الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثامن شبهة والرد عليها
يقول ابن رجب رحمه الله تعالى في معرض كلامه على التنجيم وما يجره على أهله من البلاء والمصائب قال: وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته، وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين
…
(1)
.
فابن رجب رحمه الله تعالى بهذا الكلام على الذين يؤولون أحاديث النزول وينكرونها محتجين بشبهة واهية وهي قولهم: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد مما يلزم منه أن يكون الله تبارك وتعالى دائمًا نازلًا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة نظرًا لاختلاف المطالع والمغارب.
ولا شك أن هذا الاعتراض اعتراض قبيح يدل على جهل من قال به بنصوص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لله عز وجل نزولًا يليق بجلاله وعظمته لا نزولًا كنزول الخلق، لأن الخلق إذا فعلوا ذلك يلزم منه هذا
(1)
فضل علم السلف على علم الخلف (ص 23).
الاعتراض لأن ذلك من لوازمهم إذا فعلوا شيئًا من ذلك أما الرب تبارك وتعالى فهو ممتنع في حقه لأنه منزه عما يكون من صفات المخلوقين الضعفاء، فنزول الله تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته كما جاءت بذلك الأدلة.
ومن أول النزول، وحرف نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذه الصفة بمثل هذه الحجة الواهية فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله تبارك وتعالى وصفاته كأفعال الخلق وصفاتهم فشبه الله عز وجل بخلقه ووقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه.
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على هذه الشبهة فقال: "وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته"
(1)
.
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى رادًا على هذه الشبهة: "وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم، وهذا عين التمثيل، ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه، وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة كل منهم يراه مخليًا به ويناجيه لا يرى أنه متخل لغيره ولا مخاطب لغيره".
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قال العبد (الحمد لله رب العالمين) يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى عليّ عبدي"
(2)
فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك، ولا يشغله شأن عن شأن
…
(1)
شرح حديث النزول لابن تيمية (ص 106).
(2)
هذا جزء من حديث قدسي أخرجه مسلم: كتاب الصلاة (1/ 296).
ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع في تمثيل المجوس
(1)
القدرية فكيف بمن مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته يقال لهؤلاء: أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد، وهي متحركة حركة واحدة متناسبة لا تختلف، ثم إنه بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم وغاربة عن آخرين، وقريبة من قوم وبعيدة من آخرين فيكون
(1)
المجوس: هم الذين يعبدون النار، لأنهم يعتقدون أنها أعظم شيء في الدنيا ويسجدون للشمس إذا طلعت وينكرون نبوة آدم، ونوح عليهما السلام، وقالوا: لم يرسل الله عز وجل إلا رسولًا واحدًا، لا ندري من هو، ويقولون بإثبات أصلين النور والظلمة. وقد نشأت المجوسية في بلاد الفرس.
اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص 86) والرد على الرافضة (ص 134) والملل والنحل (1/ 233) والبرهان في عقائد أهل الأديان (ص 90).
والقدرية: سموا بذلك لقولهم في القدر، وهم يزعمون أن العبد يخلق فعله، وأن أفعال العباد مقدرة لهم على جهة الاستقلال، والمتقدمون منهم ينكرون علم الله بالأشياء قبل وجودها، ومنهم معبد الجهني وهم الذين كفرهم السلف.
وأما المتأخرون منهم فهم يثبتون العلم وينازعون في مرتبة الخلق، ومن أشهر فرقهم المعتزلة.
والقدرية هم مجوس هذه الأمة كما أطلق ذلك عليهم السلف، وقد وردت آثار بتسمية القدرية مجوس هذه الأمة، وبعض هذه الآثار مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما أخرجه أحمد (2/ 125) وأبو داود في سننه: كتاب السنة، باب القدر (5/ 66) وابن ماجه في سننه: المقدمة (1/ 35) وابن أبي عاصم في السنة (1/ 144، 145).
وجميع هذه الروايات ضعفها أئمة الحديث ولكن يعضد بعضها بعضًا. ووجه تسمية القدرية بمجوس هذه الأمة أنهم حين قالوا بأن الله تعالى لم يخلق الشر ولم يقدره اضطروا إلى القول بأن الإنسان هو خالق أفعاله كما تزعم المعتزلة فهم بهذا أشبهوا المجوس بقولهم أن الله إله الخير والنور، والشر والظلمة لها خالق آخر غيره بزعمهم تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
الفرق بين الفرق (114) والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (50) ومجموع الفتاوى (8/ 258، 430) ولوامع الأنوار البهية (1/ 302 - 306).
عند قوم عنها ليل، وعند قوم نهار، وعند قوم شتاء، وعند قوم صيف، وعند قوم حر، وعند قوم برد، فإذا كانت حركة واحدة يكون عنها ليل ونهار في وقت واحد لطائفتين، وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين فكيف يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداه إياهم في ثلث ليلهم وإن كان مختلفا بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، ولا يحتاج أن ينزل على هؤلاء، ثم ينزل على هؤلاء، بل في الوقت الواحد الذي يكون ثلثًا عند هؤلاء وفجرًا عند هؤلاء يكون نزوله إلى سماء هؤلاء الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا، فسبحان الله الواحد القهار {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
(1)
.
وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة وقبحها، وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأنه لا يصدر إلا من المخالفين المكذبين ومن سار على طريقهم كما بين ذلك ابن رجب رحمه الله تعالى وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.
(1)
بيان تلبيس الجهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/ 228، 229).