المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله - ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف

[عبد الله بن سليمان الغفيلي]

فهرس الكتاب

- ‌تقريظ

- ‌تقريظ فضيلة الشيخ: حماد بن محمد الأنصاري

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول حياة ابن رجب وآثاره العلمية

- ‌الفصل الأول العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول الناحية السياسية

- ‌المبحث الثاني الحالة الاجتماعية

- ‌المبحث الثالث الحالة العلمية

- ‌الفصل الثاني حياة ابن رجب الشخصية

- ‌المبحث الأول اسمه ونسبه

- ‌المبحث الثاني كنيته ولقبه

- ‌المبحث الثالث مولده

- ‌المبحث الرابع شهرته

- ‌المبحث الخامس أسرته

- ‌المبحث السادس أخلاقه وصفاته

- ‌المبحث السابع ابن رجب والتصوف

- ‌المبحث الثامن وفاته

- ‌الفصل الثالث حياته العلمية

- ‌المبحث الأول طلبه للعلم

- ‌المبحث الثاني رحلاته في طلب العلم

- ‌المبحث الثالث شيوخه

- ‌ ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب رحمه الله تعالى

- ‌1 - ابن القيم:

- ‌2 - ابن الخباز:

- ‌3 - أبو سعيد العلائي:

- ‌المبحث الرابع تدريسه

- ‌المبحث الخامس تلاميذه

- ‌ تراجم لثلاثة من المشاهير منهم

- ‌1 - ابن الرسام:

- ‌2).2 -ابن اللحام:

- ‌3 - ابن سعيد الحنبلي:

- ‌المبحث السادس ثقافته ومؤلفاته

- ‌المبحث السابع عقيدته ومذهبه

- ‌1 - عقيدته:

- ‌2 - مذهبه:

- ‌المبحث الثامن مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

- ‌الباب الثاني أثر ابن رجب في توضيح عقيدة السلف في التوحيد وأنواعه ونواقضه

- ‌الفصل الأول تعريف التوحيد وبيان أنواعه والعلاقة بينها

- ‌المبحث الأول تعريف التوحيد لغة

- ‌المبحث الثاني تعريف التوحيد شرعًا

- ‌المبحث الثالث أنواع التوحيد

- ‌المبحث الرابع العلاقة بين أنواع التوحيد

- ‌الفصل الثاني توحيد الربوبية

- ‌المبحث الأول تعريف توحيد الربوبية لغة

- ‌المبحث الثاني تعريف توحيد الربوبية شرعًا

- ‌المبحث الثالث دلائل توحيد الربوبية

- ‌الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات

- ‌المبحث الأول تعريف توحيد الأسماء والصفات

- ‌المبحث الثاني مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وموقف ابن رجب منه

- ‌المبحث الثالث أدلة توحيد الأسماء والصفات

- ‌المبحث الرابع بيانه أن السلف أعلم وأن مذهبهم أسلم وأحكم

- ‌المبحث الخامس بيانه أن سورة الإخلاص فيها صفة الرحمن

- ‌المبحث السادس بيانه أن الاشتراك في الاسم لا يقتضي الاشتراك في المسمى

- ‌المبحث السابع ذكر جملة من الصفات التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى

- ‌المبحث الثامن شبهة والرد عليها

- ‌المبحث التاسع رده على المخالفين لمذهب السلف من المعطلة والمشبهة

- ‌المبحث العاشر تنزيه الله سبحانه وتعالى من نسبة الولد إليه

- ‌المبحث الحادي عشر علم الكلام وكلام ابن رجب عليه

- ‌الفصل الرابع توحيد الألوهية

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول تعريف توحيد الألوهية

- ‌المبحث الثاني بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها

- ‌المطلب الأول بيان معنى كلمة إله

- ‌المطلب الثاني معنى لا إله إلا الله

- ‌المطلب الثالث فضل لا إله إلا الله

- ‌المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله

- ‌المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله)

- ‌المبحث الثالث ذكر بعض أنواع العبادة

- ‌المبحث الرابع بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين

- ‌الفصل الخامس نواقض التوحيد

- ‌المبحث الأول الشرك وكلام ابن رجب عليه

- ‌المطلب الأول تعريف الشرك لغة

- ‌المطلب الثاني الشرك في الشرع وبيان أقسامه

- ‌المبحث الثاني النفاق وكلام ابن رجب عليه

- ‌المبحث الثالث البدع وكلام ابن رجب عليها

- ‌المطلب الأول معنى البدعة في اللغة والشرع

- ‌المطلب الثاني أنواع البدع

- ‌المطلب الثالث الرد على محسني البدع وكلام ابن رجب في ذلك

- ‌المطلب الرابع نماذج من البدع وكلام ابن رجب عليها

- ‌المطلب الخامس حكم البدع وأهلها

- ‌المبحث الرابع الغلو وكلام ابن رجب رحمه الله تعالى عليه

- ‌المبحث الخامس مسائل متفرقة متعلقة بهذا الفصل

- ‌1 - التنجيم

- ‌2 - التطيّر والتشاؤم

- ‌3 - الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" وقوله: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد" وقوله: "لا يورد ممرض على مصح

- ‌4 - معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث

- ‌5 - النهي عن البناء على القبور واتخاذها مساجد

- ‌6 - النهي عن سبّ الدهر

- ‌الباب الثالث أثره في توضيح عقيدة السلف في مباحث الإيمان وما يتعلق بها من مسائل

- ‌الفصل الأول معنى الإيمان وبيان أهميّته وما يتعلق به من مسائل

- ‌المبحث الأول تعريف الإيمان لغة

- ‌المبحث الثاني تعريف الإيمان شرعًا

- ‌المبحث الثالث أهمية الإيمان

- ‌المبحث الرابع زيادة الإيمان ونقصانه

- ‌المبحث الخامس العلاقة بين مسمّى الإيمان والإسلام

- ‌المبحث السادس حكم مرتكب الكبيرة

- ‌المبحث السابع مسألة تكفير الكبائر بالأعمال الصالحة

- ‌الفصل الثاني الإيمان بالملائكة والكتب والرسل

- ‌المبحث الأول الإيمان بالملائكة والكتب

- ‌المطلب الأول الإيمان بالملائكة

- ‌المطلب الثاني الإيمان بالكتب

- ‌المبحث الثاني تعريف النبيّ والرسول لغة وشرعًا

- ‌المبحث الثالث معنى الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصّلاة والسّلام

- ‌المبحث الرابع الغرض من بعثة الرسل عليهم الصّلاة والسّلام

- ‌المبحث الخامس التفاضل بين الأنبياء

- ‌المبحث السادس بعض خصائص الرسل عليهم الصّلاة والسّلام

- ‌المبحث السابع الإيمان بنبوّة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الثامن كلامه في دعوة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث التاسع بيانه فضل إرسال النبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر النجاة والسعادة في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه

- ‌الفصل الثالث الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌المبحث الأول تعريف القضاء والقدر

- ‌المبحث الثاني معنى الإيمان بالقضاء والقدر والأدلّة على ذلك

- ‌المبحث الثالث مراتب الإيمان بالقضاء والقدر

- ‌المبحث الرابع النهي عن الخوض في القدر

- ‌المبحث الخامس الرضا بالقضاء والقدر

- ‌المبحث السادس حكم تمنّي الموت وعلاقته بالقضاء والقدر

- ‌المبحث السابع القضاء والقدر وفعل الأسباب

- ‌المبحث الثامن الاحتجاج بالقدر على المعاصي وبيان معنى حديث "فحج آدم موسى

- ‌الفصل الرابع الإيمان باليوم الآخر

- ‌المبحث الأول أهمية الإيمان باليوم الآخر

- ‌المبحث الثاني الإيمان بأشراط الساعة

- ‌المبحث الثالث الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنته

- ‌المبحث الرابع الأعمال التي يعذب أو ينعم بها العبد في القبر

- ‌المبحث الخامس مستقر الأرواح

- ‌المبحث السادس الصراط

- ‌المبحث السابع بيان المراد بالورود في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}

- ‌المبحث الثامن الشفاعة

- ‌المبحث التاسع الجنة ونعيمها

- ‌المبحث العاشر رؤية الله سبحانه وتعالى في الجنة

- ‌المبحث الحادي عشر النار وعذابها

- ‌المبحث الثاني عشر خلق الجنة والنار

- ‌المبحث الثالث عشر الجنة والنار باقيتان لا تفنيان

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله

‌المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله

سبق في المبحث السابق بيان فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتي دلت عليها الأحاديث الكثيرة الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن بعض هذه الأحاديث ظاهرها التعارض في مدلولاتها وهي كما يلي:

1 -

أحاديث تدل على أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار ومنها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال عند موته: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار"

(1)

.

فيؤخذ من هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله".

2 -

أحاديث تدل على أنه من قال: لا إله إلا الله يخرج من النار ومنها حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 58).

ص: 316

من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير

"

(1)

الحديث.

فظاهر هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث يدل على أن من يقول لا إله إلا الله يدخل النار بسبب ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة وهو يتعارض مع ظاهر أحاديث القسم الأول التي تدل على أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.

وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال رحمه الله بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض "وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. وأحاديث هذا الباب نوعان:

أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها.

الثاني: ما فيه أنه يحرم على النار

(2)

.

ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أجوبة

(3)

أهل العلم في هذه الأحاديث وهي تتلخص في الأقوال التالية:

1 -

منهم من حمل الأحاديث التي فيها أنه يحرم على النار، على أن المراد بالتحريم تحريم الخلود فيها أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول بعد أن ذكر النوع الثاني

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (1/ 16) ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (1/ 182).

(2)

كلمة الإخلاص (ص 12).

(3)

انظر هذه الأجوبة في كلمة الإخلاص (12 - 21) وفي جامع العلوم والحكم (2/ 142 - 146).

ص: 317

من أنواع هذه الأحاديث وهو: ما فيه أنه يحرم على النار قال: وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله"

(1)

.... ا. هـ.

2 -

قول الذين قالوا أن هذه الأحاديث وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود وممن قال بهذا الزهري والثوري وغيرهما وهؤلاء منهم من يقول أن هذه الأحاديث منسوخة، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا وبين أنه قول بعيد فقال: "وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود" ا. هـ.

قلت: وقد ضعف ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى القولين السابقين ووصفها بأنها تأويلات مستكرهة مخالفة لما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في

(1)

تقدم تخريجه (ص 315).

ص: 318

الشهادتين: "وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار"

(1)

اهـ.

3 -

قول من قال أن ذلك خاص بمن قال: لا إله إلا الله وتاب توبة نصوحًا، فلم يأت بذنوب تنقص توحيده وتذهب بكماله ومات على ذلك فإنه يدخل الجنة ابتداء، ومن كان خلاف ذلك فهو تحت المشيئة وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل العلم، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث أبي ذر

(2)

: "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله

ويؤكد ذلك ما قاله في كتاب الجنائز حيث قال: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله

(3)

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قيل أشار بهذا -أي البخاري- إلى ما رواه أبو داود والحاكم

عن معاذ بن جبل

(1)

مدارج السالكين (1/ 330).

(2)

حديث أبي ذر في الصحيحين ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (قالها ثلاثًا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر".

أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب الثياب البيض (7/ 43) ومسلم: كتاب الإيمان (1/ 95).

(3)

صحيح البخاري (2/ 69).

ص: 319

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"

(1)

(2)

....

وقال في موضع آخر: وحاصل ما أشار إليه -أي البخاري- أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث

(3)

فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء

وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان فإن فيه:"ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه"

(4)

وهذا المفسر مقدم على المبهم

(5)

.

ولم يشر ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول في معرض ذكره لأجوبة أهل العلم في هذه المسألة.

4 -

ومنهم من قال أن الشهادتين سبب لدخول الجنة ولكن لابد من العمل لأن لا إله إلا الله هي المفتاح والأعمال هي الأسنان، ولا فائدة من مفتاح لا أسنان له، وكذلك لا تفيد لا إله إلا الله إلا مع

(1)

تقدم تخريجه (ص 310).

(2)

فتح الباري لابن حجر (3/ 109).

(3)

تقدم الحديث بالصفحة السابقة.

(4)

أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (1/ 10) ومسلم: كتاب الحدود (3/ 1333) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا

" الحديث.

(5)

فتح الباري لابن حجر (10/ 283).

ص: 320

الأعمال الصالحة، وممن قال بهذا القول الحسن البصري ووهب بن منبه

(1)

رحمهم الله تعالى.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا القول: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.

قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" ا. هـ

(2)

.

وقد رجح ابن رجب رحمه الله تعالى هذ القول ويدل على ترجيحه لذلك قوله السابق: "وهو الأظهر" كما يدل على ذلك قوله عقب هذا القول أيضا: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص كما في الصحيحين عن أبي

(1)

وهب بن منبه بن كامل بن سيج الأنباري الصنعاني، أبو عبد الله التابعي، الثقة، له معرفة بأخبار الأوائل وخاصة الإسرائيليات ولي قضاء صنعاء وكان ذا عبادة وزهد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيه: "كان ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، توفي سنة 114 هـ.

تذكرة الحفاظ (1/ 53) والبداية والنهاية (9/ 276) ومجموع الفتاوى (13/ 345) وتهذيب التهذيب (11/ 166).

(2)

ذكره البخاري في صحيحه معلقًا (2/ 69).

ص: 321

أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم"

(1)

.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"

(2)

.

فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة

(3)

.

5 -

وهو قول الذين قالوا: إن هذه الأحاديث المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى والتي تفيد بأن ذلك لمن يقولها بصدق ويقين وإخلاص.

قال ابن رجب رحمه الله: وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته" ا. هـ

(4)

.

وابن رجب رحمه الله تعالى قد شرح هذا القول مما يدل على أنه

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (7/ 72) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة (1/ 43).

(2)

أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل الجنة (1/ 44).

(3)

كلمة الإخلاص (ص 15، 19).

(4)

جامع العلوم والحكم (2/ 144).

ص: 322

يرجحه أيضًا بل أنه يعتبره قولًا موافقًا للذي قبله حيث يقول: ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى: لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلًا. ويمتلىء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس، وإرادتها ووسواس الشيطان

إلى أن قال رحمه الله: "فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار"

(1)

وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صدق في قول: لا إله إلا الله لم يجب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها"

(2)

.

والقولان الأخيران هما أحسن ما قيل في معنى هذه الأحاديث وهما في الحقيقة متفقان لا اختلاف بينهما، وهما اللذان مال إليهما ابن رجب ورجحهما لأن من قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين يقتضي ذلك منه فعل الطاعات واجتناب المحرمات.

وهذا ما رجحه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك: "وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ

(1)

تقدم تخريجه (ص 316).

(2)

جامع العلوم والحكم (2/ 145 - 148).

ص: 323

الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك

وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون ذنبًا إلا يمحى كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجع بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصًا لكنه أتى بذنوب أوهنت التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة تضعف

ص: 324

إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات

(1)

.

فقول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ولكن لابد للسبب من وجود شروطه وانتفاء موانعه وهو ما سيتضح في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.

(1)

تيسير العزيز الحميد (ص 86 - 89) ولمزيد من التفاصيل عن هذه الأحاديث وأقوال العلماء فيها. انظر شرح مسلم للنووي (1/ 217) وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر (3/ 110).

ص: 325