المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بابُ التَّعزير 5182 - قولهما: (ومن أتى معصية لا حد فيها - تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي - جـ ٣

[ابن العراقي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجِنايات

- ‌فصل [في اشتراك اثنين في فعل مزهق]

- ‌فصل [في قتل من ظن كفره]

- ‌فصل [في تغير حال المجني عليه من وقت الجناية]

- ‌فصلٌ [شروط قود الأطراف والجراحات وما يتعلق بها]

- ‌بابُ كيفيّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه

- ‌فصلٌ [في الاختلاف]

- ‌فصلٌ [ثبوت حق القصاص للوارث]

- ‌فصلٌ [موجب العمدِ القودُ]

- ‌كتابُ الدّيات

- ‌فصلٌ [في الشجاج التي تجب فيها الحكومة]

- ‌فَرْعٌ [في دية المعاني]

- ‌فرعٌ [تداخل ديتين فأكثر]

- ‌فصلٌ [فيما تجب فيه الحكومة وقدرها]

- ‌باب ما تجب به الدّية من الجنايات

- ‌فصل [في الاصطدام]

- ‌باب العاقلة

- ‌فصلٌ [جناية العبد وتعلقها برقبته]

- ‌تَنْبِيهٌ [لو كان العبد المأمور بجناية مرهونًا مقبوضًا بالإذن]

- ‌بابُ ودية الجنين

- ‌بابُ كفّارة القتل

- ‌فَصْلٌ [ما يثبت به موجب القصاص]

- ‌كتابُ البُغاة

- ‌بابُ أدب السلطان

- ‌كتابُ الرِّدَّة

- ‌كتابُ الزِّنا

- ‌كتابُ حَدِّ القّذْف

- ‌كتابُ قطع السّرقة

- ‌فَصْلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]

- ‌فَصْلٌ [إقامة الحد على الذِّمِّيُّ والمعاهد]

- ‌فَصْلٌ [فيما تثبت به السرقة]

- ‌فَصْلٌ [في صفة القطع وما يتعلق بها]

- ‌كتابُ قاطع الطَّريق

- ‌فَصْلٌ [في اجتماع الحدود]

- ‌كتاب الأشربة

- ‌بابُ التَّعزير

- ‌كتابُ الصِّيال وضمان الولاة

- ‌فَصْلٌ [ضمان الولاة]

- ‌فَصْلٌ [ضمان الدواب والبهائم]

- ‌كتاب السير

- ‌فصل [في الاستعانة على الغزو]

- ‌فصل [حكم أسرى الكفار]

- ‌فصل [في الأمان]

- ‌فصل [في الجزية]

- ‌فصل [جملة من أحكام عقد الذمة]

- ‌باب الهدنة

- ‌كتابُ الصَّيُد والذّبائح

- ‌فصَلٌ [في بعض شروط الآلة والذبح والصيد]

- ‌فصَلٌ [فيما يملك به الصيد]

- ‌كتابُ الأضحية

- ‌بابُ العَقِيقة

- ‌كتابُ الأَطعِمة

- ‌كتاب المسابقة والمناضلة

- ‌تَنْبِيْهٌ [في بقية شروط المسابقة]

- ‌تَنْبِيْهٌ [لا تتعين صفات الرمي بالشرط]

- ‌كتابُ الأَيْمان

- ‌بابُ من يصح يمينه وما يصح به اليمين

- ‌كتابُ كفّارة اليمين

- ‌بابُ جامع الأيمان

- ‌فَصْلٌ [في أنواع من الحلف على الأكل وعدمه]

- ‌فَصْلٌ [في أنواع من الأيمان]

- ‌فَصْلٌ [فيما لو حلف على أمر فوكل غيره حتى فعله]

- ‌كتابُ النَّذْر

- ‌فصلٌ [في نذر المشي إلى مكة أو الحج والعمرة وما يتعلق به]

- ‌كتابُ القضاء

- ‌فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]

- ‌فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

- ‌فصلٌ [في التسوية بين الخصمين وما يتبعها]

- ‌بابُ القضاء على الغائب

- ‌تَنْبِيْهٌ [لو أقام قيم الطفل بينة على قيم طفل آخر]

- ‌فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

- ‌فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

- ‌بابُ القِسْمَة

- ‌كتابُ الشهادات

- ‌فصلٌ [فيما يحكم به بشهادة رجل واحد]

- ‌تَنْبِبيهٌ [أقسام المشهود به]

- ‌فَصْلٌ [في تحمل الشهادة في النكاح وغيره]

- ‌فَصْلٌ [في الشهادة على الشهادة]

- ‌فَصْلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

- ‌كتابُ الدعوى والبيّنات

- ‌فَصْلٌ [فيما يترتب على سكوت المدعى عليه عن جواب الدعوى]

- ‌تنبيه [على وجوب اليمين وعدمه]

- ‌فصل [متى تغلظ يمين المدعي والمدعى عليه

- ‌فصل [في تعارض البينتين]

- ‌فصل [في اختلاف المتداعيين في العقود]

- ‌كتابُ إلحاق القائف

- ‌كتابُ العِتْق

- ‌فصَلٌ [في العتق بالبعضية]

- ‌فصَلٌ [في العتق في مرض الموت]

- ‌بابُ الولاء

- ‌كتابُ التَّدبير

- ‌كتابُ الكِتابة

- ‌فصل [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]

- ‌فصل [في بيان لزوم الكتابة]

- ‌فصلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدةِ الصحيحةَ]

- ‌كتابُ أمّهات الأولاد

- ‌خاتمة النسخة

- ‌خاتمة النسخة (ج)

- ‌خاتمة النسخة (د)

- ‌أهم مصادر ومراجع التحقيق

الفصل: ‌ ‌بابُ التَّعزير 5182 - قولهما: (ومن أتى معصية لا حد فيها

‌بابُ التَّعزير

5182 -

قولهما: (ومن أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة .. عزر)(1) وقول "الحاوي"[ص 596]: (ويعزّر الإمام لمعصية غيرها) يعني: غير ذوات الحدود المتقدم ذكرها، يستثنى منه مسائل:

الأولى: ذوو الهيئات في عثراتهم؛ فقد قال في "الأم" بعد روايته حديث عائشة: "تجافوا لذوي الهيئات عن عثراتهم"(2): (سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم تكن حدًا، قال: وذوو الهيئات الذين يقالون عثراتهم الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة)(3).

وحكى في "الشامل" عن الشَّافعي فيما إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين .. فاختار الإمام: أنَّه إن كان من ذوي الهيئات .. لم يعزر؛ لحديث حاطب بنُ أبي بلتعة (4)، وهذه صورة مما تقدم، وكذلك ما ذكره الشيخ عَزَّ الدين بنُ عبدِ السلام في "قواعده": أنَّه إذا صدرت الصغيرة من بعض أولياء الله تعالى .. لا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها، بل تقال عثرتهم، وتستر زلتهم (5)، قال: وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ولم يعلقه الشَّافعي بالأولياء؛ لأن ذلك لا يطلع عليه.

وحكى الماوردي في ذوي الهيئات وجهين:

أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر.

والثاني: أنهم الذين إذا أتوا الذنب .. ندموا عليه وتابوا منه، والمعتمد ما ذكره الشَّافعي من أنهم لا يعرفون بالشر، قال الماوردي: وفي عثراتهم وجهان:

أحدهما: أنَّها صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود.

والثاني: أنَّها معصية زل فيها مطيع (6).

الثانية: الأصل لا يعزر لحق الفرع كما لا يحد بقذفه، وإن لم يسقط حق الإمام من ذلك، صرح به الماوردي.

(1) انظر "التنبيه"(ص 248)، و"المنهاج"(ص 514).

(2)

أخرجه الشافعي في "مسنده"(1/ 363).

(3)

الأم (6/ 145).

(4)

انظر "الأم"(4/ 250)، وفي (ب)، (ج):(حاطب بنُ بلتعة).

(5)

قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (1/ 210).

(6)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 440).

ص: 256

الثالثة: إذا وطئ امرأته أو أمته في دبرها .. فلا يعزر أول مرة، وإنَّما يُنهى، فإن عاد .. عزر، نص عليه في "المختصر"(1)، وصرح به جماعة.

الرابعة: إذا رأى من يَزْنِي بزوجته وهو محصن، فقتله في تلك الحالة .. فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام؛ لأجل الحميّة والغيظ، حكاه ابن الرفعة عن ابن داوود، ونقل الماوردي والخطابي في مقالة عن الشَّافعي: أنَّه يحل له قتله فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم تكن بينة، وإن كان يقاد به في الظاهر، وهو منصوص عليه في "الأم"(2).

الخامسة: إذا نظر شخص إلى بيت غيره وجوزنا رمي عينيه، فلم يرتدع .. ضربه بالسلاح ونال منه ما يردعه، قال الرافعي عن النص: ولو لم ينل منه صاحب الدار .. عاقبهُ السلطان (3)، هذا لفظه، ومقتضاه: عدم التعزير إذا نال منه وكأنه حد هذه المعصية، وقد يقال: هذا نوع تعزير شرعا لصاحب المنزل، فإذا لم يستوفه .. فللإمام استيفاؤه.

السادسة: إذا دخل واحد من أهل القوة إلى الحمى الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم، فرعى منه .. قال القاضي أَبو حامد: لا تعزير عليه ولا غرم وإن كان عاصيًا، كذا في "المهمات"، وكلام أبي حامد في زيادة "الروضة" في (إحياء الموات) ليس فيه:(وإن كان عاصيًا)، وإنَّما فيه: لكن يمنع من الرعي (4).

وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا بعاصٍ، وإنَّما فعل مكروهًا، ولا تعزير فيه، فإن قيل: الافتيات على الإمام معصية .. قلنا: الإمام إنما فعل ذلك لمصلحة الضعفاء لا لتحريمه على غيرهم، فلم يصل إلى رتبة المعصية، على أنا لو سلمنا أنَّه معصية .. فمنعه وإخراج دوابه تعزير، فيكتفى بمثل ذلك في نحو هذا.

السابعة: إذا ارتد ثم أسلم .. فإنه لا يعزر أول مرة، نقل ابن المنذر الاتفاق عليه، وذكره "التنبيه" بقوله [ص 231]:(فإن تكرر ذلك منه .. عزر).

ويجاب عنه: بأن الردة حدها القتل، فإذا أسلم .. سقط الحد، فلا تعزير، وأما إذا تكررت .. فإنه لم يقابل التكرير بشيء، فقوبل بالتعزير.

الثامنة: إذا كّلف السيد عبده ما لا يطيق .. فإنه يحرم عليه، ولا يعزر أول مرة، وإنَّما يقال له: لا تعد، فإن عاد .. عزر، ذكره الرافعي في آخر الباب الأول من (اللعان)(5).

(1) مختصر المزني (ص 174).

(2)

الأم (6/ 30).

(3)

انظر "فتح العزيز"(11/ 322).

(4)

الروضة (5/ 293، 294).

(5)

انظر "فتح العزيز"(9/ 553، 356).

ص: 257

التاسعة: إذا طلبت المرأة نفقتها بطلوع الفجر .. قال في "النهاية": الذي أراه أن الزوج إن قدر على إجابتها .. فهو حتم، ولا يجوز تأخيره وإن كان لا يحبس ولا يوكل به، ولكن يعصي بمنعه (1).

العاشرة: إذا عرّض أهل البغي بسب الإمام .. لم يعزروا على الأصح من "زيادة الروضة"(2)، قال في "البحر": وكان سببه أن التعزير ربما كان مخرجًا لما عندهم ومهيجًا له، فيفتح بسببه باب القتال.

ويرد عليهم أيضًا: أن التعزير قد يكون في غير معصية، وذلك في صور:

إحداها: الصبي والمجنون يعزران إذا فعلا ما يعزر عليه البالغ، وإن لم يكن فعلهما معصية، نص عليه في الصبي، وذكره القاضي حسين في المجنون.

ثانيها ة قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": يمنع المحتسب من يكتسب باللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي (3)، وظاهره تناول اللهو المباح.

ثالثها: نفي المخنث نص عليه الشَّافعي، مع أنَّه لا معصية فيه إذا لم يتقصده، وإنما فُعل للمصلحة.

رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: حبس الحاكم من ثبت عليه الدين ولم يظهر منه تقصير ولم تثبت ملاءته، وادعى الإعسار ولم يثبت ما ادعاه، لا وجه له إلَّا أن يدعي أن هذا طريق في الظاهر بين الناس إلى خلاص الحقوق، فيفعل هذا عملًا بأن الظاهر الملاءة؛ لأن ثبوت الدين بطريق المعاملة ونحوها يدل على الملاءة، أما حبس من ظهرت ملاءته ومطله .. فلمعصيته.

وأورد على "التنبيه" و"المنهاج" اجتماع التعزير والكفارة في مسائل:

الأولى: الجماع في [شهر](4) رمضان؛ فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة كما حكى البغوي في "شرح السنة" إجماع الأمة عليه (5)، وفي "شرح المسند" للرافعي ما يقتضيه، وجزم به ابن يونس في "شرح التعجيز"(6)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذه الدعوى التي ذكرها البغوي غير صحيحة؛ فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعزر المجامع في نهار رمضان، ولم يذكر ذلك أحد من

(1) نهاية المطلب (15/ 469).

(2)

الروضة (10/ 51).

(3)

الأحكام السلطانية (ص 339).

(4)

في (د): (نهار).

(5)

شرح السنة (6/ 284).

(6)

في حاشية (ج): (وقال بعضهم: إن التعزيز إنما جاء لهتك حرمة رمضان، والكفارة لأخذ الإثم، كذا قاله ابن الملقن في "شرح العمدة").

ص: 258

الأئمة القدماء في خصوص المسألة؛ فالصحيح: أنَّه لا يعزر، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية"، وهو المعتمد، ووهم من جعله وهمًا (1).

الثانية: جماع الحائض يعزر فاعله بلا خلاف، كما حكى في "المهمات" التصريح به عن بعض الأصحاب مع القول بوجوب الكفارة، وقد عرفت أن الجديد: عدم الكفارة؛ فالاستثناء إنما هو على القديم.

الثالثة: المظاهر يجب عليه التعزير مع الكفارة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الكفارة تجب بالعود أو الظهار، والعود شرط فيه أو بهما؟ أوجه، فإن قلنا بالعود .. عزر، أو بالظهار .. فالأصح: لا، أو بهما .. فوجهان.

الرابعة: إذا قتل من لا يقاد به؛ كابنه وعبده .. وجب التعزير كما نص عليه في "الأم" مع الكفارة، وأجاب عنه في "المهمات": بأن كفارة القتل ليست للمعصية، بل لإعدام النفس؛ بدليل إيجابها في الخطأ، فيبقى التعمد خاليًا عن زاجر، فأوجبنا فيه التعزير، قال: وهذا يقتضي إيجاب التعزير في محرمات الإحرام إن كانت إتلافًا كالحلق والصيد، دون الاستمتاع كاللبس والطيب؛ ولذلك اتضح ما ذكره الأصحاب من الكفارة والتعزير في اليمين الغموس، فالتعزير للكذب والكفارة لانتهاك الاسم المعظم حيث أكد الكذب به، وبذلك أجاب ابن عبدِ السلام وابن الصلاح، قال: ومثله ذكره ابن عبدِ السلام في "القواعد الصغرى": أنَّه لو زنى بأُمَّه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم .. لزمه العتق والبدنة، ويحد للزنا، ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة. انتهى (2) ولا يرد شيء من هذه الصور على "الحاوي" لأنه لم يعتبر في إيجاب التعزير انتفاء الكفارة، وكذا فعل الشيخ أَبو حامد والماوردي وابن الصباغ والقاضي حسين والبغوي والغزالي، حكاه عنهم شيخنا الإمام البلقيني، ثم قال بعد ذكره نص الشَّافعي على وجوب التعزير على قاتل من لا يقاد به: ظهر بهذا النص أن هذه الزِّيادة، وهو قوله:(ولا كفارة)(3) ليس معتمدة على المذهب.

وأورد عليهم: اجتماع الحد والتعزير في شارب الخمر؛ فإن الحد أربعون، والزِّيادة إلى الثمانين تعزير كما تقدم، وقد صرح "المنهاج" بالمسألة (4)، وإنَّما الإيراد على إطلاقه هنا، وقد لا يرد على "الحاوي" لقوله [ص 596]:(ويعزر الإمام لمعصيةٍ غيرها) وذلك لا ينافي التعزير مع شيء قدمه.

(1) في حاشية (ج): (هو الإسنوي).

(2)

الفوائد في اختصار المقاصد (ص 72).

(3)

المنهاج (ص 514).

(4)

المنهاج (ص 514).

ص: 259

واعلم: أن الإمام حكى عن المحققين فيما لو علم أن التأديب لا يحصل إلَّا بالضرب المبرح .. أنَّه ليس له الضرب، لا المبرح؛ لأنه مهلك، ولا غيره؛ لعدم إفادته (1)، وعليه مشى "الحاوي" في النشوز، فقال:(ضرب إن نجع)(2) ومقتضى ذلك: استثناؤه من عبارة "التنبيه" و"المنهاج" هنا، لكن قال الرافعي: يشبه أن يضرب ضربا غير مبرح؛ إقامة لصورة الواجب، وإن لم يفد التأديب (3)، وأهمل في "الروضة" هذا البحث، وهو بحث حسن، ويقوى بما قاله المحققون: أنَّه لو قتل نحيفًا بضربات تقتل مثله غالبا، وتيقنا أو ظننا ظنا مؤكدأ أن الجاني لا يموت بتلك الضربات .. فلا تراعى المماثلة، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن الإمام (4)، وكذا لو لاطَ بصبي فمات وقلنا: يدس في دبره خشبة قريبة من آلته .. فلا يفعل إذا لم يتوقع موته بذلك، بل يقتل بالسيف، حكاه الرافعي عن "التتمة"(5).

5183 -

قول "المنهاج"[ص 514]: (بحبس أو ضرب أو صفع أو توبيخ) فيه أمور:

أحدها: أنَّه يقتضي أنَّه ليس له الجمع بينها ولا بين نوعين منها، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": أن له الجمع بين الحبس والضرب (6)، ولذلك قال "الحاوي" [ص 596]:(حبسا ولومًا وجلدًا).

ثانيها: ظاهر عبارتهما التخيير بين هذه الأمور، وليس كذلك، بل لا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما فى ونها كافيًا، حكاه الإمام عن الأصحاب، وأقره في "الروضة" وأصلها (7)، وقد يدل عليه قول "المنهاج" بعده [ص 514]:(ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) فإن المراد: الاجتهاد في الأصلح واللائق.

ثالثها: ظاهر كلامهما أنَّه لا يتعين للحبس مدة، وليس كذلك، بل شرطها النقص عن سنة، وقد نص عليه في "الأم" في قتل المؤمن الكافر، فقال:(ولا يبلغ بحبسه سنة)(8)، ولم يطلع الإمام على هذا النص، فحكاه في "الغياثي" عن بعض الفقهاء، وقال: إنه فالممد، وليس التغريب حدًا كاملًا، وإنَّما هو جزء من حد، وحكى ابن الرفعة عن الزبيري تقديرها بستة أشهر، وهو محمول على العبد، ومع ذلك: ففي التعبير تساهل؛ فالمعتبر نقصها عن ستة أشهر.

(1) انظر "نهاية المطلب"(17/ 347).

(2)

الحاوي (ص 489).

(3)

انظر "فتح العزيز"(11/ 293).

(4)

فتح العزيز (10/ 278)، وانظر "نهاية المطلب"(16/ 181).

(5)

انظر "فتح العزيز"(10/ 276).

(6)

الروضة (10/ 174).

(7)

فتح العزيز (11/ 289)، الروضة (10/ 174)، وانظر "نهاية المطلب"(17/ 362).

(8)

الأم (6/ 38).

ص: 260

رابعها: أنهما لم يذكرا التعزير بالنفي، وذكره في "الروضة" في حد الزنا، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين، وهو تعزير (1)، وفي قطع الطَّرِيقِ، فقال في "المعين": الأصح: أن الإمام يعزره باجتهاده بالحبس أو التغريب أو سائر وجوه التأديب كسائر المعاصي، وحكى في "الكفاية" عن الماوردي وغيره جواز التعزير بالنفي وفي "اختلاف الحديث" للشافعي: أن من اشترط خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغه نهيه عنه .. عاصٍ، وفي المعاصي حدود وآداب، فكان من أدب العاصين: أن يعطل عليهم شروطهم ليتنكلوا عن مثله ويتنكل بها غيرهم، وكان هذا من أيسر الأدب (2).

قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا النوع الذي ذكره الشَّافعي لم أر من تعرض له في التعزير، إلَّا أن يدخل ذلك تحت التوبيخ؛ لأن إبطال شرطه من جملة التوبيخ.

5184 -

قول "المنهاج"[ص 514]: (وقيل: إن تعلقت بآدمي .. لم يكف توبيخ) الذي في "الروضة": إذا طلبه الآدمي .. فهل يجب؟ وجهان:

أحدهما: يجب، وهو مقتضى كلام صاحب "المهذب".

والثاني: لا، وهو ما أطلقه أَبو حامد وغيره، ومقتضى كلام البغوي ترجيحه، وقال الإمام: قدر التعزير وما به التعزير إلى رأي الإمام، ولا يكاد يظهر جنايته عنده .. إلَّا وبّخه وأغلظ عليه، فيؤول الخلاف إلى أنَّه هل يجوز الاقتصار على التوبيخ؟ (3)

5185 -

قول "التنبيه"[ص 248]: (غير أنَّه لا يبلغ به أدنى الحدود) أي: في حقه، فإن كان عبدآ .. نقص عن عشرين، وإن كان حرًا .. نقص عن أربعين كما صرح به "المنهاج"(4)، وهو معنى قول "الحاوي"[ص 596، 597]: (ناقصًا عن أدنى حده) وحمل الإصطخري ذلك في "تصنيفه" في أدب القضاء على الضرب بالدرة، قال: فإن ضرب بالسوط .. فأحب ألَّا يزاد على العشرة، وفي "الصحيحين": عن أبي بردة بنُ نيار قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود الله"(5)، واقتصر التِّرمِذي على تحسينه (6)، وقال ابن المنذر: في إسناده مقال، وقال أَبو محمد الأصيلي: اضطرب

(1) الروضة (10/ 90).

(2)

اختلاف الحديث (ص 521).

(3)

الروضة (10/ 176)، وانظر "المهذب"(2/ 288)، و"نهاية المطلب"(17/ 349)، و"التهذيب"(7/ 428، 429).

(4)

المنهاج (ص 514).

(5)

البخاري (6458)، مسلم (1708).

(6)

سنن التِّرمِذي، باب ما جاء في التعزير (1463).

ص: 261

إسناده (1)، وقال الماوردي: لم يثبت هذا الحديث عند الشَّافعي من وجه يجب العمل به، فإن صح وثبت .. فقد اختلف أصحابنا في وجوب العمل به على وجهين:

أحدهما - وهو ظاهر قول ابن سريج -: أن العمل به واجب، لا تجوز الزِّيادة في التعزير على عشر جلدات، ويكون هذا مذهب الشَّافعي (2).

وقال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح، لو بلغ الشَّافعي .. لقال به، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المختار على أصل الشَّافعي في اتباع الخبر.

5186 -

قول "التنبيه"[ص 248]: (وإن رأى ترك التعزير .. جاز ذلك) محله: فيما إذا كان لحق الله أو لحق آدمي ولم يطلبه؛ فإن كان لآدمي وطلبه .. وجبت إقامته، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 597]:(ويهمل لا للعبد بطلبه)، وحكاه في "أصل الروضة" عن مقتضى كلام "المهذب"(3).

قال شيخنا الإمام البلقيني: ويوافقه كلام القاضي أبي الطيب والماوردي والصيدلاني، وهو الصحيح، ثم حكى في "الروضة" عدم الوجوب عن إطلاق الشيخ أبي حامد وغيره، قال: ومقتضى كلام البغوي ترجيحه (4).

5187 -

قول "المنهاج" فيما لو عفا مستحق تعزير [ص 514]: (فله في الأصح) أي: فللإمام إقامته، و"الحاوي" [ص 597]:(وإن عُفِيَ) قد يفهم منه أن للإمام إقامته بغير طلب؛ لأنه إذا جاز بعد العفو .. فقبل الطلب أولى، وليس كذلك؛ فالمنقول في "الروضة" وأصلها في (باب اللعان): أنَّه لا يستوفيه إلَّا بعد الطلب (5)، والفرق: أنَّه بالعفو يسقط حقه، فيبقى حق الإصلاح للإمام، وقبل الطلب الإصلاح منتظر لم يُؤيَسْ منه، ولو أقيم .. لفات عليه حق الطلب وحصول التشفي.

* * *

(1) انظر "التلخيص الحبير"(4/ 79).

(2)

انظر "الحاوي الكبير"(13/ 439).

(3)

الروضة (10/ 176)، وانظر "المهذب"(2/ 288).

(4)

الروضة (10/ 176)، وانظر "التهذيب"(7/ 428).

(5)

فتح العزيز (9/ 365)، الروضة (8/ 333).

ص: 262