًا؟
قوله: وقول الشيخ: وإن بدره البصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه، وحك بعضه ببعض- عام في المصلي وغيره. انتهى.
والذي قاله ذهول، فإن الضمير في قوله: بدره، عام على المصلي، وكذلك
الضمائر التي قبله وبعده جميعها.
قوله: وإن كان في غير المسجد بصق على يساره أو تحت قدمه اليسرى، هذا الكلام ليس على التخيير، بل هو على حالين، ويدل عليه ما روى أبو داود عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام الرجل إلى الصلاة، أو: إذا صلى أحدكم- فلا يبزق أمامه ولا عن يساره، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به)) وأخرجه الترمذي وقال: إنه حسن. وعلى هذا يجب حمل كلام الشيخ، أيضًا. انتهى كلامه.
وهذا الكلام الذي ذكره عجيب جدًا، فإن الحديث صريح في التخيير، إلا أنه شرط في البصق على اليسار فراغه، وهذا لا شك فيه. وقول المصنف في الحديث:((ولا عن يساره)) سبق قلم، وصوابه: عن يمينه. والمحاربي: بالحاء والراء المهملتين وبالباء الموحدة.
قوله: ولو كان مروره من وراء السترة كره بلا خلاف كما أفهمه كلام الشيخ، لقوله صلى الله عليه وسلم:((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي)) أخرجه مسلم. انتهى كلامه.
وهذا الحديث ليس في ((صحيح)) مسلم، بل الذي فيه إنما هو الحديث المشهور الذي ذكر فيه:((أربعين خريفًا))، وكذلك في ((البخاري)) - أيضًا- نعم، روى ابن ماجه معناه من رواية أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ولفظه:((لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضًا في الصلاة، كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا)) قال ابن حبان: حديث صحيح.