الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول تعريف القضاء والقدر
1 -
تعريف القضاء لغة:
قال الجوهري: القضاء: الحكم، وأصله قضاي، لأنه من قضيت إلّا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع أقضية.
والقضية مثله، والجمع قضايا على فعالى وأصله فعائل.
وقضى أي حكم، ومنه قوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}
(1)
، وقد يكون بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه، أي قتله كأنه فرغ منه.
وسُمٌّ قاض، أي قاتل.
وقضى نحبه قضاء أي مات، وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء، تقول: قضيت ديني، ومنه قوله تعالى:{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}
(2)
.
وقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ}
(3)
، أي أنهيناه وأبلغناه ذلك.
(1)
سورة الإسراء، آية (23).
(2)
سورة الإسراء، آية (4).
(3)
سورة الحجر، آية (66).
وقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، يقال: قضاه أي صنعه وقدّره، ومنه قوله تعالى:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}
(1)
، ومنه القضاء والقدر
(2)
.
وقال ابن الأثير: تكرّر ذلك القضاء، وأصله القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاض، إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق
(3)
.
وقال الراغب الأصفهاني: القضاء فعل الأمر قولًا كان ذلك أو فعلًا، وكل واحد منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي قوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}
(4)
، أي: أمر بذلك.
وقال: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}
(5)
، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا، وعلى هذا:{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)}
(6)
.
ومن الفعل الإلهي قوله: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ}
(7)
.
وقوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}
(8)
.
(1)
سورة فصلت، آية (12).
(2)
الصحاح (6/ 2463، 2464).
(3)
النهاية لابن الأثير (4/ 78).
(4)
سورة الإسراء، آية (23).
(5)
سورة الإسراء، آية (4).
(6)
سورة الحجر، آية (66).
(7)
سورة غافر، آية (20).
(8)
سورة فصلت، آية (12).
إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
(1)
، وقوله:{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}
(2)
، أي الفصل.
ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، فإن حكم الحاكم يكون بالقول، ومن الفصل البشري:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}
(3)
، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}
(4)
، وقال تعالى:{قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ}
(5)
، وقال:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا}
(6)
، وقال:{ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ}
(7)
، أي: أفرغوا من أمركم .....
(8)
.
2 -
تعريف القدر لغة:
قال الراغب: القَدْرُ والتقدير تبيين كمية الشيء يقال قَدَرْته وقدرته، وقدّره بالتشديد أعطاه القدرة، يقال: قدّرني الله على كذا وقوّاني عليه
…
والقَدَر: وقت الشيء المقدّر له والمكان المقدّر له، قال تعالى:{إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22)}
(9)
، وقال:{فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}
(10)
، أي بقدر المكان المقدّر لأن يسعها
(11)
.
(1)
سورة البقرة، آية (117).
(2)
سورة الشورى، آية (14).
(3)
سورة البقرة، آية (200).
(4)
سورة الحج، آية (29).
(5)
سورة القصص، آية (28).
(6)
سورة الأحزاب، آية (37).
(7)
سورة يونس، آية (71).
(8)
المفردات للراغب الأصفهاني (ص 406).
(9)
سورة المرسلات، آية (22).
(10)
سورة الرعد، آية (17).
(11)
المفردات (ص 396).
وقال الجوهري: قَدْرُ الشيء: مبلغه، وقدر الله وقَدْره بمعنىً، وهو في الأصل مصدر، وقال الله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
(1)
، أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه
…
وقَدَرْت الشيء أقْدُره وأقْدِره قَدْرًا من التقدير، وفي الحديث:"إذا غمّ عليكم الهلال فاقدروا له"
(2)
، أي أتمّوا الثلاثين
(3)
.
3 -
تعريف القضاء والقدر اصطلاحًا:
اختلف عبارات العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف القضاء والقدر، فقال النووي رحمه الله تعالى:"واعلم أن مذهب أهل الحقّ إثبات القدر، ومعناه: أن الله تبارك وتعالى قدّر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى، وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدّرها سبحانه وتعالى"
(4)
.
وقال الجرجاني
(5)
: "القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء
…
والقضاء: عبارة عن الحكم الإلهي في أعيان الموجودات على ما
(1)
سورة الأنعام، آية (91).
(2)
جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الصوم (2/ 229)، ومسلم في كتاب الصيام (2/ 759) من حديث ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رمضان، فقال:"لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له".
(3)
الصحاح (2/ 786، 787).
(4)
شرح مسلم للنووي (1/ 154).
(5)
علي بن محمد بن علي أبو الحسن الحسيني الحنفي المعروف بالشريف الجرجاني، من كبار العلماء بالعربية، له مؤلّفات كثيرة منها "كتاب التعريفات"، توفّي سنة 816 هـ.
بغية الوعاة (2/ 196)، والضوء اللامع (5/ 328)، والبدر الطالع (1/ 488).
هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد
(1)
.
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "أن بعض العلماء عرّف القضاء: بأنه الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل"
(2)
.
وقال السفاريني: "القضاء إرادة الله الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال"
(3)
.
وخلاصة القول في هذا ما قاله الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، حيث قال:"أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"
(4)
.
ويقول الراغب الأصفهاني: "والقضاء من الله تعالى أخصّ من القدر لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: "أتفرّ من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله"
(5)
، تنبيهًا أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له
…
ويشهد لذلك قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا}
(6)
، وقوله:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}
(7)
، وقوله: {وَقُضِيَ
(1)
التعريفات (ص 174، 177).
(2)
فتح الباري لابن حجر (11/ 149).
(3)
لوامع الأنوار البهية (1/ 347).
(4)
معالم السنن (4/ 323).
(5)
تقدم تخريجه (ص 349).
(6)
سورة مريم، آية (21).
(7)
سورة مريم، آية (71).
الْأَمْرُ}
(1)
، أي فصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه"
(2)
.
وقد أجاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى حين سئل عن القدر، فقال:"القدر قدرة الله على العباد"
(3)
.
وقد علّق العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى على تعريف الإمام أحمد، فقال:"واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا، وقال: هذا يدلّ على دقّة علم أحمد وتبحّره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الله على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين اتّفق سلف الأمة على تكفيرهم"
(4)
.
وفي الحقيقة أن تعريف الإمام أحمد رحمه الله تعالى السابق تعريف جامع مانع، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يبين أن القدر هو ما قرّره الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى:{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}
(5)
، وقوله تعالى:{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}
(6)
، وقوله تعالى:{بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}
(7)
.
إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أن الأمور كلّها بيد الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلّا بإرادته ومشيئته تعالى.
(1)
سورة البقرة، آية (210).
(2)
المفردات (ص 407).
(3)
انظر: مسائل ابن هانئ (2/ 155).
(4)
شفاء العليل (ص 28).
(5)
سورة آل عمران، آية (154).
(6)
سورة يونس، آية (3).
(7)
سورة يس، آية (83).