الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
سبق في المبحث السابق بيان فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتي دلت عليها الأحاديث الكثيرة الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن بعض هذه الأحاديث ظاهرها التعارض في مدلولاتها وهي كما يلي:
1 -
أحاديث تدل على أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار ومنها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال عند موته: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار"
(1)
.
فيؤخذ من هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله".
2 -
أحاديث تدل على أنه من قال: لا إله إلا الله يخرج من النار ومنها حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 58).
من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير
…
"
(1)
الحديث.
فظاهر هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث يدل على أن من يقول لا إله إلا الله يدخل النار بسبب ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة وهو يتعارض مع ظاهر أحاديث القسم الأول التي تدل على أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال رحمه الله بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض "وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها.
الثاني: ما فيه أنه يحرم على النار
(2)
.
ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أجوبة
(3)
أهل العلم في هذه الأحاديث وهي تتلخص في الأقوال التالية:
1 -
منهم من حمل الأحاديث التي فيها أنه يحرم على النار، على أن المراد بالتحريم تحريم الخلود فيها أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول بعد أن ذكر النوع الثاني
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (1/ 16) ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (1/ 182).
(2)
كلمة الإخلاص (ص 12).
(3)
انظر هذه الأجوبة في كلمة الإخلاص (12 - 21) وفي جامع العلوم والحكم (2/ 142 - 146).
من أنواع هذه الأحاديث وهو: ما فيه أنه يحرم على النار قال: وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله"
(1)
.... ا. هـ.
2 -
قول الذين قالوا أن هذه الأحاديث وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود وممن قال بهذا الزهري والثوري وغيرهما وهؤلاء منهم من يقول أن هذه الأحاديث منسوخة، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا وبين أنه قول بعيد فقال: "وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود" ا. هـ.
قلت: وقد ضعف ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى القولين السابقين ووصفها بأنها تأويلات مستكرهة مخالفة لما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في
(1)
تقدم تخريجه (ص 315).
الشهادتين: "وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار"
(1)
اهـ.
3 -
قول من قال أن ذلك خاص بمن قال: لا إله إلا الله وتاب توبة نصوحًا، فلم يأت بذنوب تنقص توحيده وتذهب بكماله ومات على ذلك فإنه يدخل الجنة ابتداء، ومن كان خلاف ذلك فهو تحت المشيئة وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل العلم، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث أبي ذر
(2)
: "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله
…
ويؤكد ذلك ما قاله في كتاب الجنائز حيث قال: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله
(3)
…
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قيل أشار بهذا -أي البخاري- إلى ما رواه أبو داود والحاكم
…
عن معاذ بن جبل
(1)
مدارج السالكين (1/ 330).
(2)
حديث أبي ذر في الصحيحين ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (قالها ثلاثًا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر".
أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب الثياب البيض (7/ 43) ومسلم: كتاب الإيمان (1/ 95).
(3)
صحيح البخاري (2/ 69).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"
(1)
(2)
....
وقال في موضع آخر: وحاصل ما أشار إليه -أي البخاري- أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث
(3)
فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء
…
وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان فإن فيه:"ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه"
(4)
وهذا المفسر مقدم على المبهم
(5)
.
ولم يشر ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول في معرض ذكره لأجوبة أهل العلم في هذه المسألة.
4 -
ومنهم من قال أن الشهادتين سبب لدخول الجنة ولكن لابد من العمل لأن لا إله إلا الله هي المفتاح والأعمال هي الأسنان، ولا فائدة من مفتاح لا أسنان له، وكذلك لا تفيد لا إله إلا الله إلا مع
(1)
تقدم تخريجه (ص 310).
(2)
فتح الباري لابن حجر (3/ 109).
(3)
تقدم الحديث بالصفحة السابقة.
(4)
أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (1/ 10) ومسلم: كتاب الحدود (3/ 1333) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا
…
" الحديث.
(5)
فتح الباري لابن حجر (10/ 283).
الأعمال الصالحة، وممن قال بهذا القول الحسن البصري ووهب بن منبه
(1)
رحمهم الله تعالى.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا القول: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.
قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" ا. هـ
(2)
.
وقد رجح ابن رجب رحمه الله تعالى هذ القول ويدل على ترجيحه لذلك قوله السابق: "وهو الأظهر" كما يدل على ذلك قوله عقب هذا القول أيضا: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص كما في الصحيحين عن أبي
(1)
وهب بن منبه بن كامل بن سيج الأنباري الصنعاني، أبو عبد الله التابعي، الثقة، له معرفة بأخبار الأوائل وخاصة الإسرائيليات ولي قضاء صنعاء وكان ذا عبادة وزهد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيه: "كان ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، توفي سنة 114 هـ.
تذكرة الحفاظ (1/ 53) والبداية والنهاية (9/ 276) ومجموع الفتاوى (13/ 345) وتهذيب التهذيب (11/ 166).
(2)
ذكره البخاري في صحيحه معلقًا (2/ 69).
أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم"
(1)
.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"
(2)
.
…
فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة
(3)
.
5 -
وهو قول الذين قالوا: إن هذه الأحاديث المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى والتي تفيد بأن ذلك لمن يقولها بصدق ويقين وإخلاص.
قال ابن رجب رحمه الله: وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته" ا. هـ
(4)
.
وابن رجب رحمه الله تعالى قد شرح هذا القول مما يدل على أنه
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (7/ 72) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة (1/ 43).
(2)
أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل الجنة (1/ 44).
(3)
كلمة الإخلاص (ص 15، 19).
(4)
جامع العلوم والحكم (2/ 144).
يرجحه أيضًا بل أنه يعتبره قولًا موافقًا للذي قبله حيث يقول: ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى: لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلًا. ويمتلىء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس، وإرادتها ووسواس الشيطان
…
إلى أن قال رحمه الله: "فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار"
(1)
وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صدق في قول: لا إله إلا الله لم يجب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها"
(2)
.
والقولان الأخيران هما أحسن ما قيل في معنى هذه الأحاديث وهما في الحقيقة متفقان لا اختلاف بينهما، وهما اللذان مال إليهما ابن رجب ورجحهما لأن من قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين يقتضي ذلك منه فعل الطاعات واجتناب المحرمات.
وهذا ما رجحه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك: "وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ
(1)
تقدم تخريجه (ص 316).
(2)
جامع العلوم والحكم (2/ 145 - 148).
الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك
…
وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون ذنبًا إلا يمحى كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجع بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصًا لكنه أتى بذنوب أوهنت التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة تضعف
إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات
(1)
.
فقول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ولكن لابد للسبب من وجود شروطه وانتفاء موانعه وهو ما سيتضح في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
(1)
تيسير العزيز الحميد (ص 86 - 89) ولمزيد من التفاصيل عن هذه الأحاديث وأقوال العلماء فيها. انظر شرح مسلم للنووي (1/ 217) وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر (3/ 110).