الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع القضاء والقدر وفعل الأسباب
الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من مباشرة الأسباب، لأن مباشرة الأسباب والأخذ بها مأمور به، وهي من قدر الله ولأن الله سبحانه وتعالى جعل مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم والثواب والعقاب والحل والحرمة وغير ذلك مرتبطة بالأسباب قائمة عليها، فالله سبحانه وتعالى قدر أن يكون الحرث سببًا في وجود الزرع، والنكاح سببًا في وجود الولد، وشرب الماء سببًا في الري، والدواء سببًا في الشفاء، والعمل الصالح سببًا في دخول الجنة، والعمل السيىء سببًا في دخول النار، مع الإيمان بأن الأسباب لا تعطي النتائج إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار، والأسباب والمسببات جميعها من أقدار الله تعالى، فلابد لنا من مباشرتها للحصول على ما ربط بها من نتائج ومسببات.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ببذل الأسباب فقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)}
(1)
وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأسباب المشروعة هي من القدر كما جاء في حديث أبي خزامة عن أبيه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من
(1)
سورة الملك آية (15).
قدر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله"
(1)
.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه"
(2)
.
ولذا فإن دعوى أن الإيمان بقضاء الله وقدره مدعاة إلى الخمول والكسل والاتكالية كما يدعي ذلك الجهلة من أهل التصوف وغيرهم دعوى باطلة لأن قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره لا يتخذ سبيلًا إلى التواكل، ولا ذريعة إلى المعاصي، وإنما يتخذ سبيلًا إلى تحقيق الغايات الكبرى من جلائل الأعمال، ولهذا كان الإيمان بالقضاء والقدر سر عظمة المسلمين الأولين لأنهم أخذوا بالأسباب وبذلوا جهدهم إنفاذًا لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد بيّن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأعدوا العدة للحرب والقتال، وفكروا ودبروا وخططوا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم استعان بالقدر على تحقيق رسالته الكبرى التي كلف بها عليه الصلاة والسلام فقام بها خير قيام فقاوم الجهل بالعلم، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وقاوم الفقر بالعمل، وقاوم المرض بالدواء، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزن والعجز والكسل.
وما غزواته المظفرة صلى الله عليه وسلم إلا دليل على أخذه بالأسباب عليه الصلاة والسلام.
وهكذا أصحابه رضي الله عنهم حيث أنهم لما سمعوا أحاديث القدر اجتهدوا في العمل أشد مما كانوا عليه ولذا كان يقول أحدهم: ما كنت
(1)
تقدم تخريجه (ص 348).
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب الاستعفاف.
ومسلم: كتاب الزكاة، باب كراهية مسألة الناس (2/ 721).
بأشد اجتهادًا مني الآن
(1)
ولهذا لما خرج عمر رضي الله عنه إلى الشام لقيه أمراء الأمصار وأخبروه بانتشار الوباء فيها فاستشار المهاجرين والأنصار، ثم مهاجرة الفتح من مشايخ قريش، فاجتمع المهاجرة على الرجوع بعدًا عن الوباء فأمر عمر بذلك، فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبًا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف"
(2)
.
فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادًا في فعلها والقيام بها، وأعظم من قيامه في أسباب معاشه ومصالح دنياه.
وبهذا يتبين أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح مع ملاحظة أن مباشرة الأسباب لا يعني تعلق القلب بها أو الاعتقاد بأنها مفضية إلى نتائجها قطعًا بل يجب أن يكون الاعتماد في حصول النتيجة على الله وحده لا على مباشرة السبب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ". . . فالالتفات إلى
(1)
انظر: شفاء العليل (ص 26).
(2)
تقدم تخريجه (ص 348).
الأسباب، واعتبارها مؤثرة في المسببات شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدًا على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعلها مع التوكل على الله كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جنة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمر به من الجهاد، ومن ترك الأسباب المأمور بها، فهو عاجز مفرط مذموم
(1)
.
وقد ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال مبينًا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأسباب والمسببات: "والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره"
(2)
.
وقال رحمه الله تعالى أيضًا: ". . . لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات، وكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون نعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. . .
(3)
. . .
(4)
.
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أنواع الأسباب فقال: "والأسباب
(1)
مجموع الفتاوى (8/ 528، 529).
(2)
لطائف المعارف (ص 83).
(3)
سورة الليل آية (5 - 10).
(4)
لطائف المعارف (ص 205).
نوعان: أحدهما: أسباب الخير فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة:{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}
(1)
.
ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة، وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها، وقل من فعل ذلك إلا وكل إليها وخذل، فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}
(2)
، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}
(3)
.
ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها ومقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم الليلة، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب"
(4)
.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"
(5)
وهذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه،
(1)
سورة آل عمران (126).
(2)
سورة النساء آية (79).
(3)
سورة النحل آية (53).
(4)
تقدم تخريجه (ص 486).
(5)
تقدم تخريجه (ص 481).
فمن أضاف شيئًا من النعم إلى غير الله مع اعتقاده أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع شرك خفي.
والنوع الثاني: أسباب الشر فلا تضاف إلا إلى الذنوب لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}
(1)
وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}
(2)
فلا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب كالعدوى أو غيرها، والمشروع اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل اتقاء المجذوم والمريض والقدوم على مكان الطاعون، وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه فإن ذلك من الطيرة المنهى عنها
(3)
.
بهذا يتبين لنا غلط كثير من الناس حيث توهموا أن فعل الأسباب وتعاطيها ينافي التوكل والاعتماد على الله، وينافي الإيمان بالقضاء والقدر وفهموا أن الإيمان بالقضاء والقدر يعني الخمول والكسل وترك فعل الأسباب وهذا غلط بيّن وهو ناتج عن عدم فهم الإيمان بالقضاء والقدر على الوجه الصحيح، والحق في هذه المسألة ما سبق بيانه، والله أعلم.
(1)
سورة النساء آية (79).
(2)
سورة الشورى آية (30).
(3)
لطائف المعارف (ص 85، 86).