الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ قطع السّرقة
5055 -
كذا في "المنهاج"(1)، وفي "التنبيه" [ص 244]:(حد السرقة)، ولو قالا:(كتاب السرقة) كما فعل "المنهاج" في (كتاب الزنا) .. لكان أخصر وأعم؛ لتناوله أحكام نفس السرقة.
5056 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (والنصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار) قيد ذلك "المنهاج" و"الحاوي" بكونه خالصًا (2)، ومثله ما لو كان مغشوشًا خالصه كذلك، وقيده "الحاوي" أيضًا بكونه مضروبًا (3)، وأورد عليه: أنَّه لا يحتاج إليه مع قوله: (دينار) لأن اسم الدينار إنما يقع على المضروب، وأورد شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج" في إخلاله بكونه مضروبًا، وذلك يدل على صدق اسم الدينار بدونه، وهو خلاف ما صرح به الرافعي وغيره (4)، وأطلق "التنبيه" و"المنهاج" القيمة، وقيدها "الحاوي" مع غيرها بقوله:(قطعًا)، وتبع في ذلك ما حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام أنَّه قال: الذي أرى الجزم بأنه لا تجب ما لم يقطع المقومون ببلوغها نصابًا، وللمقومين قطع واجتهاد، والقطع من جماعة لا يَزلّون معتبر، ومن جماعة لا يبعد الزلل منهم فيه احتمالان:
أحدهما: يكفي كما تقبل الشهادة مع احتمال الغلط.
والثاني: المنع؛ لأن الشهادة تستند إلى معاينة (5).
لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إن ذلك ليس بمعتمد؛ لأن القتل قصاصًا أثبته الشرع بشاهدين وإن جاز عليهما الغلط، ومتى ثبتت القيمة بشاهدين من غير شهادة تعارض شهادتهما .. قطعته وإن لم أقطع بالقيمة كسائر البينات.
قلت: قد عرفت الفرق باستناد غير شهادة القيمة إلى المعاينة بخلافها، فلا بد من تقويها بالقطع، والله أعلم.
وعبارة "الحاوي"[ص 587]: (بسرقة قدر ربع دينار خالص مضروب قطعًا) وأورد في هذا المحل عليه: ما لو سرق ربعًا سبيكةً لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فإنه لا قطع على الأصح في
(1) المنهاج (ص 506).
(2)
الحاوي (ص 587)، المنهاج (ص 506).
(3)
الحاوي (ص 587).
(4)
انظر "فتح العزيز"(11/ 175).
(5)
الروضة (10/ 112)، وانظر "نهاية المطلب"(17/ 224).
"المحرر" و"المنهاج"(1)، وسنتكلم عليه مع أنَّه يصدق أنَّه قدر ربع دينار، فلو عبر بالقيمة .. لكان أصرح في المقصود.
5057 -
قول "المنهاج"[ص 506]: (ولو سرق ربعًا سبيكة لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فلا قطع في الأصح) تبع في ترجيحه "المحرر"(2)، ونقل في "الشرح" ترجيحه عن الإمام وغيره، وصححه في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي ميل جماعة إلى ترجيح القطع؛ منهم البغوي، وفي "البيان": إنه المذهب (3).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ظاهر نصوص الشَّافعي على ربع دينار من غير اشتراط أن يكون مضروبا، قال: وهو المذهب المعتمد، وعليه أكثر الأصحاب، وقال الشيخ أَبو حامد: لا يختلف فيه المذهب، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب (4)، وحكاه البندنيجي وصاحب "المهذب" عن عامة الأصحاب (5)، ونحوه في "الشامل" و"الحلية" للشاشي (6)، وحكاه البغوي والخوارزمي والعمر إني عن الأكثرين (7)، وصححه الهروي، واختاره في "المرشد". انتهى أما عكسه، وهو خاتم زنته دون ربع وقيمته ربع بالصنعة .. فقال في "أصل الروضة": إنه لا قطع فيه على الصحيح (8)، وليس في "الشرحين" فيه تصحيح، بل مقتضى كلامه تصحيح القطع فيه، وإن صحح في عكسه عدمه؛ فإنه بنى القطع فيه على اعتبار العين، ومقابله على اعتبار القيمة، وبناهما في عكسه على العكس (9)، وذكر في "المهمات": أن ذلك غلط فاحش وذهول عجيب؛ فإنه عقبه بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى الاعتبار بالوزن أم بالقيمة (10)، فكيف يصح مع هذا البناء عدم القطع فيهما؟ "
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بغلط فاحش، بل هو فقه مستقيم، وإن لم يعطه كلام الرافعي؛ فإن الوزن لا بد منه، وهل يعتبر مع ذلك في غير المضروب أن تبلغ قيمته ربع دينار
(1) المحرر (ص 432)، المنهاج (ص 506).
(2)
المحرر (ص 432).
(3)
فتح العزيز (11/ 175، 176)، الروضة (10/ 110)، وانظر "نهاية المطلب"(17/ 223)، و"التهذيب"(7/ 593)، و"البيان"(12/ 438).
(4)
انظر "الحاوي الكبير"(13/ 278).
(5)
المهذب (2/ 277).
(6)
حلية العلماء (3/ 1142).
(7)
انظر "التهذيب"(7/ 593)، و"البيان"(12/ 438).
(8)
الروضة (10/ 110).
(9)
فتح العزيز (11/ 176).
(10)
الروضة (10/ 110).
مضروب؟ فيه الخلاف الذي في السبيكة، أما إذا نقص الوزن في عين الذهب ولكن قيمته بصنعته تساوي ربع دينار مضروب .. فهذا يضعف فيه الاكتفاء بالقيمة، وصار على اعتبار القيمة وجهان: أحدهما: أنَّه لا بد من مراعاة الوزن.
والثاني: يكفي بلوغ القيمة ربع دينار وإن نقص الوزن من نفس الذهب، وهذا ضعيف جدًا؛ لأن النصاب معتبر من عين الشيء كما في نصاب الزكاة، ويؤيد هذا أن الإصطخري المخالف في صورة السبيكة إنما نصبوا خلافه في سبيكة زنتها ربع مثقال، ونصب الشيخ أَبو حامد خلافه فيما نقص بضربه، وذلك يقتضي مراعاة الوزن والقيمة، ومن خرج على كلام الإصطخري النظر إلى القيمة وحدها .. كان نظرًا ضعيفًا، ولم أر أحدًا ذكر تخريج ذلك إلَّا الإمام ومن تبعه (1)، وهو منفرد بذلك، وقد تنبه في "الوسيط" لشيء من هذا، فقال بعد حكاية الوجهين في السبيكة: ولو سرق خاتمًا قيمته ربع وزنته سدس .. وجب القطع إن اعتبرنا التقويم، وإن اعتبرنا الوزن .. فلا قطع (2)، وإن نظرنا إلى العين .. لم يجب، ومن ذلك يظهر أن النظر إلى العين أو الوزن لا يوجب القطع، وأن النظر إلى القيمة المجردة يقتضي القطع، وهو ضعيف، قال: فظهر أن الذي في "الروضة" صواب، وأن الغالط من غلطه. انتهى
واعلم: أن المعتبر في كون قيمة المسروق ربع دينار حالة السرقة، فلو نقصت قيمته بعد ذلك .. لم يسقط القطع، ذكره في "التنبيه"(3)، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 587]:(لدى الإخراج من الحرز).
5058 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (وإن نقب الحرز وأخذ دون النصاب وانصرف ثم عاد وأخذ تمام النصاب .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع، وقيل: إن اشتهر خراب الحرز .. لم يقطع، وإن لم يشتهر .. قطع) الأصح: أنَّه يقطع، ومحل الخلاف: ما إذا لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز، فإن وجدا أو أحدهما .. فلا قطع، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 506]:(فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فإخراج الثاني سرقة أخرى، ولا قطع في الأصح) و"الحاوي" فقال [ص 589]: (ودفعاتٍ بلا تخلل علم المالك كالنقب والأخراج ليلة أخرى) وظاهر كلامهما: أنَّه لا فرق في القطع بين أن يشتهر خراب الحرز أم لا، وهو صريح كلام "أصل الروضة" فإنه جعل الفرق بين اشتهار الحرز وعدمه وجهًا مرجوحًا (4)، وقد استدرك "المنهاج" على قول "المحرر":
(1) انظر "نهاية المطلب"(17/ 223).
(2)
الوسيط (6/ 459).
(3)
التنيه (ص 245).
(4)
الروضة (10/ 111).
ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق .. قطع في الأصح (1)، فقال:(قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين، وإلَّا .. فلا يقطع قطعًا)(2) وهذا الاستدراك وارد على إطلاق "الحاوي" في النقب أيضًا، وكذا قال في "أصل الروضة": إن علم صاحب الحرز بالنقب أو كان ظاهرًا يراه الطارقون وبقي كذلك .. فلا قطع؛ لانتهاك الحرز، وإلَّا .. فيقطع على الأصح (3).
وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن ما في "المنهاج" هنا غير مستقيم؛ لأنه إذا اشتهر ذلك .. فلا يقطع. انتهى
والحاصل: أن ظهور ذلك واشتهاره كعلم المالك .. فلا قطع معه، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في كلامه على الموضع الثاني من "المنهاج": أن في المسألة طريقين، وقد ذكر ذلك البغوي: إحداهما: إثبات الخلاف مطلقًا وإن تخلل علم المالك والطارقين.
والثانية: القطع عند التخلل المذكور بعدم القطع، قال: وكأن من قال: يقطع مطلقًا - وهو ابن سريج - نظر إلى أن الحرز قد انتهك بفعل السارق، فكل ما فيه محرز بالنسبة إليه وإن تخلل الإطلاع، ومن قطع بعدم القطع رأى أن انتهاك الحرز صير ما فيه غير محرز مطلقًا، قال: وهذا أوجه، لكن النقل عن ابن خيران يخالفه، فهو ضعيف من جهة المعنى صحيح من جهة النقل، والله أعلم (4).
5059 -
قول "المنهاج"[ص 506]: (ولو سرق خمرًا أو خنزيرًا أو كلبًا أو جلد ميتة بلا دبغ .. فلا قطع) يستثنى منه: ما لو دبغه السارق في الحرز وصار يساوي نصاب سرقة، وقلنا: بجواز بيعه وهو الجديد، وبأنه للمغصوب منه إذا دبغه الغاصب وهو الأصح .. فالأرجح: أنَّه يقطع، وقد تناوله مفهوم قوله:(بلا دبغ) وفيه احتمال؛ لأنه حالة السرقة غير مدبوغ وحالة الإخراج من الحرز مدبوغ، وطرد شيخنا الإمام البلقيني هذا الخلاف فيما إذا صار الخمر خلًّا بعد وضع السارق يده قبل الإخراج، قال: ولم يذكروه.
5060 -
قوله: (فإن بلغ إناء الخمر نصابًا .. قطع على الصحيح)(5) كان ينبغي أن يقول: (على النص) ففي "أصل الروضة": إنه الأصح المنصوص (6)، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن محل الخلاف فيه: ما إذا لم يكن الخمر محترمًا، فإن كان محترمًا لمسلم أو خمرًا لذمي لا يراق ..
(1) المحرر (ص 435).
(2)
المنهاج (ص 508).
(3)
الروضة (10/ 133، 134).
(4)
انظر "التهذيب"(7/ 693).
(5)
انظر "المنهاج"(ص 506).
(6)
الروضة (10/ 116).
قطع قطعًا، قال؛ لأنهم وجهوا عدم القطع بأن ما في الإناء يستحق الإراقة، فيصير شبهة في دفع القطع، وهذا لا يأتي في التي لا تراق، قال: ولو كان إناء الخمر من ذهب أو فضة .. فمقتضى إيراد الماوردي وابن الصباغ وغيرهما: الجزم بأنه يقطع (1)، ولكن بطريقه خلاف من جهة أنَّه إذا لم يجز اتخاذه وهو الأصح .. يصير كآلات الملاهي.
5061 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (وإن سرق طنبورًا أو مزمارًا يساوي مفصَّلُه نصابًا .. قطع، وقيل: لا يقطع فيه بحال) صحح الرافعي في "المحرر" الثاني (2)، مع نقله في "شرحيه" الأول عن الأكثرين (3)، فلذلك استدركه فيه في "المنهاج"، وصحح القطع بالشرط المذكور (4)، وعليه مشى "الحاوي"، فقال عطفا على ما لا قطع فيه [ص 590]:(وجائز الكسر بقصده أو قلَّ رضاضه).
لكن مال شيخنا الإمام البلقيني إلى عدم القطع فيه مطلقًا، وتمسك بإطلاق الشَّافعي رضي الله عنه عدم القطع فيها، وبأن الأكثرين على إبطال بيع آلات الملاهي ولو عُدَّ رضاضها مالًا، وبأن الحرز الذي هي فيه كلا حرز بالنسبة إليها؛ فلا يجب القطع بسرقتها، وقال الروياني في "الكافي" بعد حكاية النص المشهور، وقال في موضع آخر: إلَّا أن تبلغ قيمتها مخلّعة ربع دينار، قال شيخنا الإمام البلقيني: ولم أقف على هذا النص الذي ذكره ولا ذكره غيره.
5062 -
قول "الحاوي"[ص 587]: (مِلكَ غيرٍ لدى الإخراج من الحرز، بلا شرك) تبع فيه الغزالي (5)، وقال الرافعي: لك أن تقول: في اشتراطه كونه ملك الغير غنية عن هذا الشرط؛ لخروج المشترك عنه؛ فإنه لا يصدق أن يقال في المشترك: إنه مملوك لغير السارق (6)، ولهذا اقتصر "المنهاج" على قوله [ص 506]:(الثاني: كونه ملكًا لغيره) وفي قول "الحاوي"[ص 587]: (لدى الإخراج من الحرز) و"المنهاج"[ص 506]: (قبل إخراجه من الحرز) ما يقتضي أنَّه لو ملكه بعد إخراجه من الحرز .. لم يسقط القطع، لكن لو وقع الملك قبل الرفع إلى القاضي .. لم يمكن استيفاء القطع؛ فإنه يتوقف على مطالبة المسروق منه بالمال، ذكره في "الروضة" وأصلها (7).
(1) انظر "الحاوي الكبير"(13/ 307، 308).
(2)
المحرر (ص 432، 433).
(3)
فتح العزيز (11/ 184).
(4)
المنهاج (ص 506).
(5)
انظر "الوجيز"(2/ 171).
(6)
انظر "فتح العزيز"(11/ 188).
(7)
فتح العزيز (11/ 180)، الروضة (10/ 114).
5063 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (الثالث: عدم شبهة فيه؛ فلا قطع بسرقة مال أصل وفرع) أعم من تعبير "التنبيه" بالأب والابن (1)، وتناولت عبارتهما ما لو كان الأصل والفرع رقيقًا سرق من مال فرعه أو أصله الحر؛ لإطلاق الشَّافعي والأصحاب، ويؤيده أن المنقول: أنَّه لو وطئ الأصل العبدُ جاريةَ فرعه الحر التي ليست موطوءة الفرع .. لم يحد؛ للشبهة مع وجود الرق، ذكر ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من صرح به هنا، لكنه استثنى من ذلك: ما لو نذر إعتاق عبده غير المميز فسرقه أصل الناذر أو وفرعه .. فقال: يقطع؛ وعلله بأن شبهة استحقاق النفقة إنما تتعلق بالمال الذي لمالكه تصرف فيه، ولا تصرف له في هذا، وإن لم يَزُل ملكه عنه، وليس كالمستولدة وولدها؛ لأن للمالك إجارتهما، قال: ولم أر من تنبه له.
5064 -
قولهم: (إن العبد لا يقطع بسرقة مال سيده)(2) كذا مال أصل سيده أو فرعه.
5065 -
قول "التنبيه"[ص 246]: (وإن سرق أحد الزوجين من الآخر .. فقد قيل: يقطع، وقيل: فيه أقوال:
أحدها: يقطع، والثاني: لا يقطع، والثالث: بقطع الزوج دون الزوجة) الأصح: طريقة الأقوال، وأصحها: القطع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"(3)، ولا يخفى تقييده بأن يكون محرزًا عنه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي عندنا: أن مذهب الشَّافعي في ذلك: أنَّه لا قطع على واحد منهما؛ لاختياره له، وبسط دليله، وذكر مقابله مختصرًا من غير إقامة دليل ولا بسط، وإن كان الأرجح في القياس: أن يقطع الزوج دون الزوجة.
5066 -
قول "التنبيه"[ص 246]: (ومن سرق مالًا فيه شبهة؛ كمالِ بيت المال .. لم يقطع) محله: فيما إذا كان السارق مسلمًا والمسروق لم يفرز لطائفة معينة، ويرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 590]:(والفقير من بيت المال والغني من المصالح) ويزيد أمرًا آخر، وهو: أنَّه إنما فرق بين الغني والفقير؛ لظنه أن مال الصدقات من أموال بيت المال، فذكر أن الفقير لا يقطع بسرقة مال بيت المال مطلقًا، وأن الغني لا يقطع به إذا كان من سهم المصالح، وهو خمس الخمس، ومال الصدقات ليس من أموال بيت المال، ومال بيت المال شيئان: خمس خمس الغنيمة والفيء، ومال من مات من المسلمين ولا وارث له مستغرق، ولا فرق فيهما بين الغني والفقير، وعبارة "المنهاج" [ص 507]: (ومن سرق مال بيت المال؛ إن أفرز لطائفة ليس هو منهم .. قطع، وإلَّا .. فالأصح: أنَّه إن كان له حق في المسروق؛ كمال المصالح وكصدقةٍ وهو
(1) التنبيه (ص 246).
(2)
انظر "التنبيه"(ص 246)، و"الحاوي"(ص 587)، و"المنهاج"(ص 507).
(3)
الحاوي (ص 587)، المنهاج (ص 507).
فقيرٌ .. فلا، وإلَّا .. قطع) ويرد عليه مما تقدم أمران:
أحدهما: اختصاص ذلك بالمسلم.
الثاني: أن مال الصدقة ليس من أموال بيت المال، ويزيد أمورًا أخر:
أحدها: أن ما ذكره فيما قرر لطائفة قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: في طائفة لها مستحق مقدر بالأجزاء في مال مشاع بصفة؛ كذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمقرر من الأخماس الأربعة من الفيء للمرتزقة تفريعًا على أنَّه ملكهم، فأما إذا أفرز الإمام من سهم المصالح لطائفة من العلماء أو القضاة أو المؤذنين شيئًا من ذلك .. فلا أثر لهذا الإفراز؛ إذ لا سهم لهم مقدر يتولى الإمام إفرازه لهم، والحكم فيه كما لو كان مشاعًا، قال: ولم أر من تعرض له، ولا بد منه.
ثانيها: في معنى ما لو كان السارق ممن أفرز لهم ذلك المال: ما لو كان أصلًا أو فرعًا أو عبدًا لأحدهم، وكذا كل من لا يقطع بسرقة مال بيت المال .. لا يقطع أصله ولا فرعه ولا عبده بسرقته منه.
ثالثها: يستثنى من قطع الغني بأخذه من الصدقات: ما لو كان غارمًا لإصلاح ذات البين أو غازيًا، وذلك يرد على "الحاوي" أيضًا.
5067 -
قول "التنبيه"[ص 246]: (وإن سرق القناديل أو الحصر - أي: التي للمسجد - .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه لا يقطع، ومحله: في القناديل التي تسرج دون التي للزينة، فتلك يقطع بها، وعلى هذا مشى "المنهاج" فقال [ص 507]:(والمذهب: قطعه بباب مسجد وجذعه لا حُصُرِهِ وقناديل تسرج) لكن في تعبيره بالمذهب نظر، ومحل ذلك: في المسلم، أما الكافر: فيقطع بها بلا خلاف، وقد دخل ذلك في قول "الحاوي" [ص 587]:(بلا شرك وحق) فقوله بعد ذلك فيما يقطع فيه: (ولمسجد)(1) أراد به: الجذع والباب دون القناديل والحصر.
5068 -
قول "التنبيه"[ص 246]: (وإن سرق شيئًا موقوفًا .. فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع) الأصح: أنَّه يقطع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"(2)، والخلاف في نفس الموقوف، فلو سرق غلة الوقف .. قطع قطعا، ولا يخفى أن محله: فيما إذا لم يكن السارق من الموقوف عليهم ولا أصلًا لأحدهم ولا فرعًا ولا عبدًا.
5069 -
قول "الحاوي"[ص 589]: (وأم ولد) صوره "المنهاج" فقال [ص 507]: (سرقها
(1) الحاوي (ص 589).
(2)
الحاوي (ص 589)، المنهاج (ص 507).
نائمة أو مجنونة) وإنَّما صور بذلك؛ لأنها بالغ، لكن ولدها من زوج أو زنا التابع لأمه في العتق بموت السيد يجيء فيه الوجهان إذا كان صغيرًا، ويجريان فى المنذور إعتاقه والموصى بعتقه إذا سرق بعد موت السيد بشرط صغر أو نوم أو جنون.
5070 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (الرابع: كونه محرزًا بملاحظةٍ أو حصانةٍ موضعِهِ) يقتضي التفاء بالحصانة بلا ملاحظة، وليس كذلك؛ فقد قال بعده:(وإن كان بحصن .. كفى لَحْظٌ معتادٌ)(1) فدل على أن اعتبار اللحظ لا بد منه إلَّا أنَّه يحتاج في غير الحصن إلى دوامه، ويكتفى في الحصن بالمعتاد؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 587]:(بلحاظٍ مبالىً به دائم في الصحراء، أو معتادٍ بحصانةٍ) وأورد شيخنا البلقيني: أن الإحراز يكون بثالت غير الملاحظة والحصانة، وهو ما نزل منزلة الملاحظة، وذلك في النائم على ثوبه؛ فإنه لا ملاحظة منه، وليس الثوب بموضع حصين، ولكن نُزِّل نومه عليه منزلة ملاحظته.
ويكفي في جواب هذا الإيراد قوله: (إنه منزل منزلة الملاحظة) فالتعبير بالملاحظة يغني عن ذكر ما نُزِّل منزلتها.
5071 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظٍ) و"الحاوي"[ص 587]: (بلحاظ مبالًى به دائم في الصحراء والشارع والمسجد والسكة المنسدة) يقتضي أن الفترات العارضة للإنسان في العادة تقدح في هذا اللحاظ، فلو تغفله وأخذ في تلك الفترة .. لم يقطع، والمشهور: أن ذلك لا يقدح، وأن السارق منه يقطع؛ فينبغي التعبير باللحاظ المعتاد في مثله.
5072 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (وإصطبلٌ حرز دواب لا آنيةٍ وثيابٍ) كقول "الحاوي"[ص 588]: (كدابة الإصطبل) وفيه أمور:
أحدها: أنَّه لو عبر بالفاء فقال: (فإصطبل) .. لكان أحسن؛ لأنه أخذ في تفصيل ما أجمله أولًا.
ثانيها: اختار شيخنا الإمام البلقيني في الإصطبل أنَّه كالدار، فيفصل فيه بين أن يكون متصلًا بالعمارة أم لا، ويعود فيه ما سيأتي فيها.
ثالثها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني من الآنية والثياب: آنية الإصطبل كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبرادع ولجم ورجال جمال وقربة السقاء والراوية ونحو ذلك مما جرت العادة بوضعه في إصطبلات الدواب.
(1) المنهاج (ص 507).
5073 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (وعرصة دارٍ وصُفَّتُها حرز آنية وثياب بذلة لا حلي ونقد) كقول "الحاوي"[ص 588]: (وإناء الصحن كثوب البذلة) اختار شيخنا الإمام البلقيني أنهما حرز للحلي والنقود أيضًا، وتمسك بإطلاق قول الشَّافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر":(والبيوت المغلقة حرز لما فيها)(1)، قال: وعليه جرى الشيخ أَبو حامد، وهو المذهب المعتمد، قال: وإنَّما يتخذ الناس لنقودهم وحليهم حرزًا خاصًا غير الصفة من أجل عائلتهم لا من أجل السارق، فالعادة أن الدار المحكمة الباب العالية البناء حرز لذلك وإن لم يوضع في خزانة أخرى مغلقة.
5074 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (ولو نام بصحراءَ أو مسجدٍ على ثوبٍ أو توسد متاعًا .. فمحرز) فيه أمران:
أحدهما: التمثيل بالصحراء والمسجد يشعر بأن المراد: موضع مباح، وكذا قيده به الشَّافعي رضي الله عنه والقاضي حسين كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وهذا قد يفهم من الكلام في الغاصب، ولكن التنبيه عليه حسن.
ثانيهما: دخل في إطلاق المتاع ما لو كان فيه دراهم أو دنانير أو نحوها، وقال الماوردي في هذه الصورة: لا يكون وضعه تحت رأسه إذا نام حرزًا له حتَّى يشده في وسطه (2)، وهو مقتضى ما ذكره المصنف في الحلي والنقد في الصحن والصفة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس ذلك عندنا بمعتمد، ولا فرق عندنا في ذلك؛ فجميع ما يوضع تحت رأسه محرز به؛ لأن المدرك في إحرازه أنَّه إذا جرّه السارق .. انتبه النائم، وذلك يقتضي الاستواء، وفي "أصل الروضة": أنَّه لو أخذ الخاتم من إصبع النائم .. قطع (3)، ولم يفرق بين خاتم وخاتم، وقد يكون فيه فص يساوي ألفًا أو أكثر.
5075 -
قوله: (فلو انقلب فزال عنه .. فلا)(4) يشمل ما لو كان انقلابه عنه بفعل السارق؛ بأن رفعه عن الثوب أولًا ثم سرقه، وبذلك صرح في "الروضة" وأصلها (5)، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع لم يسبق البغوي إليه أحد؛ فإن السارق إذا أزال الحرز بالنقب والفتح ونحوهما، ثم سرق .. يقطع اتفاقًا، ولم يقل أحد بأنه إنما يقطع إذا سرق مع قيام الحرز، فبطل ما قاله البغوي؛ لإفضائه إلى مُخَالَفَةُ ما اتفقوا عليه، وذكر شيخنا أيضًا: أن مقتضى عبارة
(1) الأم (6/ 149)، مختصر المزني (ص 263).
(2)
انظر "الحاوي الكبير"(13/ 287).
(3)
الروضة (10/ 122).
(4)
انظر "المنهاج"(ص 507).
(5)
فتح العزيز (11/ 197)، الروضة (10/ 122).
"المنهاج" في هذه الصورة: القطع؛ لأنه أطلق الحرز فيما توسد عليه، ولم يخرج عنه إلَّا صورة الانقلاب.
قلت: وفيه نظر؛ لأن الانقلاب قد يكون بغير فعل أحد، وقد يكون بفعل فاعل؛ إما السارق وإما غيره، فالحق: أن مقتضى عبارة "المنهاج" في ذلك "الروضة"، والله أعلم.
5076 -
قوله: (وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه .. محرز، وإلَّا .. فلا)(1) فيه أمور:
أحدها: أن هذا مكرر تقدم ذكره في قوله: (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظ)(2).
ثانيها: لم يقيد "الحاوي" ذلك بكونه بقربه (3)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضى نصوص الشافعي وكلام أصحابه: أنَّه يكتفي بأن ينظر إليه من غير اعتبار القرب.
ثالثها: إنما يكتفي بالملاحظة إذا لم يكن هناك زحام شاغل، وقد ذكره "الحاوي"(4) ولعله مفهوم من تعبير "المنهاج" بالصحراء؛ لأن الغالب خلو الصحاري.
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: شرط الملاحظة: كون الملاحظ بحيث يراه السارق حتَّى يمتنع من السرقة إلَّا بتغفله، فإن كان في موضع لا يراه السارق .. فلا قطع؛ إذ لا حرز يظهر للسارق حتَّى يمتنع من السرقة.
5577 -
قول "المنهاج"[ص 507]: (ودار منفصلةٌ عن العمارة إن كان بها قويّ يقظان .. حرز مع فتح الباب وإغلاقه، وإلَّا .. فلا) يقتضي أنَّه إذا كان فيها قوي نائم والباب مغلق .. ليست حرزًا، وهو مقتضى إطلاق الإمام والبغوي (5)، لكن الذي أجاب به الشيخ أَبو حامد ومتابعوه أنَّها حرز، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص 588]:(وبحافظ بلا فتح ونوم) لأنه لم يخرجها عن الحرز إلَّا عند اجتماع الأمرين، وقال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أقرب، وفي "زيادة الروضة": إنه أقوى (6).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو الأرجح في الفتوى، وقد نص في "الأم" فيما إذا نزل في صحراء فضرب فسطاطًا وآوى فيه متاعه واضطجع فيه؛ فإن سُرق الفسطاط أو المتاع من جوف
(1) انظر "المنهاج"(ص 507).
(2)
المنهاج (ص 507).
(3)
الحاوي (ص 587).
(4)
الحاوي (ص 587).
(5)
انظر "نهاية المطلب"(17/ 228)، و"التهذيب"(7/ 367).
(6)
الروضة (10/ 123).
الفسطاط .. فأقطعُ فيه؛ لأن اضطجاعه فيه حرز للمتاع والفسطاط (1)، وسيأتي في "المنهاج" في الخيمة بالصحراء أنَّها إذا شُدّت أطنابها وأرخيت أذيالها .. فالمتاع الذي فيها محرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم (2)، ولا يقال: الخيمة لا توضع للدوام في الصحراء، بخلاف الدار؛ لأن أهل الخيام قد لا يظعنون صيفًا ولا شتاء، والحكم مستمر فيهم، ثم استثنى شيخنا من موضع الخلاف .. الدواب؛ فإنها محرزة في الدار التي فيها حافظ قوي نائم والباب مغلق.
5078 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (فإن سرق الثياب والجواهر ودونها أقفال في العمران .. قطع) يتناول ما إذا لم يكن فيها أحد، ومحله حينئذ: في النهار زمن الأمن، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 507]:(ومتصلة حرز مع إغلاقه وحافظ ولو نائم، ومع فتحه ونومه غير حرز ليلًا، وكذا نهارًا في الأصح، وكذا يقظان تَغفَّله سارق في الأصح، فإن خلت .. فالمذهب: أنَّها حرز نهارًا زمن أمن وإغلاقه، فإن فقد شرط .. فلا) وعبارة "الحاوي"[ص 587، 588]: (كدار وغلقت نهارًا) أي: زمن أمن، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن هذا شذ به البغوي، فتابعه عليه الرافعي والنووي (3)، قال: والذي نص عليه الشَّافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر" وجرى عليه شراح"المختصر ": أن المغلقة حرز وإن لم يكن صاحبها فيها (4)، ولا فرق في ذلك بإن الليل والنهار، ولا بين الأمن والخوف، وقال في "التوشيح" فيما لو أغلق بابه ووضع المفتاح في بخش فأخذه السارق وفتح به الباب وسرق: الظاهر أن وضع المفتاح هنا تفريط فيكون شبهة تدرأ القطع، قال: ولم أجد المسألة منصوصة، فإن صحت .. وجب استثناؤها من قولهم: إن الدار المغلقة نهارًا حرز، وفي عبارة "المنهاج" مع ذلك أمور:
أحدها: كان ينبغي أن يقول: (ولو نائمًا) على أنَّه خبر كان المحذوفة بعد لو.
ثانيها: يستثنى من فتح الباب مع نوم الحارس: ما إذا كان فيها بيت مغلق .. فهو حرز لما فيه كما حكاه الشيخ أَبو حامد عن أبي إسحاق المروزي، ولم يتعقبه، وجزم به ابن الصباغ في "الشامل" والقاضي حسين في "تعليقه"، وقد يقال بعد تسليمه: إنه لا يرد؛ لأن باب ما جعلناه في حرز ليس مفتوحًا.
ثانيها: يستثنى من الصورة المذكورة أيضًا: باب الدار؛ فهو بتركيبه في حرز وإن لم يكن في الدار أحد، حكاه أَبو حامد عن أبي إسحاق، وجزم به ابن الصباغ والقاضي حسين، ونفى الدارمي
(1) الأم (6/ 148).
(2)
المنهاج (ص 508).
(3)
انظر "التهذيب"(7/ 367)، و"فتح العزيز"(11/ 199)، و"الروضة"(10/ 124).
(4)
الأم (6/ 149)، مختصر المزني (ص 263).
الخلاف فيه، فأما أَبواب التي داخله؛ فإن كانت مغلقة .. فهي في حرز، وإن كانت مفتوحة .. فقال ابن المرزبان: هي في حرز، وقال أَبو إسحاق: ليست في حرز، حكاه عنهما الدارمي.
رابعها: ألحق شيخنا الإمام البلقيني بإغلاق الباب ما إذا كان مردودًا وخلفه نائم بحيث لو فتح .. لأصابه، وانتبه، وقال: إنه أبلغ من الضبة والمتراس، قال: وكذا لو كان نائمًا أمام الباب بحيث لو فتح .. لانتبه بصريره، وفي "الاستذكار" للدارمي: فإن نام على باب مفتوح .. فحرز إذا كان له صرير.
خامسها: أورد شيخنا المذكور أيضًا أن الليل يدخل بغروب الشمس، وينبغي أن يكون لساعة أو ساعتين من أوله حكم النهار في جريان الخلاف؛ لاطراد العادة بفتح الباب فيه.
سادسها: رجح شيخنا المذكور: أنَّها مع نومه وفتحه حرز نهارًا إذا سرق من الموضع الذي فيه النائم بحيث يراه لو كان منتبهًا؛ لأنه يعد عند العامة حرزًا، وقد قال الشَّافعي رضي الله عنه: أنظر إلى المسروق، فإن كان في الموضع الذي تنسبه العامة إلى أنَّه في مثل ذلك الموضع محرز .. فأقطع فيه (1).
سابعها: محل الخلاف: في اليقظان الذي تغفّله سارق: ما إذا لم تدم الملاحظة، بل كان يتردد في الدار، فلو أدامها بحيث يحصل الإحراز بمثله في الصحراء .. فحرز قطعًا، كذا في "أصل الروضة"(2)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن نفي الخلاف ممنوع؛ ففي تمام الملاحظة وجه بالقطع، وهو آتٍ هنا.
ثامنها: أورد شيخنا أيضًا على قوله في الخالية: (نهارًا زمن أمن)(3) أن من الغروب إلى ساعة ونحوها في انتشار الناس في حكم النهار، ومن طلوع الفجر إلى قريب الأسفار في حكم الليل كما تقدم عنه نظيره في الأمر الخامس.
5079 -
قول "المنهاج"[ص 508]: (وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها .. فهي وما فيها كمتاعٍ بصحراء، وإلَّا .. فمحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم) فيه أمور:
أحدها: أن اعتبار شد الأطناب وإرخاء الأذيال إنما هو بالنسبة لما فيها، فاما بالنسبة إليها .. فهي محرزه بدون إرخاء الأذيال، كما ذكره في "الروضة" وأصلها (4)، وهذا وارد أيضًا على قول "الحاوي" [ص 588]:(وخيمة بإرسال أذيال وشد أطناب).
(1) انظر "الأم"(6/ 148).
(2)
الروضة (10/ 124).
(3)
المنهاج (ص 507).
(4)
فتح العزيز (11/ 202)، الروضة (10/ 127).
ثانيها: أنَّه اعتبر في الحافظ كونه قويًّا، وليس ذلك في "المحرر"، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي أنَّه يشترط إما القوة وإما إمكان الاستغاثة؛ فإنه قال: قال الأئمة: والشرط أن يكون هناك من يتقوى به؛ أي: من هو فيها، فإن كانت في مفازة بعيدة عن الغوث وهو ممن لا يبالي به .. فليست بحرز (1)، وأطلق "الحاوي" الحافظ اعتمادًا على ما فهم من قوله:(بلحاظ مبالًا به)(2) من كونه لا بد أن يكون مبالًا به إما بقوة أو باستغاثة.
ثالثها: أنَّه اعتبر كون الحافظ فيها، وذلك غير مشترط؛ ولذلك أطلقه "الحاوي" كما تقدم، بل يكتفي بكونه بقربها ولو كان نائمًا، فإن كان مستيقظًا .. لم يعتبر القرب، بل يكفي أن يكون في موضع تحصل منه الملاحظة ويراه السارق بحيث ينزجر به.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو جلي، وقال شيخنا ابن النقيب في قوله:(ولو نائم): أي: سواء نام فيها أو بقربها، كذا في "الروضة" وينبغي أن يكون جلوس المستيقظ بقربها أولى، وعبارة "الروضة" لا تعطيه؛ فإنه قال: فإن كان صاحبها في نفسها مستيقظًا أو نائما أو نام بقربها .. قطع بسرقتها أو سرقة ما فيها. انتهى (3).
ففهم أن النوم بقربها للاحتراز عن الاستيقاظ بقربها، وهو فهم عجيب؛ وإنَّما هو للاحتراز عن الاستيقاظ بالبعد منها؛ فإنه كاف بالشرط المتقدم، والله أعلم.
فإن قلت: كيف أطلق "الحاوي" الحافظ وفيه هذا التفصيل؟
قلت: قد يقال: لا يكون حافظًا في العرف إلَّا بهذا التفصيل، ويرد على "الحاوي": أنَّه أطلق هذا الحكم في الخيمة، ومحله: في الصحراء، فاما الخيمة المضروبة في العمارة .. فكمتاع بين يديه في السوق.
5080 -
قول "المنهاج"[ص 508]: (وماشية بابنية مغلقة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ)، و"الحاوي" [ص 588]:(وماشية ببناء مغلق متصل بالعمارة) أطلقاه هنا، وقيداه في الدار المتصلة بالعمارة؛ بأن يكون نهارًا، وفيده "المنهاج" أيضًا بأن يكون زمن أمن، ولا يظهر بينهما فرق؛ ولذلك رجح شيخنا في تلك الإطلاق كما تقدم.
5081 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (أو الجمال من الرعي ومعها راع) شرطه: أن يراها، كما صرح به "المنهاج، فقال [ص 508]:(وإبل بصحراء محررة بحافظ يراها) أي: فإن لم ير بعضها لكونه في وهدة أو خلف جبل .. فذلك البعض غير محرز، ولو نام أو تشاغل عنها .. لم تكن
(1) فتح العزيز (11/ 202)، الروضة (10/ 127).
(2)
الحاوي (ص 587).
(3)
السراج على نكت المنهاج (7/ 353، 336)، وانظر "الروضة"(10/ 127).
محرزة، ولو لم يبلغ صوته جميعها .. ففي "المهذب" وغيره: أن ما لم يبلغه صوته غير محرز (1)، وسكت آخرون عن اعتبار الصوت اكتفاء بالنظر؛ لأنه إذا قصد ما يراه .. أمكنه العدو إليه، وفي "الشرح الصغير": الأشبه الاكتفاء بالرؤية.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ويخرج من هذا الكلام اعتبار أن تكون الإبل في موضع بحيث يمكنه العدو إلى قاصدها لياخذ منها ودفعه عن مقصوده، والخيل والبغال والحمير في المرعى كالإبل، وكذا الغنم إذا ارتفع الراعي بحيث يراها ويبلغها صوته وإن تفرقت؛ ولهذا عبر "الحاوي" بالماشية (2).
5082 -
قول "المنهاج"[ص 508]: (ومقطورة يُشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها، وألا يزيد قطار على تسعة) فيه أمور:
أحدها: لم يذكر "الحاوي" اشتراط التفاته كل ساعة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبره الشَّافعي رضي الله عنه، وهو مشق على القائد، فلا يعتبر، ويكفي في خوف السارق أن يتوقع التفاته، فيمتنع لهذا التوقع.
ثانيها: وبتقدير اعتباره .. فيستثنى منه: ما إذ كان في ممر الناس من الأسواق وغيرها .. فيكفي في إحرازه رؤية الناس، ولا يحتاج لالتفات، كما صرح به في "النهاية"(3).
ثالثها: اعتبار تسعة بتقديم التاء مشى عليه "الحاوي" أيضًا (4)، وفي "مشكل الوسيط" لابن الصلاح: أن الأصح: أنَّه سبعة بسين ثم باء موحدة، وعليه أهل العرف (5)، والأصح في "أصل الروضة": توسط ذكره السرخسي: أنَّه في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، وفي العمران تعتبر العادة، وهي من سبعة إلى عشرة، فإن زاد .. فالزِّيادة غير محرزة (6).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبر ذلك الشَّافعي رضي الله عنه في شيء من كتبه ولا جمع كثير من الأصحاب منهم الشيخ أَبو حامد وأتباعه، وقال القاضي حسين: ولو كان في فضاء مستو وطول القطار وجرت العادة بالواحد يفعل ذلك .. فذلك حرز لها، وقال الماوردي: الأغلب أنَّه يكون في ثلاثة من الإبل، فإن تجاوزت .. فإلى أربعة، وغايته خمسة إن كان في الجمال فضل جلد وشهامة (7).
(1) المهذب (2/ 279).
(2)
الحاوي (ص 588).
(3)
نهاية المطلب (17/ 230).
(4)
الحاوي (ص 588).
(5)
مشكل الوسيط (6/ 469).
(6)
الروضة (10/ 128، 129).
(7)
انظر "الحاوي الكبير"(13/ 283).
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا له وجه، قال: وظهر بذلك أن التقييد بالتسع أو السبع ليس بمعتمد. انتهى
وقيد "الحاوي" ذلك تبعا لـ "الوجيز" بقوله: (في صحراء خالية؛ وسكة مستوية)(1) وقال الرافعي: اعتبر - أي "الوجيز" - كون الصحراء خالية؛ إشارة إلى أنَّه لو كان في المارة كثرة .. حصل الإحراز بنظرهم، وقوله:(وسكة مستوية) ليقع نظره على الكل إذا لاحظ؛ أي: فإن لم ير البعض؛ لحائل .. فذلك البعض غير محرز (2).
5083 -
قول "الحاوي"[ص 588، 589]: (وإلَّا واحدٌ) قال صاحبا "التعليقة" و"المصباح": أي: وإن لم يكن في صحراء خالية ولا سكة مستوية .. فالمحرز منها واحد.
قال في "المصباح": وهو البعض الذي في نظر القائد.
وقال في "الوجيز": إن كان يلاحظ ما وراءه .. فالمحرز بالقائد الأول (3).
وقال في "التعليقة": المراد من الصحراء: الموضع المنبسط الواسع، قال: وقد شرط فيها الخلو عن زحمة الزاحمين، ولم يشترط ذلك في السكة؛ لأن الغالب فيها الخلو عن الزحمة، فذكر الصحراء مثالًا لما يغلب فيه الخلو عن الزحمة، وهذا خلاف ما ذكره الرافعي في اعتبار كون الصحراء خالية (4).
5084 -
قوله: (وبالراكب مركوبه وما أمامه وواحد خلفه)(5) تبع فيه الغزالي (6)، وهو مذهب أبي حنيفة كما نقله الرافعي عنه، ونقل عن المذهب: أنَّه لما بين يديه كسائق ولما خلفه كقائد (7)، فينبغي أن محل كلام "الوجيز" و"الحاوي": على ما إذا لم يلاحظ ما وراءه، أو يكون المراد بقوله:(وواحد خلفه): أي: فأكثر.
5085 -
قول "المنهاج"[ص 508]: (وغير مقطورة ليست محرزة في الأصح) هو مفهوم من قول "الحاوي"[ص 588]: (والقطار تسعة بالقائد) فإن معناه: أن القطار وهو تسعة محرز بالقائد، فدل على أنَّه لا يحصل الإحراز إلَّا بالتقطير، وحكى هذا في "أصل الروضة" عن قطع البغوي، قال: وسوى صاحب "الإفصاح" بين المقطورة وغيرها، وبه أخذ الروياني (8).
(1) الوجيز (2/ 173)، الحاوي (ص 588).
(2)
انظر "فتح العزيز"(11/ 204).
(3)
الوجيز (2/ 173).
(4)
انظر "فتح العزيز"(11/ 204).
(5)
انظر "الحاوي"(ص 589).
(6)
انظر "الوجيز"(2/ 173).
(7)
انظر "فتح العزيز"(11/ 203).
(8)
الروضة (10/ 128)، وانظر "التهذيب"(7/ 643).
قال في "الشرخ الصغير": وهي أولى.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنَّها محرزة إذا كان سائقها حافظًا لها، ولا فرق بين أن يكون في صحراء أو بنيان، قال: وقد جرت عادة العرب في الصحاري والأبنية بسوق إبلهم من غير تقطير.
وقال في "المهمات": الفتوى على الأول؛ فقد نص عليه في "الأم"، فقال: وأي إبل كانت لرجل تسير وهو يقودها، فيقطر بعضها إلى بعض، فسرق منها أو مما عليها شيء .. قطع فيه، ثم قال بعد ذلك: فلو اضطجع مضطجع في صحراء ووضع ثوبه بين يديه أو أرسل رجل إبله ترعى أو تمضي على الطَّرِيقِ ليست مقطرة، فسرق من هذا شيء .. لم يقطع؛ لأن العامة لا ترى هذا حرزًا (1).
5086 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (أو الكفن من القبر) قيده "المنهاج" بأن يكون ببيت، وكذا بمقبرة بطرف عمارة في الأصح، لا بمضيعة في الأصح (2)، وكذا قال "الحاوي" [ص 589]:(والكفن الشرعي لا بقبر ضائع) وفي "المحرر" و"الشرح الصغير": إنه الأظهر (3)، والذي في "الروضة" وأصلها: قطع به صاحب "المهذب" والغزالي، وعزاه الإمام إلى جماهير الأصحاب، واختار مقابله القفال والقاضي حسين، ورجحه العبادي (4).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا التقييد في كلام الشَّافعي، وممن جرى على ظاهر النص الشيخ أَبو حامد والقاضي أَبو الطيب والبندنيجي والشيخ في "التنبيه" وابن الصباغ في "الشامل"، وهو الذي يعتمد في الفتوى، وإن كان الغزالي ضعفه، ثم في كلام "المنهاج" أمور:
أحدها: أنَّه يوهم التسوية في الحكم بين المحرز ببيت والذي بمقبرة بطرف عمارة، مع أن الأول يقطع به، وإن زاد على خمسة أثواب، بل لا يختص ذلك بالكفن؛ فغيره من الثياب والدراهم والجواهر وغيرها محرزة فيه أيضًا، بخلاف الثاني؛ فإنه ليس حرزًا لما زاد على الأثواب الخمسة التي تلي الميت على الأصح؛ ولذلك قيده "الحاوي" بالشرعي (5)، وإطلاقه مدخول؛ لورود القسم الأول عليه، إلَّا أن يقال: إن كلامه فيما ليس بحرز إلَّا للكفن، والأول حرز مطلقًا، وقال أَبو الفرج الزاز: لو غالى في الكفن بحيث جرت العادة ألأَ يخلى مثل ذلك بغير حارس .. لا قطع على سارقه.
(1) الأم (6/ 148، 149).
(2)
المنهاج (ص 508).
(3)
المحرر (ص 435).
(4)
فتح العزيز (11/ 205)، الروضة (10/ 130)، وانظر "نهاية المطلب"(17/ 56)، و"المهذب"(2/ 278)، و"الوجيز"(2/ 173).
(5)
الحاوي (ص 589).
ثانيها: محل الوجهين في المقبرة بطرف العمارة ألَّا يكون لها حارس، فإن كان .. وجب القطع.
ثالثها: قيد الماوردي القبر بأن يكون عميقًا على معهود القبور، فإن دفن قريبًا من ظاهر الأرض .. لم يقطع (1)، ويخالفه قول البغوي في "فتاويه": أنَّه لو وضع على وجه الأرض ووضعت الحجارة عليه .. فهو كالدفن حتَّى يقطع بسرقة الكفن خصوصًا ما إذا كان الحفر متعذرًا، وفي زيادة "الروضة": ينبغي ألَّا يقطع إذا لم يتعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن (2).
ولو طرح على الأرض فسفت الريح التراب عليه .. لم يقطع؛ لأنه لا يسمى دفنًا، قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا (3).
5087 -
قول "التنبيه"[ص 245]: (وإن سرق المتاع من الدكاكين وفي السوق حارس .. قطع) محله: في الليل، واستثنى منه الماوردي زمن انتشار الفساد وقلة الأمن .. فلا تكون حوانيت البزازين والصيارف حرزًا فيه لأموالهم ليلًا، بل ينقلونها إلى منازلهم أو خاناتهم، حكاه عنه في "الكفاية"، ولم يعترضه (4).
5088 -
قوله: (أو سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ)(5) له شروط:
أحدها: استحفاظ الحارس.
والثاني: أن يدخل السارق للسرقة، فلو دخل على العادة ثم سرق .. فلا قطع، ذكرهما في "أصل الروضة" ناقلًا للأول عن البغوي وغيره من غير مُخَالَفَةُ (6)، وعبر شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" عن اشتراطهما بلفظ: الصواب (7)، ويرد عليه: أن البغوي قال في "فتاوى شيخه القاضي حسين" بعد نقله عن الأصحاب اشتراط الاستحفاظ: الأصح: تضمنينه وإن لم يستحفظ للعادة؛ فيكون الذي في "التهذيب" حكاية المذهب، والمختار عنده خلافه.
والثالث: أن يخرج السارق الثياب من الحمام، حكاه في "الروضة" في آخر الباب عن "فتاوى الغزالي"(8).
(1) انظر "الحاوي الكبير"(13/ 317).
(2)
الروضة (10/ 153).
(3)
انظر "فتح العزيز"(11/ 248).
(4)
انظر "الحاوي الكبير"(13/ 288).
(5)
انظر "التنبيه"(ص 245).
(6)
الروضة (10/ 141)، وانظر "التهذيب"(7/ 683).
(7)
تذكرة النبيه (3/ 474).
(8)
الروضة (10/ 153)، وانظر "فتاوى الغزالي"(ص 111، 112) مسألة (155).