المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب كفارة القتل - تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي - جـ ٣

[ابن العراقي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجِنايات

- ‌فصل [في اشتراك اثنين في فعل مزهق]

- ‌فصل [في قتل من ظن كفره]

- ‌فصل [في تغير حال المجني عليه من وقت الجناية]

- ‌فصلٌ [شروط قود الأطراف والجراحات وما يتعلق بها]

- ‌بابُ كيفيّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه

- ‌فصلٌ [في الاختلاف]

- ‌فصلٌ [ثبوت حق القصاص للوارث]

- ‌فصلٌ [موجب العمدِ القودُ]

- ‌كتابُ الدّيات

- ‌فصلٌ [في الشجاج التي تجب فيها الحكومة]

- ‌فَرْعٌ [في دية المعاني]

- ‌فرعٌ [تداخل ديتين فأكثر]

- ‌فصلٌ [فيما تجب فيه الحكومة وقدرها]

- ‌باب ما تجب به الدّية من الجنايات

- ‌فصل [في الاصطدام]

- ‌باب العاقلة

- ‌فصلٌ [جناية العبد وتعلقها برقبته]

- ‌تَنْبِيهٌ [لو كان العبد المأمور بجناية مرهونًا مقبوضًا بالإذن]

- ‌بابُ ودية الجنين

- ‌بابُ كفّارة القتل

- ‌فَصْلٌ [ما يثبت به موجب القصاص]

- ‌كتابُ البُغاة

- ‌بابُ أدب السلطان

- ‌كتابُ الرِّدَّة

- ‌كتابُ الزِّنا

- ‌كتابُ حَدِّ القّذْف

- ‌كتابُ قطع السّرقة

- ‌فَصْلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]

- ‌فَصْلٌ [إقامة الحد على الذِّمِّيُّ والمعاهد]

- ‌فَصْلٌ [فيما تثبت به السرقة]

- ‌فَصْلٌ [في صفة القطع وما يتعلق بها]

- ‌كتابُ قاطع الطَّريق

- ‌فَصْلٌ [في اجتماع الحدود]

- ‌كتاب الأشربة

- ‌بابُ التَّعزير

- ‌كتابُ الصِّيال وضمان الولاة

- ‌فَصْلٌ [ضمان الولاة]

- ‌فَصْلٌ [ضمان الدواب والبهائم]

- ‌كتاب السير

- ‌فصل [في الاستعانة على الغزو]

- ‌فصل [حكم أسرى الكفار]

- ‌فصل [في الأمان]

- ‌فصل [في الجزية]

- ‌فصل [جملة من أحكام عقد الذمة]

- ‌باب الهدنة

- ‌كتابُ الصَّيُد والذّبائح

- ‌فصَلٌ [في بعض شروط الآلة والذبح والصيد]

- ‌فصَلٌ [فيما يملك به الصيد]

- ‌كتابُ الأضحية

- ‌بابُ العَقِيقة

- ‌كتابُ الأَطعِمة

- ‌كتاب المسابقة والمناضلة

- ‌تَنْبِيْهٌ [في بقية شروط المسابقة]

- ‌تَنْبِيْهٌ [لا تتعين صفات الرمي بالشرط]

- ‌كتابُ الأَيْمان

- ‌بابُ من يصح يمينه وما يصح به اليمين

- ‌كتابُ كفّارة اليمين

- ‌بابُ جامع الأيمان

- ‌فَصْلٌ [في أنواع من الحلف على الأكل وعدمه]

- ‌فَصْلٌ [في أنواع من الأيمان]

- ‌فَصْلٌ [فيما لو حلف على أمر فوكل غيره حتى فعله]

- ‌كتابُ النَّذْر

- ‌فصلٌ [في نذر المشي إلى مكة أو الحج والعمرة وما يتعلق به]

- ‌كتابُ القضاء

- ‌فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]

- ‌فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

- ‌فصلٌ [في التسوية بين الخصمين وما يتبعها]

- ‌بابُ القضاء على الغائب

- ‌تَنْبِيْهٌ [لو أقام قيم الطفل بينة على قيم طفل آخر]

- ‌فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

- ‌فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

- ‌بابُ القِسْمَة

- ‌كتابُ الشهادات

- ‌فصلٌ [فيما يحكم به بشهادة رجل واحد]

- ‌تَنْبِبيهٌ [أقسام المشهود به]

- ‌فَصْلٌ [في تحمل الشهادة في النكاح وغيره]

- ‌فَصْلٌ [في الشهادة على الشهادة]

- ‌فَصْلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

- ‌كتابُ الدعوى والبيّنات

- ‌فَصْلٌ [فيما يترتب على سكوت المدعى عليه عن جواب الدعوى]

- ‌تنبيه [على وجوب اليمين وعدمه]

- ‌فصل [متى تغلظ يمين المدعي والمدعى عليه

- ‌فصل [في تعارض البينتين]

- ‌فصل [في اختلاف المتداعيين في العقود]

- ‌كتابُ إلحاق القائف

- ‌كتابُ العِتْق

- ‌فصَلٌ [في العتق بالبعضية]

- ‌فصَلٌ [في العتق في مرض الموت]

- ‌بابُ الولاء

- ‌كتابُ التَّدبير

- ‌كتابُ الكِتابة

- ‌فصل [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]

- ‌فصل [في بيان لزوم الكتابة]

- ‌فصلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدةِ الصحيحةَ]

- ‌كتابُ أمّهات الأولاد

- ‌خاتمة النسخة

- ‌خاتمة النسخة (ج)

- ‌خاتمة النسخة (د)

- ‌أهم مصادر ومراجع التحقيق

الفصل: ‌باب كفارة القتل

‌بابُ كفّارة القتل

4900 -

قول "الحاوي"[ص 548، 551]: (معقِّب تلفِ معصومٍ يوجب الكفارة في النفس) قد يرد عليه نساء أهل الحرب وصبيانهم؛ فإنه لا كفارة بقتلهم مع تحريمه، وقد صرح به "المنهاج"(1)، وأشار إليه "التنبيه" بقوله [ص 229]:(إذا قتل من يحرم قتله لحق الله) فإن تحريم قتل هؤلاء إنما هو لحق المسلمين، وقد يقال: من هو كذلك لا يطلق عليه أنه معصوم؛ ولذلك لا يتعلق به ضمان، وظاهر كلامهم: وجوبها على الفور، وحكي الرافعي عن المتولي: أنها ليست على الفور، وهو المشهور في المذهب كما قال في "الكفاية".

ويستثنى من كلامهم: الجلاد إذا جرى على يده قتل بغير حق بأمر الإمام مع جهل الجلاد بالحال .. فلا كفارة عليه كما جزم به في "الروضة" وأصلها في قتل الحامل؛ وعلله: بأنه سيف الإمام وآلة سياسته (2).

4901 -

قول "المنهاج"[ص 494]: (وإن كان القاتل صبيًا، ومجنونًا) قد يفهم إعتاق الولي عنهما من مالهما، وبه صرح في "أصل الروضة" هنا (3)، لكن يخالفه قوله في (الصداق): لو لزم الصبي كفارة قتل فأعتق الولي عنه عبدًا لنفسه .. لم يجز؛ لأنه يتضمن دخوله في ملكه وإعتاقه عنه، وإعتاق عبد الطفل لا يجوز (4).

4902 -

قوله: (وعامدًا، أو مخطئًا)(5) و"التنبيه"[ص 229]: (عمدًا أو خطأ) كان ينبغي أن يذكرا شبه العمد.

4903 -

قول "المنهاج"[ص 494]: (ومتسببًا) كان ينبغي أن يذكر الشرط كما فعل "الحاوي"(6)، إلا أن يدعي دخوله في السبب بتأويل.

4904 -

قول "المنهاج" في المقتول [ص 494]: (وذمي) كان ينبغي ذكر المستأمن أيضًا، وقد دخل في قول "التنبيه" [ص 229]:(من يحرم قتله لحق الله) و"الحاوي"[ص 548]: (بإيمان وأمان)، وقد دخل في عبارتهم الإذن في قتل نفسه، صحت الكفارة بقتله في الأصح، وقد يفهم قول "المنهاج" فيما تقدم: أنه هدر خلافه.

(1) المنهاج (ص 494).

(2)

فتح العزيز (10/ 274)، الروضة (9/ 228).

(3)

الروضة (9/ 380).

(4)

الروضة (7/ 274).

(5)

انظر "المنهاج"(ص 494).

(6)

الحاوي (ص 549).

ص: 141

4905 -

قول "المنهاج" عطفًا على المنفي [ص 494]: (وباغ) أي: في حالة القتال، وقد يفهم أن الباغي إذا قتل العادل في حالة القتال .. لزمته الكفارة، والأصح: خلافه، فكان ينبغي أن يقول:(وباغ وعادل في القتال) لكن نقل شيخنا الإمام البلقيني عن النص: أنه لا يلزم الباغي الكفارة ولو قتل في غير حالة القتال مع وجود المنعة والتأويل، وسيأتي ذلك في (قتال البغاة).

4906 -

قول "التنبيه"[ص 229]: (وإن اجتمع جماعة في قتل رجل واحد .. وجب على كل واحد منهم كفارة، وقبل: فيه قول آخر: أنه يجب عليهم كفارة) يقتضي أن في المسألة طريقين:

أحدهما: حاكية لقولين، وأن الراجح: طريقة القطع، والمنقول في "الروضة" وأصلها: أن الخلاف وجهان (1)، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 494]:(وعلى كل من الشركاء كفارةٌ في الأصح) لكن قال الماوردي: إن وجوب كفارة على كل واحد هو منصوص الشافعي في كتبه (2).

4907 -

قول "التنبيه"[ص 229]: (فإن لم يستطع - أي: الصيام - .. ففيه قولان، أحدهما: يطعم ستين مسكينًا كل مسكين مدًا من طعام، والثاني: لا يطعم) الثاني هو الأظهر، وعليه مشي "المنهاج" هنا و"الحاوي" في (كفارة الظهار)(3)، وعلى هذا: فلو مات قبل الصوم .. أخرج من تركته لكل يوم مد، لا بطريق البدلية، بل كمن فاته صوم شيء من رمضان.

* * *

(1) فتح العزيز (10/ 536)، الروضة (9/ 381).

(2)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 68).

(3)

الحاوي (ص 523)، المنهاج (ص 494).

ص: 142

بابُ (1) ودعوى الدّم والقسامة

4908 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (يُشترط أن يُفصِّل ما يدعيه من عمدٍ وخطأٍ) كان ينبغي أن يقول: (وشبه عمد). كما ذكره "التنبيه" و"الحاوي"(2).

4909 -

قولهما: (وانفرادٍ وشركةٍ)(3) إن أريد: تفصيل الشركة ببيان عدد الشركاء .. فالأصح: أنه يجب في القتل الموجب للقود، وإن أريد: إطلاقها .. ورد أنه لا خلاف في البيان فيما يوجب الدية؛ ولذلك قال "الحاوي"[ص 665]: (بحصر لا في العمد).

4910 -

قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فإن أطلق .. استفصله القاضي)(4) قد يفهم وجوبه، والذي في "أصل الروضة ": الصحيح المنصوص، وبه قطع الجمهور: يستفصل، وربما وجد في كلام الأئمة ما يشعر بوجوب الاستفصال، وإليه أشار الروياني، وقال الماسرجسي: لا يلزم الحاكم أن يصحح دعواه، ولا يلزمه أن يستمع إلا إلى دعوى محرره، وهذا أصح. انتهى (5).

وعبارة الشافعي رضي الله عنه: (وينبغي للحاكم)(6)، وقال الماوردي: يلزم الحاكم الاستفصال في العمد وشبه العمد، وحكي وجهين في الخطأ، وصحح: أنه يلزمه (7).

وهل يختص هذا الاستفصال بالدماء؛ لخطرها، أو يتعدي إلى غيرها من الدعاوي؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه محتمل، والقياس: الثاني، وظاهر كلامهم: أنه لا يكتفي بكتابة رقعة بالمدعي والدعوي بما فيها، وفيه وجهان في "الكفاية".

4911 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (فلو قال: "قتله أحدهم" .. لم بحلفهم القاضي في الأصح) لو قال: (لم يسمع الدعوي) .. لكان أولي، مع أنه مفهوم من اشتراط تعيين المدعي عليه، ومن قوله بعده:(ويجريان في دعوي غصب)(8) وعبارة "الحاوي"[ص 665]: (على معين) وهو مفهوم من قول "التنبيه"[ص 261]: (وإن ادعى قتلًا .. ذكر القائل).

(1) في (د): (كتاب).

(2)

التنبيه (ص 261) ، الحاوي (ص 665).

(3)

انظر "التنبيه"(ص 261)، و"المنهاج"(ص 495).

(4)

انظر "التنبيه"(ص 261)، و"الحاوي"(ص 665)، و"المنهاج"(ص 495).

(5)

الروضة (10/ 4).

(6)

انظر "الأم"(6/ 93).

(7)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 36).

(8)

المنهاج (ص 495).

ص: 143

ويستثنى من كلامهم: ما إذا ظهر لوث في حق جماعة .. ففي "أصل الروضة" في أول مسقطات اللوث: أنه لو قال: (القاتل أحدهم ولا أعرفه) .. فلا قسامة، وله تحليفهم، فإن حلفوا إلا واحدًا .. فنكوله يشعر بأنه القاتل، ويكون لوثأ في حقه، فإذا طلب المدعى أن يقسم عليه .. مكن منه على الأصح. انتهى (1).

فيستفاد من قوله: (وله تحليفهم) سماع الدعوي مع الإيهام؛ فإن التحليف فرع الدعوي، لكن في "المهمات" أن المذكور هناك خلاف الصحيح، وأن الرافعي قلد فيه الغزالي ذاهلًا عما تقدم، والغزالي ممن يصحح سماع الدعوى على غير معين.

4912 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (ويجريان في دعوي غصبٍ وسرقةٍ وإتلافٍ) ضابطه: أن يكون سبب الدعوي ينفرد به المدعي عليه، فيجهل تعيينه، بخلاف دعوي القرض والبيع وسائر المعاملات؛ لأنها تنشأ بالاختيار.

قال شيخنا الإمام البلقيني: ولو نشأت عن معاملة وكيله أو عبده المأذون وماتا، أو صدرت عن مورثه .. احتمل إجراء الخلاف للمعنى، واحتمل ألا يجري؛ لأن أصلها معلوم، قال: ولم أر من تعرض لذلك.

4913 -

قوله: (وإنما تسمع من مكلف ملتزم)(2) لا يختص ذلك بدعوي الدم، بل يأتي في كل دعوي، وعلى ذلك مشي "الحاوي"(3)، وأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمرين:

أحدهما: أن المعاهد ليس بملتزم؛ ولهذا لا يقطع بالسرقة على الأظهر، ولا توقف في سماع دعواه بماله الذي استحقه على مسلم أو ذمي أو مستأمن مثله، ولا في دعواه دم مورثه الذمي والمستأمن.

ثانيهما: أن امتناع سماع دعوي الحربي لا يتحقق؛ لأنه إن كان مع استحقاقه لما يدعي من دم ذمي أو معاهد ورثه في حال ذمته، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، ثم جاء يطلب مستحقه .. فطلبه لذلك يؤمّنه، فتنتفي الحرابة، وإن كان لأنه لا يستحق شيئًا من ذلك .. فممنوع؛ فقد يستحقه في حال ذمته ثم ينقض العهد ويلتحق بدار الحرب، بل ويستحقه في حرابته، فإذا اقترض حربي من حربي أو اشتري منه ثم أسلم المقترض أو المشتري، أو دخل إلينا بأمان .. فالمنصوص المعتمد: أن دين الحربي باقٍ، ولو اقترض منهم مسلم في دار الحرب شيئًا أو اشتراه ليبعث إليهم ثمنه، أو أعطوه شيئًا ليبيعه بدار الإسلام ويبعث ثمنه إليهم .. لزمه ذلك،

(1) الروضة (10/ 12).

(2)

انظر "المنهاج"(ص 495).

(3)

الحاوي (ص 665).

ص: 144

وحينئذ .. فتسمع دعوى الحربي بذلك، لكنه يصير في أمان بطلب ذلك كما تقدم.

وبتقدير تسليم أنه لا يستحق شيئًا من ذلك .. فإخراجه من الدعوي ليس من جهة الالتزام، بل لأنه لم يثبت له حق، وفي "المهمات": أن قول الرافعي والنووي: أنه لا تسمع دعوي حربي (1) ذهول عن قواعد مذكورة في السير؛ فقد نصوا هناك على أن الحربي لو دخل إلينا بأمان وأودع عندنا مالًا ثم عاد للاستيطان .. لم ينتقض الأمان فيه على الصحيح، حتى لو كان من ذلك عبد كافر فقتله كافر .. طالبه الحربي بالقصاص أو الدية، وكذا لو أسلم العبد ولم يتفق بيعه فقتله مسلم، ثم ذكر ما تقدم من اقتراض حربي أو مسلم، من حربي شيئًا، وعبارة "التنبيه" [ص 261]:(لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدعيه) وأورد عليه أمور (2):

أحدها: أنه تسمع دعوي السفيه بالمال الثابت له بسبب الجناية، فإذا آل الأمر إلى القبض .. قبضه الولي كما في "أصل الروضة" في دعوي الدم (3)، وهو مقتضي كلام "المنهاج" و"الحاوي"، ونقل ابن الرفعة عن القاضي حسين: أنها لا تسمع.

ثانيها: دعوي الرقيق العتق أو تعليقه بصفة أو الاستيلاد أو التدبير .. فالمذهب في زيادة "الروضة" في آخر الباب الأول من (الدعاوي): أنها تسمع.

ثالثها: دعوي المرأة النكاح؛ فإنها غير مطلقة التصرف فيه، والمنقول: الصحة إن اقترن بها دعوي حق من حقوق الزوجية؛ كمهر ونفقة وغيرهما، وكذا إن لم تقترن في الأصح.

رابعها: دعوي الحسبة فيما تقبل فيه شهادة الحسبة، فيه وجهان حكاهما الرافعي في (الشهادات)، لكن جزم في (الدعاوي) بأنها لا تسمع (4)، وهو المعتمد، وإن أوهم كلامه في السرقة خلافه؛ فهو مُأَوَّل.

خامسها: دعوي المفلسِ المالَ مسموعة.

سادسها: حكي في "التوشيح" عن والده: أنه كان يسمع دعوي كل مستحقي الوقف وإن لم يكن ناظرًا، قال: وفي "تعليقة القاضي الحسين" بعد أن ذكر ما إذا ادعى المدعي أن هذه الدار وقف عليَّ: له أن يجيء كل شهر ويدعي عليه أجرة الدار، فيقول: أستحق عليه كذا وكذا درهمًا ما يكون أجرة مثل تلك الدار.

4914 -

قول "المحرر": (ولا تسمع الدعوى على الصبي والمجنون، وتسمع على المحجور

(1) انظر "فتح العزيز"(11/ 6)، و "الروضة"(10/ 5).

(2)

في (د): (وأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمور).

(3)

الروضة (10/ 5).

(4)

انظر "فتح العزيز"(11/ 61)، (13، 36).

ص: 145

عليه بالفلس والسفه والرق) (1) عدل عنه "المنهاج" إلى قوله [ص 495]: (على مثله) أي: مكلف ملتزم، ولم يتعرض في "الروضة" وأصلها لاشتراط الالتزام في المدعي عليه، وكذا لم يتعرض له "الحاوي"، بل اقتصر على التكليف (2).

وقال شيخنا الإمام البلقيني: تصح الدعوى على المستأمن وإن لم يكن ملتزمًا، وكذا على الحربي بإتلاف في حال التزامه، ولا تصح الدعوى عليه بإتلاف في حال حرابته. انتهى.

ومقتضى كلام "المنهاج": سماع دعوى الدم على السفيه، وبه صرح في "المحرر"، وفيه تفصيل، وهو أنه إن كان هناك لوث .. سمعت، ويقسم المدعي، وإلا؛ فإن ادعى ما يوجب القصاص .. سمعت؛ لأن إقراره به مقبول، وإلا .. سمعت أيضًا، ثم إن قبلنا إقراره بالإتلاف .. حكم عليه إن أقر أو بالبينة، وإلا - وهو الأصح - .. حكم عليه بالبينة إن أنكر، وله أن يحلفه إن قلنا: يمين الرد كالبينة، فربما نكل، وإن قلنا: كالإقرار .. فلا في الأصح، كذا في "الروضة" وأصلها (3)، وذكر شيخنا الإمام أمرين:

أحدهما: أنا إذا فرعنا على أن إقرار السفيه بالإتلاف لا يقبل .. لم تسمع الدعوى، وقال: إنه قضية البناء المعتبر، ثم قال: ولو قيل: تسمع الدعوى؛ فإن قامت البينة .. فذاك، وإن لم تقم البينة وحلف السفيه .. انقطعت الخصومة، وإن لم يحلف ونكل .. لم ترد اليمين .. لكان له وجه.

ثانيهما: أنا إذا جعلنا النكول مع اليمين المردودة كالبينة .. فهو تقديري لا يتعدي إلى ثالث على المشهور، ومال السفيه بمنزلة الثالث، فلا يؤخذ بمجرد البينة التقديرية.

4915 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (ولو ادعى انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر .. لم تُسمع الثانية) أحسن من قول "الحاوي"[ص 665]: (كانفراده بقتل ثم شركة آخر) لتناول الأولى دعواه على آخر انفرادًا، فلو قال "الحاوي":(ثم آخر) .. لتناول الشركة والانفراد، وكان أخصر وأعم كـ "المنهاج".

ويستثنى من كلامه: ما إذا صدقه الثاني .. فإنه يؤاخذ بإقراره وتسمع الدعوى عليه على الأصح في "أصل الروضة"(4)، ولهذا قال في "الحاوي" [ص 665]:(ويؤاخذ المصدق)، وقد يفهم كلامهما بقاء الدعوى الأولى بحالها، وليس كذلك، فلو لم يقسم على الأول ولم يمض حكم .. لم

(1) المحرر (ص 418).

(2)

الحاوي (ص 665).

(3)

فتح العزيز (11/ 8)، الروضة (10/ 6).

(4)

الروضة (10/ 7).

ص: 146

يمكن العود إليه، جزم به في "الروضة" وأصلها (1)، وسكت عما إذا كان ذلك بعد الحكم وأخذ المال.

وقال فيه شيخنا الإمام البلقيني: إن قال: إن الأول ليس قاتلًا .. رد عليه المال، وإن قال: إنهما مشتركان فيه .. فهل يرد القسط فقط، أو نقول: يرتفع ذلك من أصله وتنشأ أقسامه على الاشتراك الذي ادعاه آخرًا؟ هذا موضع تردد، وقياس الباب: الثاني.

وفي "أصل الروضة" لو قال: ظلمته بالأخذ .. سئل؛ فإن قال؛ كذبت في الدعوى وليس قاتلًا .. رد المال، وإن قال: أردت أن معتقدي أن المال لا يؤخذ بيمين المدعي .. لم يرده؛ لأن النظر إلى عقيدة الحاكم دون الخصم (2).

قال شيخنا الإمام البلقيني: فإن مات ولم يسأل .. فالظاهر أن الوارث يرد المال، ولم يتعرضوا له.

4916 -

قول "الحاوي"[ص 665]: (وإن فسّر بغيرٍ) أعم من قول "المنهاج"[ص 495]: (أو عمدًا ووصفه بغيره) لتناول الأول ما إذا ذكر خطأ أو شبه عمد وفسره بعمد، وحكم الكل واحد، وقول "المنهاج" [ص 495]:(لم يبطل أصل الدعوى في الأصح) و"الحاوي"[ص 665]: (بقي أصلها) قد يفهم بطلان الوصف، وأنه لا بد من دعوي جديدة، وليس كذلك؛ فالذي في "الروضة" وأصلها: أنه يعتمد تفسيره ويمضي حكمه (3)، وكان ينبغي أن يقول "المنهاج":(بطلت الدعوى بالعمد، وبقيت الدعوى بما فسره) و"الحاوي": (بقي أصلها بما فسره).

ودخل في عبارة "المنهاج" تفسير العمد بالخطأ وبشبه العمد، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الموجود في كلام الأصحاب تخصيص الخلاف بما إذا ادعى العمد ثم فسر بعمد الخطأ، إلا الماوردي؛ فإنه جعل الخلاف في التفسير بالخطأ، وعندي أنه تترتب الثانية على الأولى، فإن منعنا في الأولى .. ففي الثانية أولي، وإن جوزنا في الأولى .. فهنا وجهان؛ لأن العمد قد يلتبس بعمد الخطأ، بخلاف الخطأ المحض، والأصح: أنه يقسم؛ لاشتراكهما في الرجوع من الأغلظ إلى الأخف.

ونازع شيخنا فيما إذا ادعى خطأ وفسر بعمد؛ فإنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى، ومقتضى إيجاب القصاص على قول في القسامة أو في غير اللوث باليمين المردودة، وذلك شديد المنافاة للخطأ، فيرتب هذا على عكسه، وأولى بألَّا يقسم، قال: ولم يفصلوا بين العارف، فلا يقبل منه

(1) فتح العزيز (11/ 9)، الروضة (10/ 7).

(2)

الروضة (10/ 7).

(3)

فتح العزيز (11/ 10)، الروضة (10/ 7).

ص: 147

الانتقال إلا إذا ادعى سبق لسان ونحوه، وبين غيره، فيقبل منه، ولا بين أن يذكر تأويًا أو لا، وللنظر فيه مجال بمقتضي النظائر. انتهى.

4917 -

قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وتثبت القسامة في القتل بمحل لوث)(1) محله: ما إذا لم يُعرف أن القاتل غير المدعى عليه ببينة أو إقرار أو علم الحاكم، قيده بذلك شيخنا الإمام البلقيني، وهو واضح؛ ويدل له ما ذكره في "الروضة" وأصلها في مسقطات اللوث: أنه لو قامت بينة بعد إقسام المدعي، وحُكْم القاضي بموجب القسامة على أن القاتل غيره .. نقض الحكم واسترد المال (2)، ويوافقه قول "الحاوي" [ص 686]:(إنه لو قامت بينة بغيبته .. نقض الحكم بها).

4918 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (وهو: قرينة لصدق المدعي) أحسن من قول "التنبيه"[ص 266]: (واللوث: أن يوجد القتيل في محلة أعدائه

إلى آخره) لإيهامه الانحصار فيما ذكر، مع أنه لا ينحصر فيه، ومع ذلك فأورد عليه شيخنا البلقيني: أنه لا يكفي مطلق قرينة لصدق المدعي، بل لا بد فيها من أن يغلب ويوقع في القلب صدقه، وحكي نصوصًا للشافعي توافقه، وكلامًا للماوردي يدل عليه، ويوافقه قول "أصل الروضة": إنه قرينة تثير الظن وتوقع في القلب صدق المدعي (3)، و"الحاوي" [ص 685]:(قرينةٌ مغلّبةٌ) ولا يرد ذلك عندي على "المنهاج" فإنها لا تكون قرينة لصدقه إلا مع الغلبة والوقوع في القلب، فأما القرينة المرجوحة إما لضعفها أو لمعارضة ما هو أقوى منها .. فإنها لا تدل على الصدق، فليست قرينة لصدقه، وكلامهم في مسقطات اللوث يدل له، والله أعلم.

4919 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (بأن وجد قتيل في محلة أو قرية صغيرة لأعدائه) و"الحاوي"[ص 685]: (كقتيل في محلة عدو) فيه أمور:

أحدها: وجود بعض القتيل كافٍ إذا تحقق موته، سواء وجد رأسه أو بدنه، أقله أو أكثره، ذكره في "أصل الروضة" قبيل كيفيه القسامة، قال: وإذا وجد بعضه في محلة وبعضه في أخرى .. فللولي أن يعين ويقسم (4).

ثانيها: أنه يكفي أن يكونوا أعداء لقبيلته كما جري في الأنصار واليهود، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وحكاه عن النص.

(1) انظر "التنبيه"(ص 226)، و"الحاوي"(ص 685)، و"المنهاج"(ص 495).

(2)

فتح العزيز (11/ 20)، الروضة (10/ 14).

(3)

الروضة (10/ 10).

(4)

الروضة (10/ 106).

ص: 148

ثالثها: أنه لو وجد بقربها .. كان كذلك كما قاله المتولي، وهذه الثلاثة واردة على "التنبيه" أيضًا.

رابعها: اعتبر في "التنبيه" ألَّا يخالطهم غيرهم (1)، وقال في "أصل الروضة": الصحيح: أنه ليس بشرط، وإنما يشترط ألَّا يساكنهم غيرهم (2)، وتبعه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" فاستدرك ذلك على "التنبيه"(3)، لكنه خالف ذلك في "شرح مسلم"، فحكي عن الشافعي اعتبار ألَّا يخالطهم غيرهم (4)، وفي "المهمات": إنه الصواب الذي عليه الفتوي؛ فقد نص عليه الشافعي وذهب إليه جمهور الأصحاب، بل جميعهم إلا الشاذ، ثم بسط ذلك، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المذهب المعتمد.

ويشترط ألَّا يكون المخالط لهم صديقًا للمقتول، ولا من أهله، فإن كان كذلك .. لم تمتنع القسامة، قاله ابن أبي عصرون في "المرشد" وغيره، وقضية خيبر تدل له؛ فإن أخاه كان معه، فيلحق به ما في معناه، وقال العمراني في "الزوائد": لو لم يدخل ذلك الموضع غير أهله .. لم يشترط فيه العداوة.

4920 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (أو تفرق عنه جمع) قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه كلام ناقص، والموجود في كلام "المختصر":(وكذلك لو دخل نفر بيتًا أو صحراء وحدهم، أو صفين في حرب أو ازدحام في جماعة، فلا يفترقون إلا وقتيل بينهم)(5) وهو معنى نص "الأم" و"البويطي"(6)، فاعتبر أن يكونوا وحدهم، وجري على ذلك الشيخ أبو حامد وغيره، وزاد الماوردي على ذلك، فقال: أن تدخل جماعة بيتًا أو بستانًا محظورًا ينفردون فيه، ثم قال؛ لأن ما انفردوا فيه من الدار والبستان ممنوع من غيرهم إلا بإذنهم (7).

ومعني قوله: (محظورًا): أن يكون له حظيرة دائرة تمنع من دخول غير الجماعة من ناحية أخرى، وهو ظاهر نص "البويطي" حيث قال: وكذلك البيت الذي لا منفذ له. انتهى.

ولذلك قال "الحاوي"[ص 685]: (أو جمع محصور) وعبارة "التنبيه"[ص 266]: (أو تتفرق جماعة عن قتيل في دار) وقد يقال: إنما احترز "الحاوي" عما إذا تفرقا عنه جمع لا يتصور

(1) التنبيه (ص 266).

(2)

الروضة (10/ 11).

(3)

تذكرة النبيه (3/ 519).

(4)

شرح مسلم (11/ 145).

(5)

مختصر المزني (ص 251).

(6)

الأم (6/ 90).

(7)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 9).

ص: 149

اجتماعهم على القتيل .. فلا تسمع الدعوى عليهم، وهو الذي ذكره الرافعي في عبارة "الوجيز"، لكن لو ادعى الولي على عدد منهم يتصور اجتماعهم .. قال الرافعي: فينبغي أن تسمع ويمكن من القسامة؛ كما لو ثبت لوث على محصورين فادعى على بعضهم (1).

4921 -

قول "الحاوي"[ص 685]: (أو صفِّ الخصم المقاتل) محله: ما إذا التحم القتال أو كان يصل سلاح أحد الصفين إلى الآخر رميًا أو طعنًا أو ضربًا، وإلا .. فإنما يكون لوثًا في حق أهل صفه هو؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 495]:(فإن التحم قتالٌ .. فلوثٌ في حق الصف الآخر، وإلا .. في حق أهل صفه) ويرد عليه: ما إذا لم يلتحم ولكن وصل سلاح أحدهما.

4922 -

قول "الحاوي"[ص 685]: (أو صحراء برجل بسكين) لم يتعرض تبعًا لـ "الوجيز" لتلطيخها بالدم، وقال الرافعي: لا يبعد ألَّا يشترط، لكن أكثرهم تعرض له (2)، ومحله أيضًا: ما إذا لم يكن هناك ما يمكن إحالة القتل عليه من سبع أو غيره، فإن كان .. لا لوث، وعبارة "التنبيه" [ص 266]:(أو يُري القتيل في موضع لا عين فيه ولا أثر، وهناك رجل مخضب بالدم) فاعتبر التلطيخ بالدم، وألَّا يكون هناك غيره، ولا يرد عليه ما أورده ابن يونس في "التنويه" من أن ظاهره التناقض؛ لأن الرجل عين والدم الذي يخضب به أثر؛ لأن المراد: نفي ما عدا ذلك الرجل، ولا يخفى أنه لا بد أن يكون القتيل طريًا.

4923 -

قولهما - والعبارة لـ "المنهاج": (وشهادة العدل لوثٌ)(3) يقتضي اعتبار صيغة الشهادة عند حاكم بعد دعوي، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": سواء تقدمت شهادته على الدعوى أو تأخرت (4)، وذكره الرافعي بحثًا، وقال: إن في لفظ "الوجيز" إشعارًا به (5).

وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه مقتضى كلام الشافعي والأصحاب، وفي "المهمات" عن "النهاية" عن الأصحاب أن سبيلها سبيل سائر الشهادات، ثم رأي هو لنفسه ما ذكره الرافعي (6)، والاكتفاء بالمتقدم على الدعوى يقتضي أنه لا تعتبر صيغة الشهادة، وممن صرح به الصيدلاني كما نقله شيخنا الإمام البلقيني، وفي "المهمات": أنه حكي وجهين في الاكتفاء بصيغه الخبر، ونقل الرافعي عن "التتمة" حمل كونه لوثًا على ما إذا فرعنا على أن الحكم باليمين والشهادة مرجحة، فإن قلنا: الحكم بالشهادة أو بهما .. لم يكن لوثًا، ولكن يحلف المدعي مع شاهده إلا أنه لا يثبت

(1) انظر "فتح العزيز"(11/ 17).

(2)

انظر "فتح العزيز"(11/ 17).

(3)

انظر "التنبيه"(ص 266)، و"المنهاج"(ص 495).

(4)

الروضة (10/ 11).

(5)

فتح العزيز (11/ 17).

(6)

نهاية المطلب (17/ 15، 16).

ص: 150

القصاص، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إذا شهد العدل عند الحاكم على الوجه المعتبر وكان في خطأ أو شبه عمد .. لم يكن لوثًا، صرح به الماوردي (1)، وهو ظاهر؛ لأن مقتضي اللوث نقل اليمين إلى جانب المدعي، وهي هنا في جانبه ابتداء، وقول الرافعي: إن شهد العدل الواحد بعد دعوي المدعي .. فاللوث حاصل (2) يمكن حمله على العمد المحض؛ لعدم ثبوته بشاهد ويمين، وفي "النهاية" عن الأصحاب: لو أقام شاهدًا واحدًا وأراد أن يقدره لوثًا .. حلف خمسين يمينًا، أو لا .. حلف معه على قياس اليمين مع الشاهد، ثم استشكله: بأنا إن قلنا: يحلف مع الشاهد خمسين يمينًا .. فلا فائدة في هذا التقسيم، وإن قلنا: يمينًا واحدة والقتل خطأ .. فلا معنى لتقسيم إرادته، ويكفيه يمين واحده (3)، قال شيخنا: وجوابه: أن فائدة التقسيم أنا عند جعله لوثًا .. لا يحتاج إلى لفظ شهادة ولا تقدم دعوي ولا استدعاء، وإذا لم نجعله لوثًا .. احتجنا إلى ذلك.

4924 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (وكذا عبيد أو نساء) فيه أمور:

أحدها: ظاهره اعتبار صيغة الشهادة، وأصرح منه في ذلك قول "التنبيه" [ص 266]:(أو شهد جماعة من النساء أو العبيد بذلك) مع أنها لا تعتبر في العدل كما تقدم فكيف بالعبد والمرأة.

ثانيها: تناول إطلاقهما ما لو جاؤوا مجتمعين، وكذا صححه في "أصل الروضة"(4)، وعبارة الرافعي: إنه أقوى، لكنه قال: إن مقابله أشهر (5)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ظاهر نص "الأم" و"المختصر" حيث قال: أو تأتي ببينة متفرقة من المسلمين من نواحي لم يجتمعوا (6)، قال: والمعروف عند الأصحاب الجري على اعتبار تفرقهم وهو المذهب، وقول الرافعي: إن مقابله أقوى ممنوع، بل الأقوي لتحصيل الظن المؤكد: اشتراط تفرقهم. انتهى.

وفي "المهمات": إن الفتوى على اشتراط تفرقهم، قال: ويشترط أيضًا ألَّا يمضي زمان يمكن فيه اتفاقهم؛ بأن يتفرقوا ثم يخبروا كما حكاه في "البيان" عن أكثر الأصحاب (7)، وهو ظاهر.

ثالثها: مقتضى عبارتهما: أنه لا يكتفى باثنين، وهو مقتضى عبارة "الروضة" وأصلها، ثم قالا: وفي "التهذيب": أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجمع، وفي "الوجيز": أن

(1) انظر "الحاوي الكبير"(13/ 12).

(2)

انظر "فتح العزيز"(11/ 17).

(3)

نهاية المطلب (17/ 15، 16).

(4)

الروضة (10/ 11).

(5)

فتح العزيز (11/ 16).

(6)

الأم (6/ 90)، مختصر المزني (ص 251).

(7)

البيان (13/ 237).

ص: 151

القياس أن قول واحد منهم لوث (1)، وعليه مشي "الحاوي" فقال [ص 685]:(وقول راو) وفي "النهاية" و"البسيط" عن الأصحاب اعتبار عدد يبعد عن التواطؤ (2)، فإن صح ذلك .. تقيد به كلام "التنبيه" و"المنهاج"، وفي "المهمات": إن الحكم ما ذكره البغوي من الاكتفاء باثنين؛ فقد جزم به الماوردي (3)، وحكاه عنه في "البحر"، وارتضاه، وجزم به الخوارزمي في "الكافي" ومحمد بن يحيي في "المحيط"، وفي "الذخائر" عن اختيار الإمام: الاكتفاء بواحد.

رابعها: لم يصرحا في النساء والعبيد بأن يكونوا ممن تقبل روايتهم، ولا بد منه، وهو مفهوم من قول "المنهاج" بعده [ص 495]:(وقول فسقةٍ وصبيانٍ وكفارٍ لوثٌ في الأصح).

ونازع في ذلك شيخنا الامام البلقيني، وقال: الأصح: أنه ليس بلوث، وقال الشيخ أبو محمد: ليس بلوث من الكفار، قال شيخنا: وهذا له تعلق بظاهر النص في التقييد بالمسلمين. انتهى.

ويوافقه قول "الحاوي"[ص 685]: (وصبية وفسقة) فلم يذكر الكفار، ولا يقال: هم مندرجون في لفظ الفسقة؛ لمغايرتهم لهم عرفًا، ولا يلزم من قبول مطلق الفسقة قبول الكفار، وأيضًا فالكافر قد يكون عدلًا في دينه.

4925 -

قوله: (وإن لم يكن أثر جرحٍ وتخنيقٍ)(4) ينبغي حمله على نفي هذين الأثرين بخصوصهما لا على نفي الأثر مطلقًا؛ فإنه لا قسامة إذًا على الصحيح، وحمله صاحب "التعليقة" على العموم، ثم استدرك عليه، وقال البارزي: تبع في ذلك "الوجيز"، والظاهر أن مراده - يعني: الغزالي -: أنه لا يبطل بانتفاء الأثر مطلقًا؛ فإنه قال في "الوسيط": وليس من مبطلات اللوث عندنا ألَّا يكون على القتيل أثر؛ لأن القتل [بالتخنيق](5) ممكن بحيث لا يظهر أثره (6)، لكنه خلاف الأصح، وفي "المهمات": أن المذهب المنصوص وقول الجمهور: ثبوت القسامة وإن لم يوجد أثر أصلًا، ثم بسط ذلك.

4926 -

قول "التنبيه"[ص 226]: (وإن ادعى أحد الوارثين القتل على واحد في موضع اللوث وكذبه الآخر .. سقط اللوث في أحد القولين، ولم يسقط في الآخر) رجح الرافعي والنووي

(1) فتح العزيز (11/ 16)، الروضة (10/ 11)، وانظر "الوجيز"(2/ 159)، و "التهذيب"(7/ 225).

(2)

نهاية المطلب (17/ 11).

(3)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 12).

(4)

انظر "الحاوي"(ص 685، 686).

(5)

في جميع النسخ: (بالتحقيق)، والمثبت من "الوسيط".

(6)

الوسيط (6/ 401).

ص: 152

الأول (1)، وعليه مشى "الحاوي" فقال عطفًا على المنفي [ص 686]:(وكُذِّب وارثٌ) و"المنهاج" فقال [ص 495]: (بطل اللوث، وفي قولٍ: لا، وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسقٍ) ورجح شيخنا الإمام البلقيني الثاني، قال؛ لأن الشافعي رضي الله عنه قطع به في موضع من "الأم" و"المختصر"، واختاره المزني (2)، وقدمه الشافعي في كل موضع، وصححه البغوي (3)، والدليل يعضده، ثم إن الأول مقيد بقيدين:

أحدهما: أن محله فيما إذا لم يثبت اللوث بشاهد واحد في خطأ أو شبه عمد، فإن كان كذلك .. لم يبطل بتكذيب أحدهما قطعًا، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وهو واضح.

ثانيهما: محله أيضًا في المعين لا في أهل محلة ونحوهم ثبت في حقهم لوث، فعين أحد الوارثين واحدًا منهم وكذبه الآخر، وعين غيره ولم يكذبه أخوه فيما قال .. فلا يبطل حق الذي كذب من الذي عينه؛ لبقاء أصل اللوث، وانخرامه إنما هو في ذلك المعين الذي تكاذبا فيه، ولاسيما إذا كالن القتل خطأ أو شبه عمد وعاقلة المعينين واحدة كأب وابن، ذكره شيخنا الإمام البلقيني أيضًا، وقال: لا بد منه، والنص يشهد له.

4927 -

قول "المنهاج"[ص 495]: (ولو قال أحدهما: "قتله زيد ومجهول") أي: عندي، فلو عبر بقوله:(لا أعرفه) كما عبر به غيره .. لكان أولى.

4928 -

قوله: (ولو ظهر لوث بأصل قتلٍ دون عمدٍ وخطأ .. فلا قسامة في الأصح)(4) صورته: أن يفصل الدعوى ويظهر اللوث بأصل القتل دون صفته، أو لا يفصل ويحتمل جهالة الدعوى، قال الرافعي: وهذا يدل على أن القسامة على قتل موصوف يستدعي ظهور اللوث في قتل موصوف، وقد يفهم من إطلاق الأصحاب الاكتفاء بظهوره في أصل القتل، وله أن يقسم على القتل الموصوف، قال: وليس ببعيد، وكما لا يعتبر ظهوره فيما يرجع إلى الانفراد والاشتراك لا يعتبر في ظهور العمد والخطأ (5).

قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا الذي بحثه الرافعي هو الذي يظهر من كلام الشافعي وأصحابه، فمتي ظهر لوث وفصل الولي .. سمعت الدعوى وأقسم بلا خلاف، ومتي لم يفصل .. لم تسمع ولم يقسم على الأصح.

4929 -

قول "التنبيه"[ص 267]: (وإن كان الدعوى في طرت. فاليمين على المدعى عليه،

(1) انظر "فتح العزيز"(11/ 21)، و "الروضة"(10/ 14).

(2)

الأم (6/ 94، 95)، مختصر المزني (ص 252).

(3)

انظر "التهذيب"(7/ 243).

(4)

انظر "المنهاج"(ص 496).

(5)

انظر "فتح العزيز"(11/ 19).

ص: 153

وفي التغليظ بالعدد قولان) الأظهر: نعم، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 686]:(كسائر أيمان الجراح).

4930 -

قول "المنهاج"[ص 496]: (ولا يقسم في إتلاف مال العبد في الأظهر) رجح شيخنا الإمام البلقيني القطع به، وقال: نص في "الأم" و "مختصر المزني" و "البويطي" عليه (1)، ولم أقف على مقابله، وحكاه الماوردي عن المحققين (2)، وقول "التنبيه" [ص 266]:(ويقضي له بالدية) يفهم مقابله، وقد يقال: بناه على الغالب.

4931 -

قول "التنبيه"[ص 266، 267]: (وإن ادعى القتل على رجل مع اللوث وأقر آخر أنه قتله .. لم يسقط حق الولي من القسامة) قال في "الكفاية": أي: إذا لم يطالبه بموجب إقراره، فإن طالبه .. بطل اللوث بالنسبة للأول، ووجب رد ما أخذه منه.

4932 -

قول "المنهاج"[ص 496]: (وهي: أن يحلف المدعي على قتلٍ ادعاه خمسين يمينًا) فيه أمران:

أحدهما: أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أنه قد يكون الحالف غير المدعي فيما إذا أوصى للمستولدة سيدها بقيمة عبده وهناك لوث .. فلها الدعوى بذلك على المنصوص المعتمد، وليس لها أن تقسم على الأظهر، وإنما يقسم الوارث، وهذه واردة أيضًا على قول "التنبيه" [ص 266]:(حلف المدير خمسين يمينًا) وقد ذكر "المنهاج" بعد ذلك من يقسم بقوله [ص 496]: (ومن استحق بَدَلَ الدم .. أقسم) وأفصح به "الحاوي" بقوله [ص 685]: (كالوارث ولو في العبد الموصَي بقيمته).

ثانيهما: أورد عليه شيخنا أيضًا: الجنين، فيقسم عليه في محل اللوث كما صرح به الماوردي (3)، واقتضاه كلام غيره، ولا يسمى هذا قتيلًا، إنما يطلق القتيل على من تحققت فيه الحياة المستقرة، وفيما ذكره شيخنا في ذلك انظر؛ فالأقسام يجيء في قد الملفوف مع أنا لا نتحقق فيه حالة القتل حياة مستقرة، وقد يقال: المراد: تحقق الحياة المستقرة في الجملة، وقد تحققت قبل ذلك، بخلاف الجنين، والله أعلم.

4933 -

قول "المنهاج"[ص 496]: (ولا يشترط موالاتها على المذهب) كذا في "الروضة"، ثم قال: وقيل: وجهان، وأخذه من قول الرافعي: وهو الذي أورده أكثرهم (4)، وقد يقال:

(1) الأم (6/ 91)، مختصر المزني (ص 251).

(2)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 18).

(3)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 24).

(4)

فتح العزيز (11/ 25)، الروضة (10/ 17).

ص: 154

لا يدل ذلك على القطع؛ فلعلهم جزموا بالصحيح، وكان ينبغي أن يقول:(على النص) فإنه منصوص في "الأم" و"المختصر"(1)، وذكر في "المطلب" أن مقابله منصوص أيضًا، ونازعه في ذلك شيخنا الإمام البلقيني.

4934 -

قوله: (ولو مات .. لم يبن وارثه على الصحيح)(2) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص في "الأم" و"المختصر"(3).

4935 -

قول "التنبيه"[ص 266]: (فإن كان المدعي جماعة .. ففيه قولان، أحدهما: يحلف كلل واحد منهم خمسين يمينًا، والثاني: تقسم عليهم الخمسون على قدر مواريثهم ويجبر الكسر) الثاني هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"(4)، وأورد شيخنا الإمام البلقيني: أن ظاهر العبارة التوزيع بحسب الإرث المحكوم به جزمًا، وليس كذلك، وإنما هو بحسب الإرث المحتمل، فإذا كانت الورثة أبناء وولدًا خنثى .. فلا توزع الخمسين (5) بحسب الإرث الناجز، بل يحلف الابن ثلثي الخمسين ويأخذ النصف، ويحلف الخنثى نصف الخمسين ويأخذ الثلث، ويوقف الباقي، قال: والضابط الاحتياط في الطرفين الحلف بالأكثر والأخذ بالأقل، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 685]:(الخنثى الأكثر وأخذ الأقل ووُقِف الباقي) وذكر شيخنا أيضًا أن مقابل الأظهر ليس منصوصًا للشافعي، وأن تخريجه ضعيف.

4936 -

قول "المنهاج"[ص 496]: (ولو غاب .. حَلَفَ الآخر خمسين وأخذ حصته، وإلا .. صبر للغائب) هو معنى قول "الحاوي"[ص 685]: (والحاضر فُرض حائزًا) قال في "المهمات": إنما يتجه إذا قلنا: إن تكذيب بعض الورثة لا يمنع القسامة، وهو رأي البغوي، فإن قلنا: يمنع - وهو الصحيح - .. تعين انتظارهم؛ لأن توافق الورثة شرط، والبغوي قال ذلك على طريقته، فوافقه الرافعي ذهولًا.

قلت: بل إيراد "المهمات" هو الذهول؛ فإن الرافعي قال في توجيه رأي البغوي: أنه لو كان أحد الوارثين صغيرًا أو غائبًا .. كان للبالغ الحاضر أن يقسم مع احتمال التكذيب من الثاني إذا بلغ أو قدم، وقال في توجيه الأصح: وفيما إذا كان صغيرًا أو غائبًا .. لم يوجد التكذيب الجازم للظن،

(1) الأم (6/ 92)، مختصر المزني (ص 252).

(2)

انظر "المنهاج"(ص 496).

(3)

الأم (6/ 92)، مختصر المزني (ص 252).

(4)

الحاوي (ص 685)، المنهاج (ص 496).

(5)

تنازعت النسخ بين (يوزع) و (توزع)، واتفقت على (الخمسين)، ولعل صواب العبارة إما:(تُوزعَّ الخمسون)، أو (نُوزِّع الخمسين)، والله أعلم.

ص: 155

فكان كما إذا ادعى ولم يساعد الآخر ولم يكذب .. كان للمدعي أن يقسم. انتهى (1).

وهو دال على أن حلف البعض مع غيبة الباقي متفق عليه على الرأيين معًا.

4937 -

قول "التنبيه"[ص 266]: (فإن لم يكن لوث .. حلف المدعي عليه يمينًا واحدة في أحد القولين، وخمسين يمينًا في الآخر) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، لكنه عبر فيها بالمذهب (2)، وليس فيها في "الروضة" إلا قولان، لكن في الرافعي طريقة قاطعة بالتعدد أسقطها في "الروضة"(3)، ورجحها شيخنا الإمام البلقيني، وعبر "المنهاج" بالمذهب أيضًا في اليمين المردودة على المدعي وعلى المدعي عليه مع لوث واليمين مع شاهد (4)، وهو مردود في الأولى والثالثة؛ فليس فيهما إلا قولان.

نعم؛ في الثانية طريقان، والأصح فيها: القطع بالتعدد، وبه جزم "التنبيه"، ثم قال [ص 266]:(وإن كانوا جماعة .. ففيه قولان، أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا، والثاني: يقسم عليهم الخمسون على عدد رؤوسهم) والأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 686]:(بلا توزيع).

4938 -

قول "المنهاج"[ص 496]: (ولو ادعى عمدًا بلوثٍ على ثلاثة حضر أحدهم .. أقسم عليه خمسين وأخذ ثلث الدية، فإن حضر آخر .. أقسم عليه خمسين، وفي قول: خمسًا وعشرين إن لم يكن ذكره في "الأيمان"، وإلا .. فينبغي الاكتفاء بها بناء على صحة القسامة في غيبه المدعى عليه، وهو الأصح) فيه أمور:

أحدها: أنه يفهم أن الخلاف في الأقسام على الثاني خمسين أو خمسًا وعشرين قولان، وهو في "الروضة" وجهان، ويقال: قولان (5)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن الأول قول، والثاني وجه.

ثانيها: أن عبارته توهم أن قوله: (إن لم يكن ذكره في الأيمان) تقييد للقول الضعيف، وليس كذلك، بل هو متعلق بقوله:(أقسم) وقد رد شيخنا الإمام البلقيني هذا البحث، وقال: إن كان غائبًا في مسافة القضاء على الغائب .. فلا حاجة لإعادة شيء من الأيمان قطعًا، وإن كان فيما دونها .. لم يعتد بما تعلق بالغائب قطعًا، وإن ذكره في الأيمان؛ لعدم تقدم دعوي عليه، وهذا الخلاف المبني عليه إنما هو فيما إذا ادعى عليه ثم غاب عن مجلس الحكم وقت الأيمان، وعبارة

(1) فتح العزيز (11/ 21، 22)، وانظر "التهذيب"(7/ 241).

(2)

الحاوي (ص 687)، المنهاج (ص 496).

(3)

فتح العزيز (11/ 36)، الروضة (10/ 29).

(4)

المنهاج (ص 496).

(5)

الروضة (10/ 23).

ص: 156