الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع بيانه أن السلف أعلم وأن مذهبهم أسلم وأحكم
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
…
وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من نطق في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة، ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.
ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولًا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا فإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم.
وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة الظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة رضي الله عنهم: "أنهم أبر الأمة قلوبًا وأعمقها علومًا وأقلها تكلفًا
…
"
(1)
.
وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا. وقال
(1)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص 368).
ابن مسعود أيضًا: "إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه"
(1)
.
فمن كثر علمه وقلّ قوله فهو ممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم
(2)
.
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
…
فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدال، والخصام، والزيادة والبيان، على مقدار الحاجة، لم يكن عيًا ولا جهلًا، ولا قصورًا، وإنما كان ورعا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع.
وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين، وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد، والرقائق، والحكم، والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه.
فمن سلك سبيلهم، فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم، ودخل في كثرة السؤال، والبحث، والجدال، والقيل والقال، فإن اعترف لهم بالفضل، وعلى نفسه بالنقص، كان حاله قريبًا
…
وإن ادَّعَى لنفسه الفضل، ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضلّ ضلالًا مبينًا، وخسر خسرانًا عظيمًا
…
(3)
.
فقد بيّن ابن رجب رحمه الله تعالى في كلامه السابق أن السلف رضي الله عنهم كانوا أهل نظر ودراية، وأنهم كانوا أسلم وأحكم وأعلم في أصول الدين وفروعه بل في كل قضية من قضايا هذا الدين الحنيف.
(1)
أخرجه أبو خيثمة في العلم (ص 135) والبخاري في الأدب المفرد (ص 267) وصححه الحافظ في الفتح (10/ 510).
(2)
فضل علم السلف على علم الخلف (ص 146).
(3)
المصدر السابق (ص 161).
وهو بهذا يرد رحمه الله تعالى على قول بعض المتأخرين الذين يقولون: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
يقول البيجوري
(1)
: وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وهي الأرجح، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى
(2)
.
ولا شك أن هذا فهم سقيم من هؤلاء المتكلمين لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بالألفاظ في القرآن والحديث من غير فقه لذلك.
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بقوله هذا بين الجهل بطريقة السلف، وتنقيصهم، وبين تفضيل طريقة الخلف ورفع مكانتهم.
والحقيقة أن الأمر ليس كما حكاه البيجوري وغيره لأن السلف رحمهم الله تعالى في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع والتسليم لأمره، وهم أعلم الأمة بنصوص الكتاب والسنة وأبلغهم في فهم معانيها على حسب مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فكيف يكون الخلف أعلم وأحكم بأسماء الله وصفاته من هؤلاء الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين، وهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن بقية الأمم الذين لم يكن لهم كتاب.
(1)
هو إبراهيم بن محمد بن أحمد البيجوري، شيخ الجامع الأزهر في وقته، كان على المذهب الشافعي في الفقه، والمذهب الأشعري في العقيدة، له عدة مؤلفات منها: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، توفي سنة 1277 هـ.
الأعلام (1/ 71) ومعجم المؤلفين (1/ 84).
(2)
تحفة المريد (ص 91).
فالحق ما ساروا عليه، والعلم ما بينوه وأوضحوه، وما عدا ذلك فهو علم لا منفعة فيه، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا فقال: فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابيعهم، إلى أن ينتهي إلى زمن أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحًا بكلام يتعلق بكلامهم.
وأما ما كان مخالفًا لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله.
ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم، ولا يلم به.
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فإنه ذلك الخير كله، مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم
(1)
.
وبهذا يتبين لنا صحة الموقف الذي اتخذه ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان حال السلف وصحة منهجهم في أمور الدين كلها.
(1)
فضل علم السلف على علم الخلف (ص 147، 148).