المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل [في آداب القضاء وغيرها] - تحرير الفتاوي على التنبيه والمنهاج والحاوي - جـ ٣

[ابن العراقي]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الجِنايات

- ‌فصل [في اشتراك اثنين في فعل مزهق]

- ‌فصل [في قتل من ظن كفره]

- ‌فصل [في تغير حال المجني عليه من وقت الجناية]

- ‌فصلٌ [شروط قود الأطراف والجراحات وما يتعلق بها]

- ‌بابُ كيفيّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه

- ‌فصلٌ [في الاختلاف]

- ‌فصلٌ [ثبوت حق القصاص للوارث]

- ‌فصلٌ [موجب العمدِ القودُ]

- ‌كتابُ الدّيات

- ‌فصلٌ [في الشجاج التي تجب فيها الحكومة]

- ‌فَرْعٌ [في دية المعاني]

- ‌فرعٌ [تداخل ديتين فأكثر]

- ‌فصلٌ [فيما تجب فيه الحكومة وقدرها]

- ‌باب ما تجب به الدّية من الجنايات

- ‌فصل [في الاصطدام]

- ‌باب العاقلة

- ‌فصلٌ [جناية العبد وتعلقها برقبته]

- ‌تَنْبِيهٌ [لو كان العبد المأمور بجناية مرهونًا مقبوضًا بالإذن]

- ‌بابُ ودية الجنين

- ‌بابُ كفّارة القتل

- ‌فَصْلٌ [ما يثبت به موجب القصاص]

- ‌كتابُ البُغاة

- ‌بابُ أدب السلطان

- ‌كتابُ الرِّدَّة

- ‌كتابُ الزِّنا

- ‌كتابُ حَدِّ القّذْف

- ‌كتابُ قطع السّرقة

- ‌فَصْلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]

- ‌فَصْلٌ [إقامة الحد على الذِّمِّيُّ والمعاهد]

- ‌فَصْلٌ [فيما تثبت به السرقة]

- ‌فَصْلٌ [في صفة القطع وما يتعلق بها]

- ‌كتابُ قاطع الطَّريق

- ‌فَصْلٌ [في اجتماع الحدود]

- ‌كتاب الأشربة

- ‌بابُ التَّعزير

- ‌كتابُ الصِّيال وضمان الولاة

- ‌فَصْلٌ [ضمان الولاة]

- ‌فَصْلٌ [ضمان الدواب والبهائم]

- ‌كتاب السير

- ‌فصل [في الاستعانة على الغزو]

- ‌فصل [حكم أسرى الكفار]

- ‌فصل [في الأمان]

- ‌فصل [في الجزية]

- ‌فصل [جملة من أحكام عقد الذمة]

- ‌باب الهدنة

- ‌كتابُ الصَّيُد والذّبائح

- ‌فصَلٌ [في بعض شروط الآلة والذبح والصيد]

- ‌فصَلٌ [فيما يملك به الصيد]

- ‌كتابُ الأضحية

- ‌بابُ العَقِيقة

- ‌كتابُ الأَطعِمة

- ‌كتاب المسابقة والمناضلة

- ‌تَنْبِيْهٌ [في بقية شروط المسابقة]

- ‌تَنْبِيْهٌ [لا تتعين صفات الرمي بالشرط]

- ‌كتابُ الأَيْمان

- ‌بابُ من يصح يمينه وما يصح به اليمين

- ‌كتابُ كفّارة اليمين

- ‌بابُ جامع الأيمان

- ‌فَصْلٌ [في أنواع من الحلف على الأكل وعدمه]

- ‌فَصْلٌ [في أنواع من الأيمان]

- ‌فَصْلٌ [فيما لو حلف على أمر فوكل غيره حتى فعله]

- ‌كتابُ النَّذْر

- ‌فصلٌ [في نذر المشي إلى مكة أو الحج والعمرة وما يتعلق به]

- ‌كتابُ القضاء

- ‌فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]

- ‌فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

- ‌فصلٌ [في التسوية بين الخصمين وما يتبعها]

- ‌بابُ القضاء على الغائب

- ‌تَنْبِيْهٌ [لو أقام قيم الطفل بينة على قيم طفل آخر]

- ‌فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

- ‌فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

- ‌بابُ القِسْمَة

- ‌كتابُ الشهادات

- ‌فصلٌ [فيما يحكم به بشهادة رجل واحد]

- ‌تَنْبِبيهٌ [أقسام المشهود به]

- ‌فَصْلٌ [في تحمل الشهادة في النكاح وغيره]

- ‌فَصْلٌ [في الشهادة على الشهادة]

- ‌فَصْلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

- ‌كتابُ الدعوى والبيّنات

- ‌فَصْلٌ [فيما يترتب على سكوت المدعى عليه عن جواب الدعوى]

- ‌تنبيه [على وجوب اليمين وعدمه]

- ‌فصل [متى تغلظ يمين المدعي والمدعى عليه

- ‌فصل [في تعارض البينتين]

- ‌فصل [في اختلاف المتداعيين في العقود]

- ‌كتابُ إلحاق القائف

- ‌كتابُ العِتْق

- ‌فصَلٌ [في العتق بالبعضية]

- ‌فصَلٌ [في العتق في مرض الموت]

- ‌بابُ الولاء

- ‌كتابُ التَّدبير

- ‌كتابُ الكِتابة

- ‌فصل [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]

- ‌فصل [في بيان لزوم الكتابة]

- ‌فصلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدةِ الصحيحةَ]

- ‌كتابُ أمّهات الأولاد

- ‌خاتمة النسخة

- ‌خاتمة النسخة (ج)

- ‌خاتمة النسخة (د)

- ‌أهم مصادر ومراجع التحقيق

الفصل: ‌فصل [في آداب القضاء وغيرها]

ينبغي للقاضي أن ينظر فيها، وفي إنكار ذلك العدل لها، فإن كان يمكن أن تكون عن سهو وغفلة أو اجتهاد وتأويل ونحوه بحيث لا يخل بعدالته .. فيسمعها ويفصلها بيمين أو ببينة كغيرها، إلا أن يظهر له من المدعي تعنت .. فيدفعه، وإن كان إنكاره لا يمكن أن يكون إلا قادحًا فيه .. فينبغي أن لا تسمع دعوى المدعي وطلبه تحليفه إلا أن يأتي ببينة، وذلك لأن ما يدعيه والحالة هذه مخالف لما ثبت من عدالته، وله طريق وهو البينة، ولم يقم لنا دليل من الشرع على أن كل دعوى مسموعة، بل على أن الناس لو أعطوا بدعواهم .. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.

ومعنى هذا: دفع أن يعطى الناس بدعواهم، وإنما يعطى المدعي حيث يعطى بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، وإن لم يكن كذلك .. فلا يعطى ويحلف المدعى عليه حيث تسمع دعوى المدعي، وأما متى تسمع؛ فليس في اللفظ تعرض لبيان، وهو مفوض إلى رأي القاضي، فإن رآها محتملة .. سمعها، أو مستحيلة .. ردها، وقد تختلف حال احتمالها، وهو مفوض إلى اجتهاده، وقد يستوي الأمران عنده .. فيسمعها بشروطها على من يسوغ سماع الدعوى عليه، وعند قوة كذبه ينبغي ألا يسمعها؛ فليس في الشرع ما يوجب سماع كل دعوى، ألا ترى أن في القسامة لما قوي جانب المدعي في اللوث .. كانت اليمين في جانبه، وترجح على جانب المدعى عليه؛ فلذلك إذا قوي جانب المدعى عليه .. ينبغي أن تندفع عنه اليمين حتى تقوم بينة تكون الحجة فيها أقوى من ظاهر حاله؛ فباب القسامة فتح لنا اعتماد الظنون. انتهى.

‌فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

5924 -

قول " التنبيه "[ص 251]: (وإذا ولى الإمام رجلًا .. كتب له العهد) و" المنهاج "[ص 560]: (ليكتب الإمام لمن يوليه) قد يفهم وجوبه، وليس كذلك، بل هو استحباب صرح بذلك جمع من الأصحاب، ولا خلاف فيه، قاله شيخنا في " تصحيح المنهاج "؛ ولهذا لم يذكره " الحاوي "، ولا يختص ذلك بالإمام؛ فقاضي الإقليم إذا ولى نائبًا في عمل من إقليمه .. يستحب أن يكتب له تقليدًا بما فوضه إليه وبما يشترطه عليه.

5925 -

قول " التنبيه "[ص 251]: (وأشهد على التولية شاهدين) أحسن من قول " المنهاج "[ص 560]: (ويُشهد بالكتاب شاهدين) لأن الاعتماد على التولية دون الكتاب، قال الأصحاب: ليس هذا على قواعد الشهادات؛ إذ ليس هناك قاض يؤدي عنده الشهادة، قاله في " أصل الروضة "(1).

(1) الروضة (11/ 131).

ص: 559

وفي كلام الماوردي: أن الشاهدين يشهدان عند أهل البلد بالولاية، وأقام صاحب " المطلب " هذين الكلامين وجهين.

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أنه إذا كان المدار على الإخبار، وأنه ليس على قواعد الشهادات .. فينبغي أن يكتفى بواحد؛ لأن هذا من باب الخبر، قال: ولم أر من تعرض لذلك.

5926 -

قول " التنبيه "[ص 251]: (وقيل: إن كان البلد قريبًا بحيث يتصل به الخبر .. لم يلزمه الإشهاد) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 560]:(وتكفي الاستفاضة في الأصح) وظاهره تبعًا " للمحرر " الاكتفاء بها ولو كان البلد بعيدًا (1)، لكن رجح في " الروضة " وأصلها: أن ذلك في البلد القريب، ثم قال: ومن الأصحاب من أطلقهما ولم يفرق بين القريب والبعيد، قال ويشبه أن لا يكون خلاف ويكون التعويل على الاستفاضة (2).

ومشى " الحاوي " على الإطلاق كما سنحكي عبارته، وظاهر قول " التنبيه " [ص 251]: الم يلزمه الإشهاد) لزوم الإشهاد في غير هذه الصورة، وليس كذلك، وإنما المراد توقف الثبوت على الإشهاد؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 659]:(ويثبت بشاهدين أو شهرةٍ) وظاهره انحصار ثبوته في ذلك، وعليه يدل قول "المنهاج " [ص 560]:(لا مجرد كتاب على المذهب) وأراد به: القطع بذلك؛ فإن عبارة "الروضة": هو المذهب والمفهوم من كلام الجمهور، وذكر الغزالي فيه وجهين (3).

وهذه الطريقة هي التي في " المحرر " فقال: (فيه وجهان)، أظهرهما: لا (4).

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أن الخلاف في مجرد الكتاب، وليس كذلك، بل الخلاف في الكتاب مع قول المتولي وظهور مخايل الصدق، وهو مقتضى نصوص الشافعي، بل نصه في " الرسالة " في تثبيت خبر الواحد يقتضي الاكتفاء بقول من تولى العمل إذا كان معروفًا بالصدق عند أهل عمله (5).

5927 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) زاد " التنبيه "[ص 251]: (قبل دخوله) وفي " الروضة ": إذا أراد الخروج إلى بلد قضائه .. سأل، فإن لم يتيسر .. ففي الطريق، فإن لم يتيسر .. فحين يدخل (6).

(1) المحرر (ص 486).

(2)

فتح العزيز (12/ 450)، الروضة (11/ 131).

(3)

الروضة (11/ 131).

(4)

المحرر (ص 486).

(5)

الرسالة (ص 407).

(6)

الروضة (11/ 132).

ص: 560

5928 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (ويدخل يوم الإثنين) عبارة " التنبيه "[ص 251]: (والمستحب أن يدخل صبيحة يوم الإثنين) فزاد دخوله صبيحته، قال:(وإن فاته .. دخل السبت أو الخميس)(1)، وعبارة " الروضة ": قال الأصحاب: فإن تعسر يوم الاثنين .. فالخميس، وإلا .. فالسبت (2).

فبيّن تقديم الخميس على السبت.

5929 -

قولهم - والعبارة " للتنبيه " -: (وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين)(3) قال الإمام: إنه على وجه الوجوب (4)، وفي الرافعي في أواخر الآداب: إنه سنة (5)، ولو قال " التنبيه ":(المحبوسين) .. لكان أولى من المحبسين، وأفصح.

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومحله: ما إذا لم يكن هناك أمر أهم منه؛ كالنظر في المحاجير الجائعين الذين تحت نظره، وما أشرف على الهلاك من الحيوانات في التركات وغيرها، وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه ونحو ذلك (6)، وذكر الماوردي: أنه قبل النظر في المحبسين يتسلم المحاضر والسجلات من القاضي المنصرف، وأموال الأيتام والضوال والوقوف، والذي ذكرناه أهم وأولى. انتهى (7).

5930 -

قول " التنبيه "[ص 253]: (فمن حبس بحق .. رده إلى الحبس) و" المنهاج "[ص 560]: (فمن قال: " حبست بحق " .. أدامه) ليس على إطلاقه، بل إن كان حدًا .. أقامه، وأطلقه، وإن كان مالًا .. أمر بأدائه، فإن ادعى الإعسار .. فعلى ما سبق في التفليس، فإن لم يؤد ولم يثبت إعساره .. رد إلى الحبس، وإن أدى أو ثبت إعساره

نؤدي عليه؛ لاحتمال خصم آخر، فإن لم يحضر أحد .. أطلق.

ولا إيراد على " المحرر " لأنه عبر بقوله: (أمضي الحكم عليه)(8)، وهو صادق بما فصلناه.

ويستثنى من ذلك: ما إذا حبس تعزيرًا ورأى القاضي إطلاقه، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 660]:(وللتعزير إن رأى) وفيه تقييد لإطلاق الغزالي إطلاقه؛ فإن الرافعي قال بعد نقله عنه:

(1) التنبيه (ص 251).

(2)

الروضة (ص 251).

(3)

انظر " التنبيه "(ص 253)، و" الحاوي "(ص 660)، و " المنهاج "(ص 560).

(4)

انظر " نهاية المطلب "(18/ 570).

(5)

انظر " فتح العزيز "(12/ 451).

(6)

انظر" مغني المحتاج "(4/ 387).

(7)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 35).

(8)

المحرر (ص 486).

ص: 561

وأن معظم الكتب ساكتة عنه، ولو بانت [خيانته] (1) عند الثاني ورأى إدامة حبسه .. فالقياس: الجواز (2).

وفي " الكفاية " عن " الحاوي " و" البحر ": لو قال: حبسني تعزيرًا للرد كان مني .. فقد استوفى حبس التعزير بعزل الأول، وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول؛ لأن الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره (3)، وحكاه في " المهمات " عن " المحيط " لمحمد بن يحيى.

5931 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (أو ظلمًا .. فعلى خصمه حجة) أورد عليه: أنها عبارة غير مستقيمة، ولا مطابقة " للمحرر " فإن الذي فيه إنما هو فيما إذا قال: حبست ظلمًا (4)، وكذا قال في " الحاوي " [ص 660]:(وعلى خصم زاعم الظلم الحجة) ولما عبر " التنبيه "[ص 253] بقوله: (ومن حبس بغير حق) .. قال: (خلاه)، وكيف يستقيم مع الجزم بأنه محبوس ظلمًا أن يقول لخصمه: أقم حجة بما عرفنا أنه ظلم والقاضي لا يقضي بخلاف علمه؟ وإنما يستقيم هذا الحكم - وهو إلزام خصمه الحجة - إذا كان هو القائل: حبس ظلمًا، وخصمه ينازعه. كذا أورد.

والحق أنه لا يرد؛ لأن قول " المنهاج ": (ظلمًا) هو معمول قول المحبوس: (حبست) فهو في ذلك " كالمحرر " و" الحاوي ".

ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في هذا الحكم، وقال: إنه ممنوع؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي وخصمه هو المدعى عليه؛ فالقول قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وقد اعترف المحبوس بها، وهي أن الحاكم حبسه، وقد جزم الفوراني بأنه لا يقبل قوله، وقال الماوردي فيما إذا ادعى أن الحاكم حبسه بغير حق لغير خصم: إن شهدت بينة بأنه حبس بحق .. عزر في جرحه لحابسه، أو ظلمًا .. نادى ثلاثًا في حضور خصم إن كان له، وأطلق بعد الثلاث إن لم يحضر، وإن لم تقم بينةٌ بأحدهما .. أعاده إلى الحبس حتى ييأس بعد الكشف من ظهور حق عليه، وطالبه بكفيل بنفسه ثم أطلقه، ثم قال: فإن قيل: فالكفالة في النفس لا تصح إلا فيمن ثبت عليه حق قبل الحبس من جملة الحقوق، فإن عدم كفيلًا .. استظهر في بقاء حبسه على طلب كفيل، ثم أطلقه عند إعوازه، وهو غاية ما يقدر عليه القاضي من استظهاره (5)، قال شيخنا: والذي أوقع الرافعي في جزمه بهذا الحكم المخالف

(1) في " فتح العزيز "(جناية).

(2)

انظر " فتح العزيز "(12/ 453).

(3)

الحاوي الكبير (16/ 36)، بحر المذهب (11/ 160).

(4)

المحرر (ص 486).

(5)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 37).

ص: 562

للقواعد والشواهد كلام الغزالي تبعًا لإمامه، قال: والذي عندنا في ذلك أنه إن قال: حبست لغير خصم، فحضر رجل وقال: أنا خصمه، فأنكره .. اتجه أن القول قول المحبوس بيمينه، وعلى خصمه الحجة، وبهذا صوره ابن الصباغ وطائفة، وإن قال: حبست لفلان بغير حق .. فلا سبيل هنا إلى تصديق المحبوس بيمينه، وتكليف خصمه الحجة. انتهى.

وقال الرافعي في قول " الوجيز ": (فيطلق كل من حبس بظلم) فإن المراد منه: إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه، أو كان القاضي عالمًا وقلنا: يقضي بعلمه، فأما إذا قال المحبوس: أنا مظلوم .. فهو مذكور من بعد (1).

قال في " المهمات ": وتخريجه الإطلاق من الحبس عند علم القاضي بالظلم على القضاء بالعلم باطل؛ فإنه ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، فلو رده إلى الحبس حتى يؤدي الحق المدعى به .. لكان قاضيًا بخلاف ما يعلمه.

5932 -

قول " المنهاج "[ص 560]- والعبارة له - و" الحاوي "[ص 660]: (فإن كان غائبًا .. كتب إليه ليحضر) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أطلق إحضار هذا الغائب ولو بمسافة القصر فما فوقها بقضية لم يتوجه عليه فيها طلب وتعطل عليه أحواله وينفق فيها أمواله، وقد اعترف المحبوس أن القاضي حبسه للمذكور وإجابته إلى إحضاره من العجائب أن يصير المطلوب المحبوس طالبًا لمن له الحق عليه بمقتضى الظاهر من حبس القاضي المنصرف، وليس في الشريعة ما يشهد لهذا.

قلت: ليس المراد إلزامه بالحضور، بل إعلامه بذلك؛ ليلحن بحجته في إدامة حبس المحبوس إن كانت له بذلك حجة.

وعبارة " أصل الروضة ": وإن ذكر خصمًا غائبًا .. فقد قيل: يطلق قطعًا، والأصح: أنه على وجهين، فإن قلنا: لا يطلق .. حبس، أو يؤخذ منه كفيل ويكتب إلى خصمه في الحضور، وإن لم يفعل .. أطلق حينئذ. انتهى (2).

وليس فيه تصريح بترجيح، لكن في بعض النسخ: على الوجهين؛ أي: فيما إذا كان خصمه ظاهرًا، ومقتضاه: تصحيح أنه لا يطلق كالحاضر، وعبارة الرافعي: فإن قلنا: يطلق .. فيحبس، أو يؤخذ منه كفيل، فذكر الكفيل تفريعًا على الإطلاق، ولم يخير بينه وبين الحبس تفريعًا على عدمه (3)، فعبارة " الروضة " في ذلك غير مطابقة له.

(1) انظر " فتح العزيز "(12/ 453).

(2)

الروضة (11/ 133).

(3)

فتح العزيز (12/ 452).

ص: 563

5933 -

قول " الحاوي "[ص 660]: (ونودي إن زعم الجهل، فإن لم يحضر .. أطلق) أي: بعد تحليفه على ما ادعاه؛ ولذلك قال " التنبيه "[ص 253]: (ومن ادعى أنه حبس بغير خصم .. نادى عليه ثم يحلفه ويخليه) وظاهر كلامهما الاكتفاء بالنداء ساعة، وفي " تعليق القاضي الحسين ": نادى عليه ساعة أو ساعتين، وفي " الكفاية " عن " البحر ": ثلاثة أيام (1)، وكذا في " الحاوي " للماوردي (2)، ولم يتعرض الرافعي لقدر مدة النداء.

قال في " الوسيط " تبعًا للإمام: وفي مدة النداء لا يحبس ولا يخلى بالكلية، بل يرتقب (3).

5934 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (فمن ادعى وصاية .. سأل عنها وعن حاله وتصرفه، فمن وجده فاسقًا .. أخذ منه المال) يفهم أنه لا يأخذ منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين حكاهما في " الروضة " وأصلها بلا ترجيح (4).

وقال في " التوشيح ": الأرجح في النظر، وهو ما كتب لشاهده من صنيع الشيخ الإمام الانتزاع.

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح عندنا: أنه ينتزعه منه، قال: ومحل [الوجهين](5) ما إذا لم تثبت عدالته عند الأول، فإن ثبتت وأطلق تصرفه .. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا، بخلاف ما إذا عدل الشاهد ثم شهد في واقعة أخرى بحيث طال الزمان .. فرجح في " الروضة " وأصلها: الاحتياج إلى الاستزكاء؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال (6)، والفرق: أن الوصاية قضية واحدة، وقد ثبت الحال فيها، فلا يتكرر، ولو كلفنا الوصي ذلك

لأضررنا المحجور عليه باشتغال الوصي عنه بإثبات عدالته، ولا كذلك الشاهد (7)، قال: وبذلك صرح ابن الصباغ، وإن أوهم تعبير " الروضة " وأصلها خلافه.

5935 -

قوله: (أو ضعيفًا .. عضده بمعين)(8) كذا لو كان المال كثيرًا لا يمكن الواحد حفظه والتصرف فيه، وهو راجع إلى الضعف؛ فقد يكون سببه عجز الإنسان في نفسه، وقد يكون سببه كثرة المال.

(1) بحر المذهب (11/ 160).

(2)

الحاوي الكبير (16/ 36).

(3)

الوسيط (7/ 299)، وانظر " نهاية المطلب "(18/ 571).

(4)

فتح العزيز (12/ 454)، الروضة (11/ 134).

(5)

في (ج): (القولين).

(6)

فتح العزيز (12/ 509)، الروضة (11/ 174).

(7)

انظر " مغني المحتاج "(4/ 388).

(8)

انظر " المنهاج "(ص 560).

ص: 564

5936 -

قوله: (ويتخذ مزكيًا)(1) لو قال: (مزكيين) كما في " الحاوي "(2) .. لكان أولى؛ فإنه لا يكتفى بواحد إلا إن نصب حاكمًا في الجرح والتعديل، وعبارة " التنبيه " [ص 252]: (ويتخذ قومًا من أصحاب المسائل

إلى أخر كلامه)، وعبارة " الروضة ": ينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل، فالمزكون المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود، وأصحاب المسائل هم الذين يبعثهم إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشافعي بالمزكين (3).

5937 -

قول " المنهاج "[ص 560] و" الحاوي "[ص 660]: (وكاتبًا) قيده " التنبيه " بالاحتياج لذلك (4)، ومحل استحبابه: إذا لم يطلب الكاتب أجرة أو كان رزقه من بيت المال، فإن طلبها ولا رزق له عليه .. لا يعين كاتبًا.

5938 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (استحب أن يكون مسلمًا، عاقلًا، عدلًا، فقيهًا) الإسلام والعدالة شرطان، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 560]:(ويشترط كونه مسلمًا، عدلًا) و" الحاوي " فقال [ص 660]: (مسلمًا عدلًا شرطًا) مع أن ذكر العدالة يغني عن الإسلام؛ فلا عدالة مع الكفر.

وقولهم: (إن الكافر قد يكون عدلًا في دينه) تجوّز، وعلامة المجاز فيه لزوم التقييد، والمراد بالعقل: وفوره، لا مطلقه، كما صرح به " المنهاج ".

ويشترط أيضًا كونه عارفًا بكتابة محاضر وسجلات، ذكره " المنهاج "(5)، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مخالف لظاهر النص، ولكلام جمع من الأصحاب، وللمعنى؛ فإنه يكتب ما يمليه القاضي، فلا يشترط فيه ذلك؛ لإمكان أن يكون بإملاء الحاكم أو غيره أو نقل من نسخه، والقاضي لا بد له من الإطلاع عليه. انتهى.

ولذلك لم يذكره " الحاوي " أيضًا، وحمل عليه البارزي قوله: فقيهًا، ففسره بمعرفة ما يكتب، ولا يطابق مع ذلك كلام الرافعي؛ لأن ذلك شرط عنده، وإنما ذكره " الحاوي " في المستحبات، وقال بعضهم: إن اشتراط ذلك مأخوذ من تسميته كاتبًا، وفيه نظر، واشترط الماوردي والروياني الحرية، وقد يفهم ذلك من اشتراط العدالة (6)، ويوافقه قول الشافعي رضي الله

(1) انظر " المنهاج "(ص 560).

(2)

الحاوي (ص 661).

(3)

الروضة (11/ 168).

(4)

التنبيه (ص 252).

(5)

المنهاج (ص 560).

(6)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 199).

ص: 565

عنه في " الأم ": (ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبًا لأمور الناس حتى يَجْمَعَ أن يكون عدلًا جائز الشهادة) ثم قال: (فإن كتب له عنده في حاجة نفسه وضيعته دون أمر المسلمين .. فلا بأس)(1).

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج " بعد حكاية ذلك. ولكن المعنى القوي يقتضي جواز اتخاذ العبد كاتبًا إذا كان مسلما عدلًا؛ لأنه لا يؤدي شهادة، فاعتبار الحرية فيه بعيد.

قلت: المعتاد في المسجل على القاضي أن يشهد عليه بما تضمنه الإسجال؛ ليؤدي ذلك عند قاض آخر إذا احتاج إليه، فمن هنا اعتبرت الحرية؛ لأن شهادة العبد غير مقبولة، والله أعلم.

5939 -

قول " الحاوي "[ص 661]: (ومترجمين) أحسن من قول " المنهاج "[ص 560]: (ومترجمًا) مع أنه صرح بعده بأن شرطه: العدد، وظاهر كلامهما اعتبار كونهما رجلين وإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، لكن في " أصل الروضة " عن الأصحاب: الاكتفاء برجل وامرأتين فيما يثبت برجل وامرأتين، قال: وانفرد الإمام باشتراط رجلين، واختاره البغوي لنفسه (2).

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لم ينفرد الإمام بذلك، بل هو منصوص " مختصر المزني "، وقال به الأصحاب فيما إذا كانت الترجمة من جانب المدعي أو المدعى عليه بالإنكار أو بالإقرار في غير المال وحقه تفريعًا على اعتبار التعدد، فإن كانت من جانب المدعى عليه بالإقرار بالمال أو بحقه، ولا يختلف المذهب في أنه يكفي في ذلك رجل وامرأتان. انتهى.

وقال شيخنا ابن النقيب: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة؛ فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن يحيط الشخص بجميعها، ويبعد أن يقال: يتخذ من كل لغة اثنين؛ فإن ذلك كثير مشق. فالأقرب أن يتخذ من اللغات التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا، والله أعلم (3).

5940 -

قول " التنبيه "[ص 257]: (ولا يقبل فيه إلا قول من تقبل شهادته) يستثنى منه: الأعمى؛ فإنه يقبل في الترجمة على الأصح، مع أنه لا تقبل شهادته، وقد ذكره " المنهاج "(4).

ومحله: فيما إذا كان أهل المجلس سكوتًا، فإن تكلم بعضهم .. لم تقبل شهادته بالترجمة قطعًا إذا احتمل الالتباس بذلك، ذكره في " المطلب "، والمراد: إذا تكلم غير المترجم عنه بتلك اللغة التي تكلم بها المترجم عنه، والله أعلم.

5941 -

قول " التنبيه "[ص 257]: (فإن كان الدعوى في زنا .. ففيه قولان، أحدهما: يقبل في

(1) الأم (6/ 210).

(2)

الروضة (11/ 136)، وانظر " نهاية المطلب "(18/ 490)، و" التهذيب "(8/ 187).

(3)

انظر " السراج على نكت المنهاج "(8/ 201).

(4)

المنهاج (ص 560).

ص: 566

الترجمة اثنان، والثاني: لا يقبل إلا أربعة) الأول هو الأصح.

5942 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) لا يخفى أنه مع ذلك يسمع رفع الصوت، وإلا .. استحالت المسألة، ولم تصح ولايته.

5943 -

قول " التنبيه "[ص 249]: (ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا) يستثنى: وقت الخلوة، قال الإمام: فلو جلس للقضاء وهناك زحمة؛ فإن رأى المصلحة في اتخاذه .. اتخذه، أو في الترك .. فلا (1)، وعبارة " الحاوي " [ص 662]:(وكره نصب بواب وحاجب إن جلس له ولا زحمة).

5944 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (ويأمره أن لا يقدم أخيرًا على أول) لا يمنع التسوية بينهما، فلو قال كمختصره " النبيه ":(ولا يقدم خصمًا إلا بسبق) .. لكان أولى؛ لأن تقديم السابق واجب.

5945 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (ويتخذ درة للتأديب) قد يفهم أنه لا يؤدب بالسياط، وهو ما في " أصل الروضة " عن " تتمة التتمة " في مشى الأدب بين يدي القاضي؛ وعلله بأن الضرب بالسياط من شأن الحدود، لكن رده الرافعي بقول الشافعي في تأديب شاهد الزور: لا يبلغ أربعين سوطًا (2)، وقال الماوردي: لا يجوز للزوج أن يعزر زوجته بالسياط؛ معللًا بمثل ذلك.

قال في " التوشيح ": وقد يقال: يعزر بالسياط في الكبيرة التي لا حد فيها بخلاف الصغيرة، ولكن ليس ذلك بشيء، والحق الذي لا مرية فيه أن للقاضي أن يؤدب بالسوط وغيره، وما عدا ذلك غلط فاحش، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به، أو محمول على صغائر المعاصي، ثم هو مع ذلك ضعيف.

5946 -

قوله: (ويستحب أن يكون مجلسه فسيحًا، لا مسجدًا)(3) أي: يستحب أن لا يكون مسجدًا، والمراد: اتخاذه لذلك كما صرح به في " المحرر " و" الروضة " وأصلها (4)، ولذلك قال في " التنبيه " [ص 253]:(ولا يجلس للقضاء في المسجد، فإن اتفق جلوسه فيه وحضره الخصمان .. لم يكره أن يحكم بينهما) وهذا يدل على كراهة اتخاذه مجلسًا للحكم، وبه صرح " الحاوي " فقال [ص 662]:(وكره المسجد لا لمتفرقةٍ) أي: قضايا متفرقة اتفق حضورها وقت حضوره المسجد، وفي تأدية هذا اللفظ لهذا الغرض نظر.

5947 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (ولا يقضي وهو غضبان) و" المنهاج "[ص 560]: (ويكره

(1) انظر " نهاية المطلب "(18/ 468).

(2)

فتح العزيز (12/ 469)، الروضة (11/ 144)، وانظر " الأم "(7/ 127).

(3)

انظر " المنهاج "(ص 560).

(4)

المحرر (ص 487)، فتح العزيز (12/ 460)، الروضة (11/ 138).

ص: 567

أن يقضي في حال غضب) وهو داخل في قول " الحاوي "[ص 662]: (وكره الحكم بما يدهش عن الفكر) استثنى منه صورتان:

إحداهما: أن يكون الغضب لله تعالى كما حكاه الرافعي عن الإمام والبغوي وغيرهما، ثم قال: وظاهر كلام آخرين أنه لا فرق (1).

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والمعتمد الاستثناء، والفرق أن الغضب لله تعالى يؤمن معه التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس؛ فإنه لا يؤمن معه مجاوزة الحد.

قال في " المطلب ": ولو فرق بين أن يكون ما حكم به في هذه الأحوال لا مجال للاجتهاد فيه، فلا يكره؛ لأن المحذور مأمون فيه، أو الاجتهاد فيه مجال، فيكره .. لم يبعد.

ثانيهما: إذا كان الغضب يخرجه عن طريق الاستقامة .. فإنه يحرم عليه القضاء في هذه الحالة، وفي نص " الأم " ما يشهد له (2)، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج ".

5948 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (وكل حال يسيء خُلُقُهُ) كذا في بعض النسخ، وفي نسخة المصنف:(يسوء خلقه) أي: فيها، وهذا لا يتناول عروض النوم، ولا كونه حاقنًا أو حاقبًا؛ لأن ذلك لا يسيء الخلق، فلو عبر " كالحاوي " بقوله [ص 662]:(والحكم بما يدهش عن الفكر) .. لكان أحسن، وعبارة " التنبيه "[ص 252، 253]: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا جائع، ولا عطشان، ولا مهموم، ولا فرحان، ولا يقضي والنعاس يغلبه، ولا يحكم والمرض يقلقله، ولا وهو حاقن أو حاقب، ولا في حر مزعج ولا برد مؤلم، فإن حكم في هذه الأحوال .. نفذ حكمه).

5949 -

قول " المنهاج "[ص 560]- والعبارة له - و" الحاوي "[ص 661]: (ويندب أن يشاور الفقهاء) محله عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الأدلة، فأما الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي .. فلا؛ ولهذا قال " التنبيه " [ص 253]:(فإن اتفق أمر مشكل .. شاورهم فيه).

5950 -

قول " الحاوي "[ص 661]: (وخرج إن اجتمع الفقهاء) تبع فيه " الوجيز "(3)، قال الرافعي: وهو كالصريح في أنه يحضرهم قبل خروجه، وهذا وإن لم يتعرض له المعظم .. فيجوز أن يُوَجَّه بأنهم بانتظاره أولى كما في الصلاة (4).

5951 -

قول " المنهاج "[ص 560]: (وألا يشتري ويبيع بنفسه، ولا يكون له وكيل معروف)

(1) فتح العزيز (12/ 462)، وانظر " نهاية المطلب "(18/ 469)، و" التهذيب "(8/ 173).

(2)

الأم (7/ 94).

(3)

الوجيز (2/ 239).

(4)

انظر " فتح العزيز "(12/ 465).

ص: 568

أي: يندب ذلك، وكذا في " المحرر "(1)، لكن في " الحاوي ":(وكره أن يعامل بنفسه ووكيل يعرف) والكراهة هي التي في " الروضة " و" الشرحين "، ولا يختص ذلك بالبيع والشراء، بل الإجارة وسائر المعاملات كذلك، بل نص في " الأم " على أنه لا ينظر في نفقة عياله، ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره؛ ليتفرغ قلبه (2).

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله فيما إذا احتمل وجود محاباة، فلو تحقق عدم المحاباة .. لم يكن مخالفًا للندب؛ لكي لا يتعاطاه في مجلس الحكم.

5952 -

قولهما - والعبارة " للمنهاج " -: (فإن أهدى إليه من له خصومة .. حرم قبولها)(3) لا يفهم منه أنه لا يملكها، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 662]:(ولا يملك) قال البندنيجي: وكذا لو أحس أنها لحكومة، ووقع في " الروضة ": أن محل تحريم هدية ذي الخصومة ما إذا كان في محل ولايته، قال: وهديته في غير محل ولايته كهدية من عادته أن يهدي له قبل الولاية .. فلا يحرم قبولها على الصحيح (4).

وهذا غلط بلا شك، وليس مقصودًا، وإنما حصل الخلاف فيه من شيء سقط عليه من كلام الرافعي، وهذا التفصيل بين العادة وغيرها إنما هو في غير صاحب الخصومة.

5953 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية) هو مفهوم من قول " الحاوي "[ص 662]: (عُهِدَ منه) وهو حرام كما صرح به " المنهاج "(5)، ثم لا يخفى أن محل التحريم: ما إذا كان المهدي في عمله سواء كان من أهله أم لا، فلو أرسل بها إليه في عمله من ليس من أهل عمله، ولم يدخل معها ولا حكومة له .. ففي جواز قبولها وجهان في " الكفاية " عن الماوردي.

5954 -

قول " التنبيه "[ص 252]- والعبارة له - و" الحاوي "[ص 662]: (فإن لم يكن له خصومة - أي: من له عادة - .. جاز أن يقبل) قيده في " المنهاج " بقوله [ص 560]: (بقدر العادة)، وهو من زيادته على " المحرر " بلا تمييز، ومقتضاه: اختصاص التحريم فيما إذا زاد بالقدر الزائد، لكن قول " أصل الروضة ":(فإن زاد المهدي على قدر المعهود .. صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية)(6) يقتضي تحريم الكل.

(1) المحرر (ص 487).

(2)

فتح العزيز (12/ 465، 466)، الروضة (11/ 142)، وانظر " الأم "(6/ 199).

(3)

انظر " التنبيه "(ص 252)، و" المنهاج "(ص 560).

(4)

الروضة (11/ 143).

(5)

المنهاج (ص 560).

(6)

الروضة (11/ 143).

ص: 569

وقال في " المهمات ": القياس تخصيص ذلك بما زاد ويخرج الباقي على تفريق الصفقة، وحينئذ .. فتصير الهدية مشتركة على الصحيح، فإن زاد في المعنى؛ كإهداء الحرير بعد أن كان يهدي الكتان .. فهل يبطل في الجميع أم يصح فيها بقدر قيمة العادة؛ فيه نظر، والاْوجه: الأول. انتهى.

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا .. حرم الكل.

وقال شيخنا ابن النقيب: لو قال " المنهاج ": (كالعادة) .. لكان أشمل ليعم القدر والصفة (1).

5955 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (والأفضل أن لا يفعل) ينافي قول " المنهاج " في هذه الحالة [ص] 560: (والأولى أن يثيب عليها) فإنه جعل الأولوية في الإثابة لا في عدم القبول، وجمع " الحاوي " بين الأمرين فقال [ص 662]:(ندب أن لا يأخذ أو يثيب) فدل على حصول الاستحباب بأحد الأمرين، والله أعلم. تنبيهات:

أحدها: قال في " التوشيح ": ما ينعم به الملوك على القضاة من الخلع وغيرها لا يظهر أن حكمه حكم الهدية، بل إنه حلال؛ لأنه لا يفعل لاستمالة قلب القاضي في محاكمة، لكن بشرطين:

أحدهما: أن يجد القاضي من نفسه أن حاله لم يتغير في التصميم على الحق، وأنه قبل الهدية وبعدها سواء. الثاني: أن تجري عادة ذلك الملك الفعل هذا مع من هو في منصب هذا القاضي سواء تقدم له فعله مع هذا القاضي أم لا؛ لأنه إنما يهدي لصاحب المنصب من حيث هو، وخصوص هذا القاضي عنده غير معتبر.

الثاني: قال السبكي في " الحلبيات ": يجوز للقاضي قبول الصدقة ممن لم يكن له عادة (2)، وقال في " تفسيره ": إن لم يكن المتصدق عارفًا بأنه القاضي ولا القاضي عارفًا بعينه .. فلا شك في الجواز، وإلا .. فيحتمل أن يكون كالهدية، ويحتمل الفرق بأن المتصدق إنما يبتغي ثواب الآخرة.

قال في " التوشيح ": وهذا التفصيل حق.

قلت: وينبغي أن يجوز له أخذ الزكاة قطعًا.

الثالث: تردد السبكي في " تفسيره " فيما لو شرط واقف تدريس مدرسة للقاضي، وكان

(1) انظر " السراج على نكت المنهاج "(8/ 204).

(2)

قضاء الأرب في أسئلة حلب (ص 351) مسألة (32).

ص: 570

للتدريس معلومٌ (1)، فقال: يحتمل بطلان الشرط، ويحتمل أن يقال: إن طلب القاضي التدريس من غير معلوم .. أجيب إليه، ويصح الشرط، ويحتمل أن يجاب ويأخذ المعلوم؛ لأنه ليس معينًا، قال: وهذا في حياة الواقف، أما بعد موته، أو إذا كان من غير أهل ولايته .. فلا يتخيل فيه منع، قال: وإن وقف عليه واحد من أهل ولايته وشرطنا القبول في الوقف .. فهو كالهدية، وإلا .. فينبغي الحكم بالصحة كما لو كان عليه دين فأبرأه منه، قال: فإنه يبعد أن يقال: لا يصح، قال: بل يصح، وعلى القاضي الاجتهاد في عدم الميل.

قلت: ولو وفَّى عنه دينه بغير إذنه .. ينبغي أن يجوز قطعًا؛ فإن كان بإذنه بشرط عدم الرجوع .. لم يجز قطعًا، قلته بحثًا.

5956 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (ولا يحكم لنفسه) و" الحاوي "[ص 667]: (وقضى حيث شهد) لا يفهم منه أنه لو حكم .. لم ينفذ، وقد صرح بذلك " المنهاج " فقال [ص 561]:" ولا ينفذ حكمه لنفسه " واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا يتضمن حكمه فيها الحكم لنفسه، وهو نافذ:

الأولى: أنه يحكم لمحجوره بالحكم، وإن تضمن استيلاءه على المال المحكوم به، وتصرفه فيه، وفي معناه: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق الحكم.

الثانية: أنه يحكم لمحجوره بالوصية على الأصح في " أصل الروضة "، لكن رجح ابن الرفعة في " المطلب " وشيخنا في " تصحيح المنهاج " مقابله، وفرق في " المطلب " بين هذه والتي قبلها: بأن ولاية القاضي الذي ليس بوصي تنقطع عن المال الذي حكم فيه بانقطاع ولاية القضاء، ولا كذلك الوصي إذا تولى القضاء؛ فإن ما حكم فيه لليتيم الذي هو تحت وصيته تبقى ولايته عليه بعد العزل؛ فقويت التهمة في حقه، وضعفت في حق غيره.

وفرق شيخنا في " تصحيح المنهاج " بينهما بأن الحاكم في الصورة الأولى لو شهد بالمال للمحجور عليه قبل ولايته .. لقبلنا شهادته، بخلاف الوصي يشهد قبل الولاية بالمال لمن هو موصى عليه؛ فإنه لا تقبل شهادته، وفي معنى هذه الصورة: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق خاص غير الحكم.

الثالثة: الأوقاف التي شرط فيها النظر للحاكم أو صادفها النظر له بطريق العموم لانقراض ناظرها الخاص له الحكم بصحتها وموجبها، وإن تضمن الحكم لنفسه في الاستيلاء والتصرف.

الرابعة: للإمام الحكم بانتقال ملك إلى بيت المال، وإن كان فيه استيلاؤه عليه بجهة الإمامة،

(1) أي: أجرة مقدَّرة.

ص: 571

وللقاضي الحكم به أيضًا، وإن كان يصرف إليه في جامكيته ونحوها، وهو قريب مما إذا شهد على شخص لا وارث له سوى بيت المال بما يقتضي قتله .. فهل يجوز أن يصرف له شيء من ماله؛ صحح النووي: المنع، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس الأمر كما قال، وينبغي أن يعد حكمه فيما هو ناظر فيه بخصوص أو عموم صورتين مستقلتين، فتكون الصور ستة، وكذا ذكرها شيخنا في " تصحيح المنهاج ".

واعلم: أن كلامهم يفهم نفوذ حكمه على نفسه، وقد قال الماوردي: إنه مقبول، وحكى وجهين في أنه إقرار أو حكم يظهر أثرهما فيما لو حكم على نفسه بشفعة، الجواز؛ فإنه يلزم على الحكم دون الإقرار، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد أنه لا ينفذ حكمه على نفسه؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه؛ ولأن الحاكم يستوفي من المحكوم عليه، والإنسان لا يستوفي من نفسه لغيره.

5957 -

قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (ورقيقه)(1) استثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا:

الأولى: حكمه لرقيقه بجناية عليه قبل رقه؛ بأن يجني ملتزم على ذمي ثم ينقض المجني عليه العهد، ويلتحق بدار الحرب، فيسترق، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض لذلك، قال: ويوقف المال إلى عتقه، فإن مات رقيقًا .. فالأظهر: كونه فيئًا.

الثانية: العبد الموصى بإعتاقه الخارج عن الثلث، إذا قلنا: إن كسبه له دون الوارث، وكان الوارث حاكمًا .. فله الحكم له بطريقه.

الثالثة: العبد المنذور إعتاقه.

الرابعة: العبد الموصى بمنفعته للذي ورثه الحكم له بكسبه.

الخامسة: إذا كان عبد الحاكم وكيلًا في دعوى، فطلب الحكم عند توجهه .. حكم له مالكه؛ لأن الحكم إنما هو للموكل، والأرجح: أنه يحكم بتسليم المال له أيضًا؛ لأن يده نائبة عن يد الموكل، فليست كيد المالك.

5958 -

قول " المنهاج "[ص 561]: (وشريكه في المشترك) يستثنى منه: ما إذا حكم له بشاهد ويمين الشريك .. فإنه يجوز؛ لأن المنصوص أنه لا يشاركه في هذه الصورة، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض له.

5959 -

قوله: (وكذا أصله وفرعه على الصحيح)(2) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في

(1) انظر " التنبيه "(ص 252)، و" الحاوي "(ص 667)، و " المنهاج "(ص 561).

(2)

انظر " المنهاج "(ص 561).

ص: 572

" المحرر " و" الشرح "(1)، ثم قال في " الشرح ": إن صاحب " التلخيص " عبر عن الخلاف بقولين مخرجين (2)، وليس في كلام " التلخيص " أنهما مخرجان، والمنع قد نص عليه في " المختصر "(3)، ومحل الخلاف في القضاء بغير العلم، ولا ينفذ بالعلم قطعًا كما في " أصل الروضة "(4).

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وإنما أوقع الرافعي في ذلك كلام الإمام، ولكن الإمام إنما منع حيث منعت شهادته لهم (5)، وشهادته لهم ليست ممنوعة قطعًا، بل فيها القولان: الجديد، والقديم، وهنا أمران:

أحدهما: يستثنى من الحكم لأصله أو فرعه: ما إذا كان وكيلًا عن غيره كما سبق، فيما إذا كان عبد الحاكم وكيلًا.

ثانيهما: مقتضاه: امتناع الحكم فقط دون الدعوى والبينة، وكذا قال القاضي حسين في " تعليقه ": إن ظاهر ما ذكره في " المختصر " أنه تسمع منه الدعوى والبينة، ولا يقضي له؛ لأنه قال: يرد حكمه (6)، فخص الحكم بالرد، فدل على أن ما عداه غير مردود، وحكى مع ذلك احتمالًا للقفال بالمنع، وحكى في " النهاية " في ذلك وجهين، وقال: الوجه عندنا: أنه لا ينفذ تعديله البينة، وكذلك إذا كان هو الناقل .. فلا مساغ له، ولينقل الشهادة شاهدان عن الشاهدين الأصليين (7).

5960 -

قوله: (ويحكم لهؤلاء)(8) أعم من قول " المحرر ": (له ولأبعاضه)(9).

5961 -

قوله: (أو قاض آخر)(10) أعم من قول " المحرر " و" الروضة " وأصلها: (أو قاضي بلدة أخرى)(11) لشموله ما لو كان معه في بلدة قاض آخر مستقل.

5962 -

قوله: (وإذا أقر المدعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على

(1) المحرر (ص 487)، فتح العزيز (12/ 472).

(2)

فتح العزيز (12/ 472).

(3)

مختصر المزني (ص 302).

(4)

الروضة (11/ 145).

(5)

انظر " نهاية المطلب "(18/ 589).

(6)

مختصر المزني (ص 302).

(7)

نهاية المطلب (18/ 590).

(8)

انظر " المنهاج "(ص 561).

(9)

المحرر (ص 487).

(10)

انظر " المنهاج "(ص 561).

(11)

المحرر (ص 487)، فتح العزيز (12/ 473)، الروضة (11/ 146).

ص: 573

إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه) (1) هو أنص على الوجوب من قول " المحرر ": (أجابه إليه)(2) وقد يتوهم من عبارتهما: أنه لو أقام المدعي بينة بما ادعاه وسأله الإشهاد به .. لم يلزمه، والأصح: اللزوم.

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أن محل الخلاف فيما إذا لم يطلب منه الحكم بذلك، فإن طلب منه .. لزمه قطعًا؛ لأن فيه زيادة تعلق بها حقه ليست في مجرد قيام البينة، قال: وأما إذا علم القاضي أن الحق على المدعي به، وطلب المدعي منه الحكم على المدعى عليه حيث يجوز القضاء بالعلم، أو طلب منه الإشهاد منه على حكمه .. فإنه يلزمه ذلك، ولا يجيء فيه خلاف البينة؛ لانتفاء المعنى الذي علل به الوجه المرجوح. انتهى.

وقد يفهم كلامهما أنه ليس للمدعى عليه طلب الإشهاد بما جرى، ومحله: فيما إذا لم يكن له فيه مصلحة، فإن كان له فيه مصلحة؛ كخشية تحليف المدعي إياه .. لزم الإشهاد بذلك إذا طلبه؛ لئلا يطالبه بالحلف مرة أخرى.

5963 -

قول " التنبيه "[ص 257]: (وإذا ثبت عند الحاكم حق، فسأل صاحب الحق أن يكتب له محضرًا بما جرى .. كتبه، ووقع فيه، ودفعه إليه) ثم قال: (فإن أراد أن يسجل له .. كتب له سجلًا، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ، وسلمه إليه) لم يبين هل ذلك على طريق الوجوب، أو الاستحباب؛ وفي " المنهاج " [ص 561]:(استحب إجابته، وقيل: يجب)، ومحل الخلاف: إذا كان له من بيت المال قرطاس، أو جاءَهُ به الطالب، وإلا .. لم يجب جزمًا.

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": فإن تبرع متبرع بالقرطاس .. جاء وجه الإيجاب.

5964 -

قولا التنبيه " [ص 254]: (وإن كان يسوغ فيه الاجتهاد ووافق رأيه .. لم ينقضه، وإن خالفه .. ففيه قولان، أحدهما: ينقضه، والثاني: لا ينقضه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " فأطلق أنه لا ينقض ما خالف قياسًا خفيًا (3)، و" الحاوي " فقيد النقض بمخالفة القياس بالجلي (4)، وذكر بعضهم: أن الأول لا يعرف في كلام غير " التنبيه ".

وأورد شيخنا في " تصحيح المنهاج " على قول " المنهاج "[ص 561]: (وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس جلي .. نقضه هو وغيره، لا خفي) أمورًا:

أحدها: أن قوله: (باجتهاد) يرد عليه: ما لو حكم بنص ثم بان أنه منسوخ، أو بعموم نص ثم بان خروج تلك الصورة بدليل مخصص .. فإنه ينقض أيضًا.

(1) انظر " المنهاج "(ص 561).

(2)

المحرر (ص 487).

(3)

المنهاج (ص 561).

(4)

الحاوي (ص 662).

ص: 574

ثانيها: أنه يخرج بنص الكتاب أو السنة دلالة العموم؛ فإنها ليست نصًا عند الشافعية مع أنه ينقض أيضًا.

ثالثها: أن تعبيره يقتضي توقف الحال على نقضه، وليس كذلك، بل الحكم المذكور وقع في نفسه غير معتبر؛ فهو منقوض من غير احتياج إلى نقض، وقول الشافعي وأصحابه في ذلك نقضه محمول على إرادة أظهر نقضه، لا أنه ينعقد حتى ينقضه القاضي.

رابعها: أن قوله: (نقضه هو وغيره) يقتضي التسوية بينهما، وليس كذلك، بل يفترقان في أنه لا يتتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله تتبع قضاء نفسه لينقضه، كذا في " أصل الروضة "(1).

ويرد على قول " التنبيه "[ص 257]: (وإن حكم الحاكم فوجد النص أو الإجماع أو القياس الجلي بخلافه .. نقض حكمه) الإيرادان المتوسطان دون الأول والأخير، ولا يرد على قول " الحاوي " [ص 662]:(ونقض الخطأ قطعًا وظنًا بخبر واحد وقياس جلي) سوى الثالث.

ثم ظاهر كلامهم نقضه من غير ترافع إليه، وهو كذلك في حقوق الله تعالى، أما حقوق الآدميين .. فالذي في " أصل الروضة " عن ابن سريج: أنه لا يلزم القاضي تعريف الخصمين صورة الحال ليترافعا إليه إن علما أنه بان له الخطأ، بل إن ترافعا إليه .. نقض، وعن سائر أصحابنا: أنه يلزمه وإن علما (2)، ومقتضى ذلك: أنه لا ينقضه إلا بعد الترافع، لكن في " الوسيط ": أنه ينقضه وإن لم يرفع إليه (3)، وذكر الماوردي وغيره نحوه.

قال في " المهمات ": والذي ذكروه أوجه مما توهمه عبارة الرافعي، وتأويلها به متعين.

وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يلزمه المبادرة إلى التفريق بين الزوجين، ولا يأتي هنا خلاف ابن سريج؛ للاحتياط في الإبضاع (4).

5965 -

قوله: (كنفي خيار المجلس، والعرايا، وذكاة الجنين، والقصاص بالمثقل)(5) تبع في نقض الحكم بذلك الإمام والغزالي (6)، فإن الرافعي حكاه عنهما في الصورتين الأوليين والرابعة، ثم قال: وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي، فذكر تمام عشر نظائر، ثم قال: ومن الأصحاب من منع النقض وقال: هي مسائل اجتهادية، والأدلة فيها

(1) الروضة (11/ 151).

(2)

الروضة (11/ 150).

(3)

الوسيط (7/ 307).

(4)

انظر " حاشية الرملي "(4/ 304).

(5)

انظر " الحاوي "(ص 662).

(6)

انظر " نهاية المطلب "(18/ 472)، و " الوجيز "(2/ 240).

ص: 575

متقاربة، قال الروياني: وهو الصحيح، وكذا ذكره ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس (1)، واقتصر في " الروضة " على ذكر تصحيح الروياني في جميع الصور (2)، فاقتضى كلامه موافقته، ويوافقه تصحيح الرافعي في النكاح عدم النقض في النكاح بلا ولي.

5966 -

قول " التنبيه "[ص 253]: (وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء .. نقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله ما إذا لم يكن هناك تولية من ذي شوكة بحيث ينفذ الحكم بالجهل، فإن كان .. لم ينقض ما أصاب فيه.

5967 -

قول " المنهاج "[ص 561]- والعبارة له - و" الحاوي "[ص 667]: (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) محل الجزم به ما ليس بإنشاء؛ بل هو تنفيذ لما قامت به الحجة؛ مثل إن حكم بشهادة زور سواء كان مالًا أو نكاحًا أو غيرهما، أما الإنشاء؛ كفسخ النكاح بالعيب وتسليط الشفيع - ووهم في " الروضة " وأصلها في تمثيله بتفريق المتلاعنين (3)؛ لأنه حاصل بلعان الزوج من غير تفريق القاضي - فإن ترتبت على أصل كاذب؛ كشهادة زور .. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين .. نفذ باطنًا أيضًا، وهذه قد لا ترد على إطلاقهما؛ لأنه ليس للقضية باطن، بخلاف ظاهرها عند أحد؛ لعدم الاختلاف فيه كما تقرر، وإن كان مختلفًا فيه .. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن أوجه: صحح جماعة منهم البغوي وأبو عاصم: النفوذ مطلقًا، وذهب الأستاذ أبو إسحاق والغزالي إلى المنع؛ وهو مقتضى إطلاق " المنهاج " و" الحاوي "، والثالث: إن اعتقده الخصم أيضًا .. نفذ باطنًا، وإلا .. فلا.

وفي " المهمات ": إن الصحيح الأول؛ فقد حكاه الرافعي في كتاب الدعاوى في الكلام على اليمين عن ميل الأكثرين، وفي دعوى الدم عن ميل كلام الأئمة، قال في " المهمات ": وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنا بين ما ينقض وما لا ينقض، وفيه نظر، لكنه مستقيم؛ فإنه لا منافاة.

5968 -

قول " المنهاج "[ص 561]: (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) فيه أمور:

أحدها: عبارة " المحرر " و" الروضة " و" الشرحين ": (بلا خلاف)(4)، ولا يصح؛ فلنا وجه: أنه يقضي بالبينة إذا شهدت بما يعلم خلافه، حكاه الماوردي والروياني والشاشي وابن يونس وابن الرفعة (5)، وقال في " التوشيح ": كنت أسمع الوالد رحمه الله يتوقف في إثبات هذا الخلاف.

(1) فتح العزيز (12/ 481).

(2)

الروضة (11/ 151، 152).

(3)

فتح العزيز (12/ 483)، الروضة (11/ 153).

(4)

المحرر (ص 488)، فتح العزيز (12/ 488)، الروضة (11/ 156).

(5)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 325).

ص: 576

ثانيها: قد يفهم أنه يقضي في هذه الصورة بعلمه، وليس كذلك كما صرح به الشاشي في " الحلية "، قال في " المهمات ": وفي كلام الرافعي إشارة إليه؛ فإنه أطلق منعه عن القضاء (1)، وكأن معناه: قوة التهمة.

قلت: وكذا أطلق في " المحرر " منع القضاء (2)، ففات " المنهاج " منه هذه الإشارة، وصرح به أيضًا الماوردي، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن الماوردي إنما بناه على منع القضاء بالعلم، وإن الشاشي أخذه منه (3)، ووهم في إطلاقه المنع من غير تفريعه على ذلك القول.

وقال في " التوشيح ": قد يتوقف في منع قضائه بعلمه هنا؛ فإنه إذا تحقق كذبهم في المشهود به .. كان أولى بدفع قولهم من تحقق جرحهم، ولو تحقق جرحهم .. لرد شهادتهم وكان فيه الحكم بعلمه المعارض لشهادتهم فليحكم هنا بطريق أولى.

ثالثها: قال في " المهمات ": في هذا التعبير تجوز، فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض بخلاف علمه مع أن قضاءه نافذ بالاتفاق؛ فالصواب: بما يعلم خلافه، وبه عبر الماوردي وغيره (4).

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن الذي يقضي به القاضي هو الذي شهد به الشاهدان لا صدقهما، فلم يقض حينئذ على خلاف علمه ولا بما يعلم خلافه؛ فالعبارتان مستويتان على ما قررناه.

رابعها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن أراد العلم القطعي الذي لا يحتمل النقيض .. لم يطابق تمثيل " المحرر " له بما إذا علم أن المدعي أبرأه مما يدعيه، أو أن مدعي النكاح طلق ثلاثًا (5)، وإن أراد الظن .. فقد قامت عنده البينة بخلاف ظنه؛ فإذا قلنا: يقضي بعلمه .. فقد تعارض عنده ظنان؛ فكان ينبغي أن يخرج على الأقوال في تعارض البينتين، ولم نر من قال به، وإن قلنا: لا يقضي بعلمه .. فينبغي أن يقضي بما قامت به البينة؛ لأنه لم يعارضه ما يقضي به، وسيأتي من نقل الماوردي ما يشهد له.

قلت: قد يريد العلم القطعي، ومثالا " المحرر " لا ينافيان ذلك، وقد يريد الظن، ولا تعارض؛ لأن علمه بالإبراء مثلًا ناقل، فلو قامت به بينة .. لكانت مقدمة؛ [فلذلك علمه](6)

(1) انظر " فتح العزيز "(12/ 488).

(2)

المحرر (ص 488).

(3)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 325)، و " حلية العلماء "(3/ 1168).

(4)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 325).

(5)

المحرر (ص 488).

(6)

في (د): (فكذلك حكمه).

ص: 577

به مقدم بناءً على القضاء بالعلم؛ لما فيه من زيادة العلم، هاذا قلنا: لا يقضي بعلمه .. فعلمه وإن لم يصلح لإثبات الحكم يصلح لدفعه؛ لأن دفع الشيء أسهل من الحكم به، والله أعلم.

خامسها: قال شيخنا أيضًا: يستثنى منه: ما لو علم القاضي الإبراء فذكره للمقر؛ فقال: أعرف صدور الإبراء منه، ومع ذلك فدينه باق عليّ، فإن القاضي يقضي على المقر بما أقر به، وإن كان على خلاف ما علمه القاضي؛ لأن الخصم قد أقر بما يدفع علم القاضي، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح.

قلتُ: ليس هذا قضاء على خلاف العلم؛ لأن إقرار الخصم المتأخر عن الإبراء قد رفع حكم الإبراء، فصار العمل به، لا بالبينة ولا بالإقرار المتقدم.

سادسها: قال شيخنا أيضًا: لو علم القاضي زنا المقذوف بالمشاهدة، ولم يقم القاذف بينة على زناه، وطلب المقذوف من القاضي أن يحده .. فالذي أجبت به: أن الحاكم يجيبه لذلك؛ لأن القاذف إذا لم يأت بالشهداء كاذب في علم الله تعالى؛ لقوله: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} ، وإذا كان كاذبًا .. أقام عليه حد القذف، وإنما لا يقضي على خلاف علمه في الموضع الذي يقضي فيه بعلمه، وحدود الله تعالى لا يقضي فيها بعلمه، فيقضي فيها على خلاف علمه.

سابعها: قد يندرج في قوله: (بخلاف علمه) حكمه بخلاف عقيدته، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا يمكن أن يدعي فيه اتفاق العلماء؛ لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده.

5969 -

قول " التنبيه "[ص 255]: (فإن علم الحاكم وجوب الحق .. فهل له أن يحكم بعلمه؟ فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: يحكم، والثاني: لا يحكم، والثالث: يحكم في غير حدود الله، ولا يحكم في حدوده)، الأظهر: الثالث كما في " المنهاج "، وعليه مشى " الحاوي "(1)، وفي كلامهم أمور:

أحدها: أن محل ذلك في غير الجرح والتعديل، فلو شهد عنده من يعرف عدالته أو جرحه .. اعتمد علمه، ولا يتخرج فيه هذه الأقوال، وقد ذكره " المنهاج " في الفصل الذي يليه، فقال:(وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا .. عمل به)(2) و" الحاوي " فقال [ص 667]: (كالتعديل)، وقد حكى غير واحد الاتفاق عليه، لكن فيه وجه ضعيف محكى فى " الروضة " وأصلها (3)، فظاهر كلامهم العمل بذلك، ولو كان في حدود الله تعالى.

(1) الحاوي (ص 667، 668).

(2)

المنهاج (ص 562).

(3)

الروضة (11/ 156).

ص: 578

ثانيها: ومما يقضي فيه بعلمه قطعًا التواتر، كما ذكره ابن عبد السلام في " القواعد "(1)، والمسألة فيها وجهان في " النهاية "(2)، واختار شيخنا في " تصحيح المنهاج " التفصيل بين التواتر الظاهر لكل أحد؛ كوجود بغداد .. فيقضي به قطعًا، وبين التواتر المختص .. فيتخرج على خلاف القضاء بالعلم، بل ينقص عنه؛ لأن المشاهدة أقوى من الخبر وإن تواتر (3).

ثالثها: ومنه ما في " أصل الروضة " في قسم الصدقات عن الأصحاب: أن الإمام لو علم استحقاق من طلب الزكاة .. جاز الدفع له، قال: ولم يخرجوه على القضاء بالعلم (4).

رابعها: وفي " أصل الروضة " أيضًا في (القسامة) عن الإمام: أن القاضي لو عاين اللوث .. فله اعتماده، ولا يخرج على خلاف القضاء بالعلم؛ لأنه يقضي بالأيمان، وأقره على ذلك (5)، وتعقبه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": بأن نقل اليمين من جانب المدعى عليه إلى جانب المدعي مستنده علم القاضي؛ ففيه خلاف القضاء بالعلم.

خامسها: وفي المستثنى أيضًا: ما لو أقر بالمدعى في مجلس القضاء .. ففي " أصل الروضة " هنا: أنه قضاء بإقراره لا بعلم القاضي (6)، لكنه قال قبل ذلك: إن على القاضي إجابة من طلب منه الإشهاد بإقرار خصمه له في مجلس حكمه؛ لئلا ينكر بعد، فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، ويوافقه قول الشافعي رضي الله عنه في تصوير محل الخلاف:(فأقر في مجلس القاضي أو غير مجلسه)(7)، ذكره في " المهمات ".

وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " المذكور هنا على المستمر على إقراره، وفي غيره على الجاحد بعد ذلك، قال: ومن توهم المخالفة بينهما .. فقد أخطأ.

سادسها: استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هلال رمضان، فلو رآه القاضي وحده .. حكم بالصيام تفريعًا على ثبوته بشهادة وأحد وهو الأظهر، ولا يتخرج فيه مع ذلك قولان، والقيافة للقاضي للحكم بعلمه فيها إذا كان قائفًا تفريعًا على الاكتفاء بواحد وهو الأصح، ولا يتخرج فيه مع ذلك خلاف، ذكرهما تخريجًا مع أن المنقول في الثانية في " أصل الروضة " تخريجه على خلاف

(1) قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (2/ 70).

(2)

نهاية المطلب (18/ 488).

(3)

انظر " مغني المحتاج "(4/ 398).

(4)

الروضة (2/ 322).

(5)

الروضة (10/ 12)، وانظر " نهاية المطلب "(17/ 9).

(6)

الروضة (11/ 156).

(7)

انظر " الأم "(7/ 113).

ص: 579

القضاء بالعلم، لكن نازع فيه شيخنا، وقال: الصواب خلافه؛ لأن العدد ليس شرطًا في القيافة حتى ينظر إلى التقيد بالعدد.

سابعها: في " أصل الروضة " عن الأصحاب: أنهم مثلوا القضاء بالعلم بما إذا ادعى عليه مالًا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد ثبوت اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء؛ فدل على أنهم أرادوا بالعلم: الظن المؤكد، لا اليقين (1)، ويوافق ذلك قوله في القيافة: لو كان القاضي قائفًا .. فهل يقضي بعلمه؟ فيه الخلاف في القضاء بالعلم (2)، وترجيحه في القسمة تخريج قضائه في التقويم بمعرفته على خلاف القضاء بالعلم، ويخالفه قول الإمام: إذا جوزنا القضاء بالعلم .. فذلك فيما يستيقنه، لا ما يظنه، وإن غلب الظن (3)، وتبعه الغزالى، فقال: لا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة (4)، وعكسه الماوردي فقال: إذا رأى الحاكم رجلًا يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة .. جاز أن يحكم له بالملك، وفي جواز الشهادة في هذه الحالة قولان، والفرق أن الحاكم له أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا.

ثامنها: أهملوا شرط القضاء بالعلم، وهو التصريح بالمستند، فيقول: علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي؛ فإن اقتصر على أحدهما .. لم ينفذ الحكم، قاله الماوردي والروياني (5)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وله وجه من النظر، ويحتمل عدم الاحتياج إليه.

تاسعها: أن عبارة " التنبيه " صريحة في جريان الخلاف في حدود الله تعالى، وهو مقتضى قول " المنهاج " [ص 561]:(والأظهر: أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى)، وعبارة " المحرر ": لا تعطي ذلك؛ فإنه قال: (أصح القولين: أن القاضي يقضي بعلمه إلا في حدود الله)(6)، ويوافقه ترجيح " الروضة " القطع بأنه لا يقضي في حدود الله بعلمه، وقيل: قولان (7)، وفي " المهمات ": أن الذي في " الروضة " سهو، وأن المرجح في " الشرحين " طريقة القولين (8).

(1) الروضة (11/ 156، 157).

(2)

الروضة (12/ 102).

(3)

انظر " نهاية المطلب "(18/ 580، 581).

(4)

انظر " الوسيط "(7/ 308).

(5)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 324).

(6)

المحرر (ص 488).

(7)

الروضة (11/ 156).

(8)

فتح العزيز (12/ 487، 488).

ص: 580

عاشرها: يستثنى مع حدود الله: التعزيرات المتعلقة بحقه تعالى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، ثم قال: ولكن من ظهر له منه في مجلس الحكم ما يقضي تعزيرًا .. عزره، وهذا من القضاء بالعلم، وليس كما لو أقر؛ لأن الإقرار مستند الحكم وقاطع للعذر.

حادي عشر: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يستثنى من قوله: (إلا في حدود الله) ما إذا صدر منه ذلك في مجلس الحكم على رؤوس الأشهاد؛ كالردة وشرب الخمر والزنا، قال: ولم يتعرضوا له، قال: وكذا إذا اعترف في مجلس الحكم بما يوجب الحدود، ولم يرجع عن إقراره .. فإنه يقضي فيه بعلمه، ولو اعترف سرًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:" فإن اعترفت .. فارجمها "(1)، ولم يقيده بأن يكون بحضور الناس.

ثاني عشر: قال شيخنا أيضًا: ويستثنى منه أيضًا: ما إذا علم القاضي من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة .. فقد أفتيت فيه: بأن القاضي يقضي بعلمه بالإسلام، ويرتب عليه أحكامه.

5970 -

قول " المنهاج "[ص 561]: (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته) قد يفهم أنه لو وجد بخط نفسه: لي على فلان كذا .. لم يجز أن يحلف حتى يتذكر، وكذا في " أصل الروضة " عن " الشامل " من غير مخالفة (2)، لكن يخالفه ما سيأتي في " المنهاج " في الدعاوى:(أنه يجوز البت - أي: في اليمين - بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه)(3)، وكذا هو في " الروضة " وأصلها (4)، وقال في " المهمات ": اشتراط الثقة والأمانة لا يظهر في مسائل ذكرها الرافعي؛ فينبغي استحضارها: الأولى: لو بيع الشقص بصبرة فضة، وادعى الشفيع أنها كذا، ونكل المشتري .. جاز للشفيع الحلف اعتمادًا على نكوله.

الثانية: للمشتري الحلف على عدم التسليم عند المنازعة اعتمادًا على قول البائع.

الثالثة: إذا أنكر المودع التلف وتأكد ظنه بنكول المودع .. جاز أن يحلف اليمين المردودة في الأصح، وكذا نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في اشتراط وثوقه بخطه وأمانته وقال: الشرط أن يحصل عنده ظن مؤكد كما ذكره في الدعاوى، قال: فإن ظن الحاصل من نكول الخصم أو شهادة الشاهد الواحد كاف في ذلك من غير احتياج إلى الخط، قال: وقد يحلف الإنسان في البيع والحوالة ونحوهما على الملك واستحقاق الدين، بناء على ما قاله البائع والمحيل؛ فالعبرة حينئذ بالظن المؤكد.

(1) أخرجه البخاري (2190) ومسلم (1697).

(2)

الروضة (11/ 159).

(3)

المنهاج (ص 579).

(4)

فتح العزيز (13/ 197)، الروضة (12/ 36).

ص: 581

5971 -

قوله: (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده)(1) يقتضي المنع إذا لم يكن محفوظًا عنده، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وليس كذلك، بل المعتمد عند العلماء قديمًا وحديثًا لعمل بما يوجد في السماع والإجازة تفريعًا على جوازها مكتوبًا في الطباق التي تغلب على الظن صحتها، وإن لم يتذكر السماع ولا الإجازة ولم تكن الطبقة محفوظة عنده. انتهى.

ولهذا قال " الحاوي "[ص 668]: (ويروي بخطه المحفوظ) ولم يقيده بكونه عنده.

5972 -

قول " التنبيه "[ص 252]: (ومن لم يتعين عليه - أي: القضاء - .. جاز أن يأخذ ما يحتاج إليه) قال في " الكفاية ": محله: ما إذا لم يوجد متبرع بالقضاء، فإن وجد وهو صالح .. فلا يجوز أن يعطى من بيت المال، صرح به الماوردي وصاحب " البيان "(2)، وأشار إليه البندنيجي وابن الصباغ.

5973 -

قوله: (ويجوز أن يحضر الولائم)(3) محله في وليمة من لا حكومة له إذا لم يعملها له بخصوصه، أما وليمة من له حكومة أو عملت له بخصوصه .. فكالهدية.

5974 -

قوله: (ويشهد مقدم الغائب، ويسوي بين الناس في ذلك، فإن كثرت عليه وقطعته عن الحكم .. امتنع في الكل)(4) الذي جزم به الرافعي والنووي في شهود مقدم الغائب أنه كعيادة المرضى يأتي منه ما لا يقطعه عن الحكم (5)، قال في " التوشيح ": والذي يظهر ما فعله الشيخ؛ فإن كلًا من الولائم وشهود مقدم الغائب من حقوق الداعي والقادم، وأما الجنائز والعيادة .. فمن حقوق فاعلها، وقد ذكر الماوردي هذا الفرق. انتهى (6).

وفي " أصل الروضة ": أنه لو كان يخص بعض الناس قبل الولاية بإجابة وليمته .. فنقل ابن كج عن نص الشافعي: أنه لا بأس بالاستمرار (7).

5975 -

قوله: (ولا يحتجب إلا لعذر)(8) يقتضي صرف جميع أوقاته للقضاء إلا في حالة العذر، وكذا قال القاضي حسين، قاله في " الكفاية "، قال: وذكر الماوردي أنه يجعل زمان نظره معينًا من الأيام؛ ليتأهب الناس له، فإن كثرت المحاكمات .. لزمه النظر كل يوم، ويكون وقت

(1) انظر " المنهاج "(ص 561).

(2)

الحاوي الكبير (16/ 294)، البيان (13/ 14).

(3)

انظر " التنبيه "(ص 252).

(4)

انظر " التنبيه "(ص 252).

(5)

انظر " فتح العزيز"(12/ 500)، و " الروضة "(11/ 166).

(6)

انظر " الحاوي الكبير "(16/ 45).

(7)

الروضة (11/ 166).

(8)

انظر " التنبيه "(ص 253)

ص: 582