الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب زكاة الفطر
قوله: فالفطرة- بكسر الفاء-: الخلقة، قال الله تعالى:{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30] أي: خلقته التي جبل الناس عليها. والفطرة- بضم الفاء-: اسم للمخرج في زكاة الفطر. انتهى.
وما ادعاه من أن ((الفطرة)) بالضم: اسم للمخرج، فهو شيء يستعمله عوام أهل العرف، والذي هو اسم للمخرج إنما هو بالكسر، وقد نقل النووي ذلك في ((شرح المهذب)) فقال ما نصه: ويقال للمخرج: فطرة، بكسر الفاء لا غير، وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة، بل اصطلاحية للفقهاء، وكأنها من ((الفطرة)) التي هي الخلقة، أي: زكاة الخلقة. هذا لفظه بحروفه.
وكأن الذي أوقع المصنف في هذا إنما هو ابن أبي الدم، فإنه قال في ((شرحه للوسيط)): فإن أثبت الهاء قال بعض المعتبرين في ذلك: هو بضم الفاء، وهو المشهور بين الفقهاء. هذا كلامه، وما نقله عن هذا المعتبر فليس بمعتبر، إذ لا ذكر له في كلامهم، وكأنه اعتمد فيه على ما شاع الآن.
قوله: لأن الشيخ أبا بكر بن الحداد قال: إذا كان له ولد صغير يملك قوت يوم العيد وليلته فلا يجب على الأب نفقته في ذلك اليوم، وتجب عليه فطرته، ولو فرضت هذه الصورة في الابن قال: لا تجب فطرته. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن أبي بكر ليس هو ابن الحداد- كما زعم المصنف- وإنما هو الصيدلاني، وقد صرح به هكذا جماعة منهم الرافعي وغيره، وليست هذه المسألة في كبت ابن الحداد، ولا عادة الأصحاب يعبرون عنه بالشيخ، وإنما يعبرون بذلك عن الصيدلاني، وسبب ما وقع فيه المصنف: أن الإمام في ((النهاية)) عبر بالشيخ أبي بكر، ولم يزد عليه، فتوهم المصنف أن المراد ابن الحداد فصرح به.
قوله: فلو فضل عن فطرته صاع، واستوى الباقون في الإنفاق فهل يقسم بينهم أو يتخير؟ فيه وجهان.
قال الرافعي: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره. انتهى.
وما نقله عن الرافعي ساكتًا عليه معتقدًا لصحته ليس كذلك، فقد صرح به منصور التميمي تلميذ الربيع صاحب الشافعي، كذا رأيته في كتابه المسمى بـ ((المسافر)) مستدركًا به على ما نقله عن الشافعي، فقال: إذا كان عنده ما يزكي به عن بعض من يموت زكى به عمن شاء منهم، قال منصور: بل يقرع بينهم فيزكي به عمن قرع أصحابه منهم، لأن كلًا ذو حق. هذه عبارته.
قوله: فإن قلت: إدراك آخر جزء من شهر رمضان لا يدرك إلا بغروب شمس ليلة العيد فلأي معنى قال- يعني الشيخ-: وغربت الشمس؟ قلت: ليبين لك أن مجموع الزمنين- أعني آخر جزء من رمضان، وأول جزء من ليلة العيد- هو سبب الوجوب. انتهى.
وما ذكره من أنه يلزم من إدراك أحد الزمنين إدراك الآخر ليس كذلك، ويظهر بالأمثلة مثل أن يقول لعبده: أنت حر في آخر جزء من رمضان، أو: في أول جزء من ليلة العيد، وكما لو علق طلاق زوجته على ذلك- أيضًا- وكان الطلاق بائنًا.
قوله: التفريغ: إن أوجبنا الفطرة بالغروب، فمات العبد أو الوالد بعد الغروب- لم تسقط، إلا إذا حصل قبل التمكن من إخراج الفطرة، فإن في سقوطها وجهين عن ابن سريح: أحدهما: نعم، كزكاة المال، والثاني: لا، لأنها تجب في الذمة، والذي أورده البندنيجي وصاحب ((البحر)) منهما: الثاني، أي: عدم السقوط. انتهى.
وما تحصل من كلامه من اقتصار المذكورين على الثاني غلط: أما البندنيجي فلم يذكر المسألة بالكلية، وقد اعتمدت في ذلك على نسخته التي كان ينقل منها، وأما صاحب ((البحر)) فقد حكى فيها الخلاف ناقلًا له عن ابن سريج، موافقًا لما حكاه هو قبل ذلك عن غيره، إلا أنه حكاه قولين، ذكره في وسط الباب، وعقد له فرعًا لا فصلًا.
قوله: والأفضل: أن تخرج قبل صلاة العيد.
ثم قال: لكن المراد بالقبلية؟ المذكور في ((التهذيب)): أنها تحصل بالتفرقة في ليلة العيد ويوم العيد قبل الصلاة، وقال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي: إن الأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة. وهو الذي يقتضيه ظاهر الخبر، وهو الأولى، للخروج من الخلاف في التعجيل. انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح قول هؤلاء على قول ((التهذيب)) صريح في ثبوت الخلاف في جواز التعجيل في ليلة العيد، وهو لم يتعرض في هذا الكتاب لحكايته، بل صرح
بعد ذلك بأنه لم ير خلافًا فيما قبلها من أيام رمضان، فضلًا عن ليلة العيد.
قوله: أما إذا قلنا: وقت وجوب زكاة الفطر طلوع الفجر، فلا سبب لها إلا واحد.
ثم قال: وقضية ذلك ألا يجوز التعجيل، لأن ما له سبب واحد لا يجوز تعجيله عليه، وهذا لم أره لأحد من الأصحاب، غير أن البندنيجي والماوردي حكيا أن أبا عبيد بن حربويه من أصحابنا قال: لا يجوز تعجيل زكاة المال أصلًا، وذلك في زكاة الفطر أولى، لأنها فرعه. انتهى كلامه.
وما ذكره استنباطًا وادعى أنه لم ير لأحد ما يوافقه، عجيب، فإنه موجود مصرح به، كذا صرح به الروياني في ((البحر)) في باب تعجيل الزكاة، ولم يقف عليه النووي- أيضًا- حتى ادعى في ((شرح المهذب)) نفي الخلاف فيه.
قوله: فإن أخرجها في يوم الفطر بعد الصلاة أجزأ مع الكراهة، كما قال القاضي أبو الطيب، لما ذكرناه من خبر ابن عباس، وقال البندنيجي: إنه يكون تاركًا للأفضل. وهو ما يقتضيه كلام الشيخ. انتهى كلامه.
واعلم أن ترك الأفضل لا ينافي القول بالكراهة، وقد رأيت في ((الذخيرة)) للبندنيجي أن تأخيرها عن الصلاة مكروه، وحينئذ فلا خلاف بينه وبين القاضي، لأن تعبيره في كتاب آخر بكونه تاركًا للأفضل لا ينافيه كما قلناه، بل يستلزمه، فاعلمه! ورأيت الكراهة- أيضًا- مصرحًا بها في ((المقنع)) للمحاملي وفي ((المجموع)) له، ونقله صاحب ((الذخائر)) عن الشيخ أبي حامد. نعم، صرح الطبري في ((العدة)) وصاحب ((الاستقصاء)) بأنه لا كراهة فيه.
قوله: ولو مات بعد الوجوب والتمكن وقبل انقضاء يوم العيد، فالذي أطلقه الأصحاب الاستقرار. قلت: وهل يأثم؟ يظهر تخريجه على ما لو مات في أثناء وقت الصلاة وقد تمكن من فعلها، لأن الشرع جعل وقتها موسعًا كوقت الصلاة. انتهى كلامه.
وفيما ذكره بحثًا أمران:
أحدهما: أن المستحب- كما قاله الأصحاب، وصرح به المصنف قبل ذلك- إخراج زكاة الفطر في يوم العيد قبل الصلاة، وحينئذ فكيف يتعقل أننا نأمره بالتأخير عن الغروب إلى صبيحة العيد، ثم نحكم عليه إذا مات بعد الغروب، بسبب تأخيره الذي أمرناه، وحدوث أمر ليس في اختياره؟! بخلاف الصلاة، فإنه مأمور بإيقاعها في أول الوقت، فإذا أراد التأخير جوزناه بشرط سلامة العاقبة على
رأي. نعم، إن فرض موته بعد طلوع الفجر احتمل أن يجئ ما قاله.
الأمر الثاني: أن هذا التخريج لا يستقيم في يوم العيد أيضًا، لأن الصلاة لا يمكن تداركها، فحكمنا بالعصيان على وجهٍ، وأما هاهنا فالتدارك ممكن، ومع ظهور الفارق لا يصح التخريج.
فإن قيل: التدارك ممكن في الحج، ومع هذا حكمنا بعصيانه؟
قلنا: الفرق من وجهين:
أحدهما: أن مباشرته للحج بنفسه واجبة، وقد فوتها، بخلاف تفرقة الزكاة.
الثاني: أن الوقت في الحج قد خرج، بخلاف ما نحن فيه.
قوله: ولو كان أهل الحضر يقتانون الأقط لا غير لم يجزئهم الأقط بلا خلاف، لأنه نادر، قاله الماوردي، وحكى الرافعي في كتاب الظهار: أنا إذا جوزنا الأقط في الكفارة فهل يختص بأهل البادية أو يعم الحاضر والبادئ؟ على وجهين، ولا بعد في مجيئها هاهنا. انتهى كلامه.
وحاصله: أنه لم يقف إلا على ما قاله الماودري من التخصيص، وأن التعميم محتمل، وهذا الذي ذكره غريب، فإن الجمهور قد قالوا به، ونقله عنهم النووي في ((شرح المهذب)) فقال: الذي قاله الماودري شاذ، والصحيح الذي قطع به الجمهور: أنه لا فرق. هذا كلامه، وتعليل الماوردي بكونه نادرًا يشير على أن الصورة النادرة لا تدخل في العموم، وفيه خلاف للأصوليين أوضحته مع فروعه في كتابنا المسمى بـ ((التمهيد في تخريج الفروع على القواعد الأصولية)).
قوله: وتجب الفطرة مما يقتات به من هذه.
ثم قال: وقيل: من غالب قوت البلد بالقياس على الكفارة، والعبرة بالغالب في وقت الوجوب لا في جميع السنة، صرح به في ((الوسيط))، قال الرافعي: ولم أظفر بهذا التقييد في كلام غيره. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من الاتفاق في الكفارة على اعتبار الغالب حتى يرد على باقي الأقوال بالقياس عليها، غفلة أوقعه فيها تباعد ما بين البابين، ففي كتاب الظهار من ((الرافعي)) وغيره: أنها على هذه الأوجه الثلاثة، وذكر المصنف منها وجهين.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الرافعي من عدم الظفر بهذا التقييد، واقتضاء كلامه
الموافقة عليه، عجيبٌ، فقد صرح به أيضًا صاحب ((الذخائر))، وقد تعرض السرخسي في ((الأمالي)) لذلك- أيضًا- فقال: لو اختلف القوت بالأوقات: فإن خرج من الأعلى أجزأه وكان أفضل، وإن أخرج من الأدنى أجزأه- أيضًا- في أصح القولين، لدفع الضرر، والثاني: لا، احتياطيًا. انتهى. وحاصله: أن الاعتبار بالاقتيات في وقت من الأوقات، وقال النووي في ((شرح المهذب)): الصواب: أن المراد قوت السنة. قال: وبهذا قال السرخسي. وذكر ما سبق نقله عنه، وليس مطابقًا له كما أوضحناه.
قوله: فإن عدل عن القوت الواجب إلى ما هو دونه ففيه قولان، أحدهما: لا يجزئه، لأنه إضرار بالمستحقين، وهذا ما أورده الماوردي لا غير. انتهى كلامه.
وما نقله عن الماودري من اقتصاره على عدم الإجزاء مردود، فإنه حكى في الكفارات وجهين فيما إذا عدل عن الواجب إلى ما هو دونه في الكفارة، ثم جعل الفطرة كالكفارة.