الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعتقه أو أبرأه عن النجوم .. فإنه يعتق عن جهة الكتابة؛ فإن السيد لم يأخذ عوضًا عن العتق، بخلاف صورة البيع، وحيث قالوا: لا تصح المعاوضة على المكاتب .. أرادوا به: مع بقاء الكتابة، فأما إذا ارتفعت .. فالمعاوضة عليه صحيحة.
6501 -
قول "المنهاج"[ص 597]: (فلو باع فأدى إلى المشتري .. ففي عتقه القولان) أي: في المسألة قبلها، قال شيخنا: إنه لا يعرف في كلام الشافعي في شيء من كتبه، ولم يذكره أكثر الأصحاب، وإنما أخذه الرافعي من البغوي، وهو غير صحيح؛ فإن بيع الرقبة لا يقتضي قبض المشتري للنجوم ولا أذن فيه البائع، وقد رده القاضي حسين فقال: هذا عندي لا يصح؛ لأنه هنا سلّطه على رقبته، وهناك سلطه على النجوم، فوجب أن يعتق ثَمَّ؛ يعني: على رأي، ولا يعتق هنا؛ يعني: ولا يجري فيه ذلك القول.
6502 -
قوله: (ولو قال له رجل: "أعتق مكاتبك على كذا" ففعل .. عتق ولزمه ما التزم)(1) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لابد أن يقول: (على) فإنه بدون ذلك ليس فيه التزام، والمراد: عتقه عن المقول له عن الكتابة، ويتبعه كسبه وأولاده.
فصل [في بيان لزوم الكتابة]
6503 -
قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (الكتابة لازمة من جهة السيد ليس له فسخها إلا أن يعجز عن الأداء)(2) فيه أمران:
أحدهما: يستثنى منه: ما إذا عجز عن القدر الواجب في الإيتاء .. فليس للسيد تعجيزه؛ لأن له عليه مثله، ولا يحصل التقاص؛ لأن للسيد أن يؤتيه من غيره، وقد ذكره "الحاوي" بقوله عطفًا على منفي [ص 706]:(وعما يحط، ولا تقاص).
قال في "أصل الروضة": لكن يرفعه المكاتب إلى الحاكم حتى يرى رأيه ويفصل الأمر بينهما (3).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقضية ذلك القدر الواجب في الإيتاء يرجع فيه إلى رأي الحاكم، وهو المختار، لكن المنصوص خلافه.
قلت: ليس معنى كونه يرى رأيه: أن يقدر المحطوط باجتهاده، بل يلزم السيد بالإيتاء
(1) انظر "المنهاج"(ص 597).
(2)
انظر "التنبيه"(ص 147)، و"المنهاج"(ص 597).
(3)
الروضة (12/ 251).
والمكاتب بالأداء ويحكم بالتقاص للمصلحة في ذلك؛ فإن المنفي إنما هو التقاص بنفس اللزوم.
ثانيهما: في معنى العجز عن الأداء: الامتناع عن الإعطاء مع القدرة، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 706]:(والفسخ إن عجز أو امتنع).
فإن قلت: قد ذكره "المنهاج" بعده بقوله [ص 597]: (فإذا عجز نفسه) .. قلت: قد لا يعجز نفسه بل يقتصر على الامتناع، وكذا لو غاب العبد بعد المحل بغير إذن السيد ولم يبعث المال .. فللسيد الفسخ أيضًا، وقد ذكره "الحاوي" و"المنهاج" أيضًا بعد ذلك (1).
6504 -
قول "التنبيه"[ص 147]: (وللمكاتب أن يفسخ العقد متى شاء)، و"المنهاج" [ص 597]:(وللمكاتب الفسخ في الأصح) كذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها هنا (2)، لكن الرافعي بعد أن صحح بطلان الكتابة بجنون السيد دون العبد .. قال: والفرق أن العبد لا يتمكن من فسخ الكتابة ورفعها صحيحة كانت أو فاسدة، وإنما يعجز نفسه، ثم السيد يفسخ إن شاء، وإذا لم يملك الفسخ .. لم يؤثر جنونه (3)، وأسقط هذا التعليل في "الروضة"، فسلم من التناقض.
قال في "المهمات": والصواب المفتى به: المذكور هنا، وهو الجواز؛ فقد نص عليه في "الأم" في مواضع، واعترض شيخنا في "تصحيح المنهاج" على تعبيره بالأصح: بأنه منصوص كما تقدم، وبأنه يقتضي قوة الخلاف مع أنه ضعيف جدًا مخالف للنص ولقاعدة أن الكتابة جائزة من جهة المكاتب، وللاتفاق على أن للمكاتب الامتناع من الأداء بعد الحلول وإن كان معه وفاء، قال: وعندي أن هذا الخلاف لا يثبت، وإذا لم يملك الفسخ .. فالعقد لازم من جهته، وكونه يجوز له الامتناع من الأداء مع أنه لا يملك الفسخ متناقض واعترض شيخنا أيضًا: بأن عبارة "المنهاج" توهم ترتب فسخه على التعجيز، وليس كذلك.
6505 -
قول "الحاوي"[ص 706]: (وأُنظر ليخرج من الحرز) يفهم أنه لا ينظر زيادة على ذلك، وفي "المنهاج" [ص 597]:(وإن كان معه عروض - أي: والنجوم غيرها - .. أمهله ليبيعها، فإن عرض كساد .. فله أن لا يزيد في المهلة على ثلالة أيام)، وتبع في ذلك "المحرر"(4)، وحكاه في "الشرح" عن البغوي فقال: مقتضى إطلاق الصيدلاني: أن لا فسخ، ورأى الإمام الفسخ، ونزله منزلة غيبة المال، وهذا أصح، وضبط البغوي التأخير للبيع بثلاثة أيام، وقال: لا يلزم أكثر منها (5).
(1) الحاوي (ص 706)، المنهاج (ص 597).
(2)
المحرر (ص 527)، فتح العزيز (13/ 513)، الروضة (12/ 257).
(3)
انظر "فتح العزيز"(13/ 486).
(4)
المحرر (ص 528).
(5)
فتح العزيز (13/ 511)، وانظر "نهاية المطلب"(19/ 466)، و "التهذيب"(8/ 482).
وقال: شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي ذكره البغوي إنما هو على لزوم الإمهال، وقد صحح خلافه، فكيف اعتمده في "المحرر"و"المنهاج"، وسيأتي من النص ما يشهد لمقالة الإمام.
قلت: قد يقال: إن كلام البغوي ليس على لزوم الإمهال، فإن من ألزم الإمهال ومنع الفسخ .. لم يقيده بمدة، بل غايته بيع العروض، وإنما هو على طريقة الفسخ لا يبادر إليه، بل يؤخر ذلك ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة، وقد شبه الإمام ذلك بغيبه المال مع أنه يمهل معها إلى الإحضار إن كان دون مرحلتين.
وقال شيخنا أيضًا: لا يعرف من قوله: (أمهله) اللزوم أو الاستحباب، وتصديره باستحباب المهلة عند استمهال المكاتب قد يشعر بالاستحباب فيما ذكره.
قلت: ذاك في الاستمهال لغير سبب، وأما هنا .. فإنه لسبب وعذر، وكلامه يفهم وجوبه؛ لقوله:(فله أن لا يزيد في المهلة على ثلاثة أيام) فدل على أن إمهال الثلاثة وما دونها لازم ليس له في هذه الحالة تركه.
6506 -
قول "المنهاج"[ص 597]: (وإن كان ماله غائبًا .. أمهله إلى الإحضار إن كان دون مرحلتين) قال الرافعي: أطلق الإمام والغزالي جواز الفسخ، وليحمل على تفصيل ذكره ابن الصباغ والبغوي وغيرهما: أنه إن كان على مسافة القصر .. لم يلزمه التأخير، وإن كان دونها .. لزمه.
قال في "المهمات": ونص "الأم" موافق لكلام الإمام؛ حيث قال: (فإن قال: لي شيء غائب أحضره .. لم يكن للسلطان أن ينظره إلى قدوم الغائب؛ لأنه قد ينظره فيفوت العبد بنفسه ولا يؤدي إليه ماله)(1)، قال: وتعليله بالفوات يدل على عدم الفرق بين المسافتين، قال: واقتصار الرافعي على النقل عن هذه الطبقة يدل على أنه لم يظفر فيها بشيء للمتقدمين فضلًا عن إمام المذهب.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والتفرقة بين المسافتين مأخوذة مما إذا سلم المبيع ومال المشتري على مسافة القصر؛ فللبائع الفسخ ولا يكلف الصبر إلى إحضاره وإن كان على ما دونها .. فالأصح: أنه كالذي في البلد، وذلك لا يأتي هنا؛ لأنه يزول ضرر البائع بالحجر على المشتري، وهو متعذر هنا.
6507 -
قول "المنهاج"[ص 597]: (ولو حل النجم وهو غائب .. فللسيد الفسخ) قيده شيخنا في "تصحيح المنهاج" بقيدين:
(1) الأم (8/ 76).
أحدهما: أن لا يكون السيد أنظره بذلك، فمتى أنظره به إلى غير أجل أو إلى أجل ولم يمض .. فليس له الفسخ (1)، وحكاه عن نص "الأم"(2)، قال: وليس لنا موضع يكون الإنظار فيه مؤثرًا أثرًا لازمًا غير هذا.
ثانيهما: أن لا يكون سافر بإذنه، فمتى سافر بإذنه .. فليس له الفسخ، وطريقه الرفع إلى القاضي، وإثبات ذلك لديه، وكتابته لقاضي بلد العبد، وحكاه عن الشيخ أبي حامد وأتباعه، ولم يذكر الرافعي والنووي ذلك فيما إذا سافر قبل الحلول، وإنما ذكراه فيما إذا سافر بعد الحلول، وجمعا بين الإذن والإنظار، واقتضى كلامهما: أنه لابد من اجتماعهما، وعبارة "أصل الروضة": ولو أنظر المكاتب بعد حلول النجم وأذن له في السفر ثم بدا له في الإنظار .. لم يكن له الفسخ في الحال؛ لأن المكاتب غير مقصر هنا، ولكن يرفع السيد الأمر إلى الحاكم، ويقيم البينة على الحلول والغيبة، ويحلف مع ذلك، ويذكر أنه رجع عن الإنظار، فيكتب الحاكم إلى حاكم بلد المكاتب ليعرفه الحال، فإن أظهر العجز .. كتب به إلى حاكم بلد السيد؛ ليفسخ إن شاء، وإن قال: أؤدي وللسيد هناك وكيل .. أعطاه، فإن لم يعط .. ثبت الفسخ على المشهور، وإن لم يكن ثَمَّ وكيل .. أمر بإيصاله إليه في الحال أو مع أول رفقة، فإذا مضى إمكان .. فللسيد الفسخ (3).
وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 706]: (لا إن غاب بعد المحل بإذنه حتى يخبر بندمه وقصَّر في الإياب)، واعترض ذلك شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: الإنظار لا يتوقف على حلول النجم، بل لو أنظره قبل حلوله .. كان الحكم فيه وفيما بعد الحلول سواء كما سبق في نص الشافعي، ولا يحتاج مع ذلك إلى الإذن في السفر، قال: وعبارة الشافعي: (فإن جاء إلى ذلك الأجل، وإلا .. عجزه حاكم بلده)(4)، وظاهره عندي أن الذي يعجزه حاكم بلد المكاتب، وتقدم عن "الروضة" أنه حاكم بلد السيد، قال شيخنا: وهذا عندي لا يستقيم؛ لأنه يحتاج حاكم بلد المكاتب بعد مضي المدة المضروبة أن يكتب إلى حاكم بلد السيد، وذلك ضرر على المالك بالتأخير بعد المدة المضروبة إلى مدة يصل فيها كتاب حاكم بلد المكاتب، قال: وهذا موضع مهم يتفق الأصحاب المذكورون على أمر مخالف لنص الشافعي، ومؤدٍ إلى ضرر السيد.
قلت: الضرر والتطويل إنما هو إذا كان المعجز له حاكم بلد المكاتب؛ فإن السيد يحتاج بعد مضي مدة وصوله إلى الكتابة له وإرسال وكيل لطلب الحكم منه بذلك، وثم لا يظهر له الحكم بذلك
(1) في النسخ: (فله الفسخ)، ولعل الصواب ما أثبت، والله أعلم.
(2)
الأم (8/ 76).
(3)
الروضة (12/ 256).
(4)
انظر "الأم"(8/ 76).
إلا بعد مدة، وأما حاكم بلد السيد .. فلا يحتاج بعد مضي المدة إلى شي، بل يبادر للحكم، وقول شيخنا: يحتاج حاكم بلد المكاتب بعد المدة إلى مكاتبة حاكم بلد السيد، لا معنى له، والله أعلم.
6508 -
قول "المنهاج"[ص 597]: (فلو كان له مال حاضر .. فليس للقاضي الأداء منه) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": مقتضاه: أن للسيد الفسخ في الحال، وليس كذلك؛ فقد نص الشافعي في "الأم" على أنه يوقف ماله وينتظر، فإن أدى، وإلا .. فلسيده تعجيزه، ولم يذكر هذا النص أحد من الأصحاب. انتهى (1).
وفي "أصل الروضة" عند ذكر رفع السيد الأمر إلى الحاكم عند حلول النجم والمكاتب غائب وتحليفه له، قال الصيدلاني: يحلفه أنه ما قبض منه النجوم ولا من وكيله، ولا يعلم له مالًا حاضرًا (2).
قال في "المهمات": ولا يجتمع هذا مع عدم الأداء من المال الحاضر، وسبقه إلى ذلك في "المطلب".
وأجاب عنه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأن الذي قاله الصيدلاني إنما هو من أجل الوقف كما في الإنظار، لا من أجل أن القاضي يوفيه منه.
6509 -
قوله: (ولا تنفسخ بجنون المكاتب)(3) قد يفهم أنه ليس للسيد فسخها، وليس كذلك؛ فله فسخها إن لم يكن للمكاتب مال، وقد ذكره "الحاوي"(4)، فإن أفاق فظهر له مال كان موجودًا قبل الفسخ .. فله دفعه إلى السيد، ويعتق ويبطل تعجيزه، كذا أطلقوه. قال الرافعي: وأحسن الإمام فقال: إن ظهر المال في يد السيد .. رد التعجيز، وإلا .. فلا (5).
وإذا لم تنفسخ بالجنون .. فالإغماء أولى بذلك، ثم عدم الانفساخ مخالف للقاعدة، وهو أن الجائز ينفسخ بالجنون والإغماء، والكتابة جائزة من جهة العبد، وكأن ذلك لتشوف الشارع للعتق، وكل هذا في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة فستأتي.
6510 -
قول "المنهاج"[ص 597]: (ويؤدي القاضي إن وجد له مالًا) أي: بعد الثبوت والتحليف، فيه أمران:
أحدهما: كذا أطلقه الجمهور، وقال الغزالي: إنما يؤدي إذا رأى مصلحة في الحرية، فإن رأى أنه يضيع بها .. لم يؤد (6)، وتبعه "الحاوي" فقال [ص 706]: (لا إن وفى ماله .. فيؤدي
(1) الأم (8/ 76).
(2)
الروضة (12/ 255).
(3)
انظر "المنهاج"(ص 597).
(4)
الحاوي (ص 706).
(5)
فتح العزيز (13/ 514)، وانظر "نهاية المطلب"(19/ 466).
(6)
انظر "الوسيط"(7/ 518)، و "الوجيز"(2/ 285).
القاضي إن رأى) قال الرافعي: وهو جيد، لكنه قليل النفع مع قولنا: إن للسيد إذا وجد ماله الاستقلال بأخذه، إلا أن يقال: إن الحاكم يمنعه من الأخذ في هذه الحالة (1).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي قاله من قلة النفع واعتذاره بأن يقال: للحاكم منعه، مردود؛ فإن الحاكم قد لا يطلع على ذلك، وإنما جوابه أن السيد لا يستقل والحالة هذه بالأخذ، وقد راعى الشافعي حال المكاتب الذي طرأ له الجنون بعد الكتابة حتى قال:(إن الحاكم إذا لم يجد له مالًا ولم يجد له نفقة ولا أحدًا يتطوع بأن ينفق عليه .. عجَّزه، وألزم السيد نفقته بعد أن يقضي عليه بالعجز)(2)، قال شيخنا: وقضيه ذلك مراعاة مصلحة المكاتب، فإن كان الأداء عنه ما يضره بحصول العتق وضياع حاله من جهة عدم النفقة .. امتنع على القاضي أن يفعل ذلك، هذا هو المعتمد، وبه يتقيد إطلاق من أطلق أن القاضي يؤدي عن الذي جن بعد الكتابة.
ثانيهما: قد يفهم تعين القاضي طريقًا في صحة الأداء، وليس كذلك، فلو أداه المجنون له أو استقل هو بأخذه .. عتق؛ لأن قبض النجوم مستحق، ولو أخذها المولى من غير إقباض المكاتب .. وقع موقعه كما قال في "أصل الروضة": إنه المعروف في المذهب (3).
6511 -
قول "التنبيه"[ص 148]: (وإن جنى المكاتب عليه جناية خطأ .. فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية في أحد القولين، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر) الأصح: الأول كما صرح به النووي في "تصحيح التنبيه"(4)، وعليه مشى "الحاوي"(5)، وهو مقتضى كلام "أصل الروضة" فإنه قال: فيه القولان في الجناية على الأجنبي (6)، ومقتضاه: ترجيح أقل الأمرين كما في الأجنبي، وبه جزم "المنهاج" في الأجنبي، لكنه قال في جنايته على سيده:(فلوارثه قصاص، فإن عفا على دية أو قتل خطأ .. أخذها مما معه)(7) ثم قال: (أو قطع طرفه .. فاقتصاصه والدية كما سبق)(8)، وظاهره إيجاب الدية مطلقًا، وهو الذي رجحه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وحكاه عن نص "الأم" و"المختصر"، وقال: إن القواعد تأبى الأول؛ فإن الفداء إنما يكون من أجل أن لا تباع رقبة الجاني في الجناية، وهذا مستحيل هنا، ويكون
(1) انظر "فتح العزيز"(13/ 514).
(2)
انظر "الأم"(8/ 36).
(3)
الروضة (12/ 237).
(4)
تصحيح التنبيه (1/ 452).
(5)
الحاوي (ص 706).
(6)
الروضة (12/ 303).
(7)
المنهاج (ص 598).
(8)
المنهاج (ص 598).
ما ترتب عليه مردودًا، وحكى عن الشيخ أبي حامد أنه قال في جنايته على السيد خطأ: يتعلق أرشها برقبته يباع فيها وقال: إنه وهم؛ فإنه لا يباع إلا بعد ارتفاع الكتابة، وإذا ارتفعت .. صار قنًا للسيد وسقط الأرش، ثم ذكر أنه ترتب على هذا الوهم قول "الروضة": هل الواجب الأرش أم أقل الأمرين؟ فيه القولان (1)؛ لأن قضية تعلق الأرش بالرقبة: أن يباع فيها، فإذا فدى نفسه من البيع .. جاء القولان، والرقبة هنا لا تباع في هذه الجناية أصلًا، والصواب: أن يقال: يتعلق الأرش بما في يد المكاتب بالغًا ما بلغ، وكان ينبغي "للمنهاج" أن يقول:(وما سيكسبه) كما قال في الأجنبي، فلا فرق بينهما في ذلك، ولم يذكرهما في "الروضة" في الأجنبي أيضًا.
ويستثنى من ذلك: ما إذا أعتقه السيد بعد الجناية وفي يده وفاء .. فإن المذهب: القطع بأرش الجناية.
وقول "التنبيه"[ص 148]: (أو أرش الجناية) صوابه بالواو.
6512 -
قول "المنهاج"[ص 598]: (فإن لم يكن .. فله تعجيزه في الأصح) فيه أمور:
أحدها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" و"المختصر"(2).
ثانيها: قوله: (فإن لم يكن) أي: معه شيء، كذا لو كان معه ما لا يفي بالأرش .. فله تعجيزه أيضًا.
ثالثها: كذا في "المنهاج" و"المحرر" حكاية الخلاف في أن للوارث التعجيز (3)، والخلاف في "الروضة" وأصلها (4)، وأكثر التصانيف إنما هو في السيد، ولم يتعرضوا للوارث.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وبينهما فرق؛ فإن دية النفس تثبت للميت ابتداء، ثم ينتقل للوارث على الأظهر؛ ولهذا يقضي منها ديونه وينفذ وصاياه، فللوارث تعجيزه قطعًا؛ لأن وجه منع السيد من تعجيزه موجه بعدم الفائدة؛ لأنه إذا عجزه .. سقط الأرش والنجم، بخلاف الوارث؛ فإنه إذا عجزه .. لا يسقط الأرش؛ لعدم انحصار الحق فيه، فيستفيد به قضاء دين الميت وتنفيذ وصيته؛ ولهذا خص البغوي في تعليقه الوجهين بقولنا: إن الدية تثبت للوارث ابتداء، وعبارة "التنبيه" في هذه المسألة [ص 148]:(وإن لم يفد نفسه .. كان للمولى أن يعجزه).
6513 -
قول "المنهاج"[ص 598]: (ولو قتل أجنبيًا أو قطعه فعُفي على مال أو كان خطأ .. أخذ مما معه ومما سيكسبه الأقل من قيمته والأرش) و"التنبيه"[ص 148]: (وإن جنى على أجنبي ..
(1) الروضة (12/ 303).
(2)
الأم (8/ 67)، مختصر المزني (ص 329).
(3)
المحرر (ص 528)، المنهاج (ص 598).
(4)
فتح العزيز (13/ 576)، الروضة (12/ 303).
فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية) هي طريقة، والأصح: إجراء القولين في المسألة قبلها.
قال شيخنا ابن النقيب: خالفت عبارة "المنهاج" هنا عبارته في الجناية على سيده من وجوه:
منها: قوله هنا: (عفي على مال) وهناك: (على دية).
ومنها: قوله هنا: (ومما سيكسبه) ولم يقله هناك.
ومنها: جزمه هنا بالأقل وهو المصحح، وهناك بالدية (1).
قلت: ومنها: أنه لم يذكر القصاص هنا، وكأنه اكتفى بذكره في السيد، وهو في "المحرر" هنا أيضًا (2).
6514 -
قول "التنبيه"[ص 148]: (فإن لم يفد نفسه .. بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة) فيه أمران:
أحدهما: أنه إنما يباع كله في الجناية إذا كانت قيمته قدر أرشها أو أنقص، فإن كانت أزيد .. بيع منه بقدر الأرش فقط.
ثانيهما: ظاهر كلامه أنه لا حاجة إلى تعجيزه، وليس كذلك، بل لابد أن يعجزه القاضي بطلب المستحق، وقد ذكر "المنهاج" الأمرين فقال [ص 598]:(فإن لم يكن معه شيء وسأل المستحق تعجيزه عجزه القاضي وبيع بقدر الأرش، فإن بقي منه شيء .. بقيت فيه الكتابة). وفي كلامه أمور:
أحدها: لا يتوقف التعجيز على أن لا يكون معه شيء، بل الشرط أن لا يكون معه القدر الواجب.
ثانيها: مقتضاه: أن القاضي يعجزه بحيث يعود كله قنًا، وإن كان لا يبيع منه إلا بقدر الأرش، وليس كذلك؛ فإنما يعجز منه القدر الذي يبيعه؛ ولهذا قال:(فإن بقي منه شيء .. بقيت فيه الكتابة)(3).
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنما يبيع بقدر الأرش إذا كان الأقل الأرش، فإن كان الأقل القيمة ورغب فيه بأزيد منها .. فهل يباع كله ويدفع الثمن الناقص عن الأرش للمستحق، أم لا يباع منه إلا بقدر القيمة وتبقى الكتابة في الباقي؟ لم أر من تعرض له، والأرجح: الأول. انتهى.
(1) انظر "السراج على نكت المنهاج"(8/ 395).
(2)
المحرر (ص 528).
(3)
المنهاج (ص 598).
وعبارة "الحاوي" في ذلك [ص 706]: (وللمجني عليه بالقاضي) أي: تعجيزه، فسلم باختصار العبارة مما ورد على "المنهاج".
6515 -
قول "التنبيه"[ص 148]: (وللسيد فداؤه) لا يفهم منه أن على المستحق القبول؛ فقول "الحاوي"[ص 706]: (وللمجني عليه بالقاضي إن لم يفد السيد) أحسن منه؛ لإفادته ذلك؛ فإنه دال على أنه إذا فداه .. لم يكن للمجني عليه التعجيز.
6516 -
قول "المنهاج"[ص 598]: (ولو أعتقه بعد الجناية أو أبرأه .. عتق ولزمه الفداء) يفهم أن المراد: الفداء المتقدم، وفيه طريقان: قيل: على القولين، وقيل: بالأقل قطعًا، ولم يصحح منها في "أصل الروضة" شيئًا، لكنه صحح طريقة القطع في القن إذا جنى فأعتقه سيده، مع أنه أقرب إلى البيع من المكاتب.
6517 -
قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ويستقل بكل تصرف لا تبرع فيه ولا خطر، وإلا .. فلا)(1) أورد عليه شيخنا في "تصحيح المنهاج" أمور:
أحدها: تكفيره بالمال ليس تبرعًا ولا خطرًا، ومع ذلك فلا يعتق ولا يستقل بإطعام ولا كسوة، نص عليه، وحكى الرافعي في غير العتق طريقين:
إحداهما: بناؤه على القولين في تبرعاته.
والأخرى: بناؤه على القولين في ملك العبد بتمليك السيد (2).
قلت: قد ذكر "الحاوي" ذلك فيما فيه تبرع، وهو مقتضى كلام "التنبيه"(3).
ثانيها: يستثنى مما فيه تبرع: ما تصَدّق به على المكاتب من لحم وخبز مما العادة أن يؤكل ولا يباع، فإذا أهدى شيئًا منه لأحد .. كان للمهدى إليه أكله، نص عليه في "الأم" لحديث بريرة (4)، فوجب تقييد نصوصه المطلقة به للمسامحة بذلك، ولم أر أحدًا استثناه.
ثالثها: يستثنى مما فيه خطر: ما الغالب فيه السلامة ويفعل للمصلحة؛ كتوديج البهائم وكيها، وقطع السلع منها، والفصد، والحجامة، وختن الرقيق، وقطع سلعته التي في قطعها خطر لكن في بقائها أكثر أو كان في قطعها خطر وفي إبقائها خطر (5).
6518 -
قول "التنبيه"[ص 147]: (ولا يحابي، ولا يهب، ولا يعتق، ولا يكاتب، ولا يضارب، ولا يرهن، ولا يكفر بالطعام والكسوة، ولا ينفق على أقاربه غير ولده من أمته،
(1) انظر "الحاوي"(ص 707)، و"المنهاج"(ص 598).
(2)
انظر "فتح العزيز"(13/ 551).
(3)
التنبيه (ص 147).
(4)
الأم (8/ 32).
(5)
انظر "حاشية الرملي"(4/ 496).
ولا يشتري من يعتق عليه، فإن أذن له السيد في شيء من ذلك .. ففيه قولان) فيه أمور:
أحدها: الأظهر: جوازه إلا في العتق والكتابة، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 598]:(ويصح بإذن سيده في الأظهر) أي: ما فيه تبرع أو خطر، ثم قال:(ولا يصح إعتاقه وكتابته بإذن على المذهب)(1) و"الحاوي" فقال [ص 707]: (وتبرع وبخطر) وذكر أمثلة ذلك بإذن، لا العتق والكتابة والتسري، والمراد: الإعتاق عن نفسه، فلو أعتق عن السيد أو عن أجنبي بإذن السيد .. صح في الأظهر كغير العتق، وأطلق النووي في "تصحيح التنبيه": الجواز، ولم يستثن شيئًا، ومحل الخلاف في الهبة: إذا أذن في الإقباض أيضًا، قاله في "الكفاية".
ثانيها: قوله: (ولا يرهن) قال الرافعي: إنه الذي أطبق عليه عامة الأصحاب، ثم قال: ويشبه أن يتوسط، فيجوز عند الضرورة دون المصلحة (2)، وخالف ذلك في كتاب الرهن، فصحح جوازه، وجعل حكمه كحكم الولي، ومال إليه السبكي فقال في "شرح المهذب": نصوص الشافعي دالة على أن المكاتب كالولي حرفًا بحرف، يرهن للضرورة والمصلحة، وهو الظاهر، قال: ولم يختلف كلام الرافعي في الرهن والكتابة إلا في كونه جعل البيع نسبة في باب الكتابة ممتنعًا عند عامة الأصحاب، وفي باب الرهن على وجه مشيرًا، إلى أن الأصح خلافه، قال: والظاهر الذي نقله الشيخ أبو حامد عن النص خلاف ما صححه، وحمل في "الكفاية" كلام "التنبيه" على غير الحاجة، وحكى التصريح بجوازه عند الحاجة عن الماوردي.
ثالثها: قوله: (ولا ينفق على أقاربه غير ولده من أمته) كذلك لو كان في ملكه أصله أو فرعه بهبة أو وصية حيث يجوز ومرض أو عجز .. فإنه ينفق عليه.
رابعها: يستثنى من ذلك: الإقراض؛ فيجوز بإذن السيد بلا خلاف، كما حكاه في "أصل الروضة" عن القفال وأقره، لكنه ذكر هنا أن فيه القولين في تبرعاته (3).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد؛ فإن الإقراض حال ليس فيها إلا الإرفاق بالتأخير تبرعًا، ويرجع فيه ما دام باقيًا، وإذا تلف .. طالب ببدله.
خامسها: يستثنى من ذلك أيضًا: خلع المكاتبة بإذن سيدها، قال في "أصل الروضة" في الخلع: المذهب المنصوص هنا: أنه كاختلاعها بغير إذن (4)، وهو مخالف لترجيح الرافعي أنه على القولين في تبرعاته، وتبع هنا الرافعي على ترجيح طريقة القولين وتصحيح الصحة، وفي
(1) المنهاج (ص 598).
(2)
انظر "فتح العزيز"(13/ 546).
(3)
الروضة (12/ 266).
(4)
الروضة (7/ 385).
"المهمات": إنه الصواب، لكن الأرجح عند شيخنا في "تصحيح المنهاج": طريقة القطع؛ فلذلك استثناه.
سادسها: قال في "أصل الروضة": لو وهب للسيد أو لابنه الصغير أو أقرضه أو باعه نسيئة أو بمحاباة أو عجل له دينًا مؤجلًا غير النجوم .. فالمذهب: أنه على الخلاف فيما إذا وهب لغيره بإذنه (1).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المذهب: أنه يصح قطعًا وليس كالهبة للأجنبي، وقد نص في "الأم" على ما يقتضيه، فعلى هذا: تستثنى هذه الصورة أيضًا من محل الخلاف، قال شيخنا: ولم أقف على الطريقين في التبرع على ابن سيده الصغير، وإنما فيه قولان؛ لأن علة القطع أنه مال لعبده، فيأخذه كيف شاء، وهذا لا يأتي في ولده الصغير.
سابعها: حكى في "المنهاج" أيضًا القولين في شراء من يعتق عليه بالإذن، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي ظهر لي من نصوص الشافعي أنه لا يصح الشراء وإن إذن سيده؛ لأن صحة الشراء تقتضي أن يترتب عليه عتقه، وهو متعذر إذا لم يوجد إذن في العتق، وهو كشراء المريض مرض الموت من يعتق عليه وعليه دين مستغرق .. فالأصح: بطلانه، خلافا للرافعي والنووي، فلو أذن له السيد في الإعتاق .. صح إذا لم يكن الإعتاق عن المكاتب.
6519 -
قول "المنهاج"[ص 598]: (فإن صح .. تكاتب عليه) أي: يمتنع عليه بيعه ويعتق بعتقه، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذه اللفظة لم أجدها في كلام الشافعي ولا الأصحاب المتقدمين ولتفاعل معان ليس هذا منها، وإنما معناه تبعه في المقصد من الكتابة وهو: منع بيعه، وأنه يرق برقه ويعتق بعتقه، وهذا اصطلاح شرعي (2).
6520 -
قول "التنبيه"[ص 147]: (وله أن يسافر في أحد القولين دون الآخر) الأصح: جوازه، وحكى الغزالي الخلاف عن العراقيين وجهين (3)، ولا يخفى أن محل المنع: إذا لم يأذن السيد، وفي "المهمات": إن كلام "التنبيه" يقتضي جريان الخلاف مع الإذن أيضًا، وفيه نظر. انتهى.
وقيل: إن كان إلى دون مسافة القصر .. جاز، وإلا .. فلا، ونقله الماوردي عن أكثر الأصحاب (4)، ولا يجوز السفر في الكتابة الفاسدة على الصحيح.
(1) الروضة (12/ 281).
(2)
انظر "حاشية الرملي"(4/ 497).
(3)
انظر "الوسيط"(7/ 534).
(4)
انظر "الحاوي الكبير"(18/ 296).