الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني الحالة الاجتماعية
لقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في ذلك العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى مليئة بالفتن والصراع على السلطة وعدم الاستقرار، ولذا لا يتصور أن تكون هناك حالة اجتماعية ثابتة مستقرة، لأن الحالة السياسية كان لها تأثير بالغ على الحالة الاجتماعية، وإن من أبرز الأمور التي تتضح فيها الحالة الاجتماعية في هذه الحقبة من الزمن أمرين:
1 -
فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية.
2 -
الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.
1 -
فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية:
كان المجتمع في العصر المملوكي يتكون من طبقات ثلاث لها وزنها وتأثيرها فهناك طبقة الحكام وهي الطبقة التي لها سلطان القوة والنفوذ، وكانت هذه الطبقة لها عدة أصول فمنهم التركي، ومنهم المغولي، ومنهم الجركسي، ومنهم الصيني وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر
(1)
.
(1)
انظر العصر المماليكي في مصر والشام (ص 308) وموسوعة التاريخ الإسلامي (5/ 197).
وكانت هذه الفئات لا تشعر بالازدراء لحسن المعاملة التي كانوا يلقونها عند الأسياد لأن سلاطين المماليك قد حرصوا على العناية بمماليكهم وأتاحت الفرص لهم فقد كانوا يتعلمون القرآن وغيره من العلوم الشرعية وإذا كبر أحدهم تعلم الفروسية وفنونها، وكانوا يدخلون في مناصب الدولة ويترقون حتى يصلوا إلى رتبة الأمراء، والسلاطين
(1)
.
وقد كان الأمراء حريصين على أن يبقى المماليك منفصلين عن باقي المجتمع، وكانوا يؤيدون ذلك بالتحذيرات وإيقاع العقوبات بمن يخالفها
(2)
.
وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغد من العيش لأنهم استغلوا نفوذهم وانتصاراتهم على التتار والصليبيين فتمتعوا بخيرات البلاد وعاشوا عيشة الترف
(3)
.
الطبقة الثانية: طبقة العلماء: وهذه الطبقة تستمد قوتها من الدين نفسه، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك أن يكرم العلماء ويحوز على رضاهم لأن هؤلاء السلاطين يشعرون بأنهم غرباء على البلاد وأهلها، ولذا فهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم ويستعينون بها على إرضاء الشعب، ولم يكن أمامهم إلا العلماء لأن هؤلاء السلاطين عندما كانوا يقدمون على عمل كبير كالحروب مثلا فإنهم يحتاجون إلى من يستندون إليه لفرض أمور على الناس وهم العلماء ولذلك كانوا يحترمونهم ويسمعون كلامهم إضافة إلى أن غالب العلماء كانوا يعتمدون في حياتهم على الله تعالى ثم على الوظائف التي تسند
(1)
انظر: العصر المماليكي في مصر والشام (ص 309، 310).
(2)
انظر: النجوم الزاهرة (9/ 92) وموسوعة التاريخ الإسلامي (5/ 198).
(3)
انظر: العصر المماليكي في مصر والشام (ص 309).
إليهم، ومع ذلك فقد كان العلماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق بل كانت لهم مواقف في وجوه السلاطين جعلت هؤلاء السلاطين يخشون العلماء ويرهبون جانبهم، ومن ذلك موقف الظاهر بيبرس
(1)
من العز بن عبد السلام
(2)
فقد كان يرهبه ويخضع لنصيحته ولذا لما مات العز بن عبد السلام رحمه الله قال الظاهر بيبرس: "ما استقر ملكي إلا الآن"
(3)
.
كما كان للإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى وغيرهم من العلماء مواقف مشرفة تدل على الجرأة والثبات في قول الحق.
وكان إلى جانب هؤلاء العلماء الأبطال الذين وقفوا في وجه الباطل غير عابئين بما يلاقونه في سبيل كلمة الحق نجد آخرين لهم مواقف مغايرة سببها الحاجة أو حب الدنيا، ومن ذلك ما ذكره السيوطي عن بعض هؤلاء العلماء حيث قال: "من غريب ما رأيت على كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك صورة قصة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك يقبل الأرض ويهنئ السلطان أيد الله
(1)
هو بيبرس العلائي البندقداري الصالحي، الملك الظاهر، كان شجاعًا يباشر الحروب بنفسه، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج وله فتوحات عظيمة، توفي في دمشق سنة 676 هـ.
البداية والنهاية (13/ 260) والأعلام (2/ 79).
(2)
هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي، الدمشقي عز الدين الملقب بسلطان العلماء. قال الذهبي: برع في الفقه والأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف وبلغ رتبة الاجتهاد، توفي سنة 660 هـ.
العبر (3/ 299) وطبقات الشافعية لابن هداية (222).
(3)
انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (2/ 95) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص 31).
جنوده، أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة، وفنون الأدب، وأمله أن يعينه سلطان السلاطين، ومبيد الشياطين خلَّد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب -على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين والمسترشدين- بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله، وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصًا وعمومًا وكشف بها عن الناس أجمعين غمومًا ولمّ بها شعث الدين ما لم يكن ملمومًا، فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خياراتها، وعن يمين عنايتها غائبًا محرومًا مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم المواليد بمراعاة زمامها لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة وأعاديها مخذولة مقهورة"
(1)
.
وقد كان ابن رجب رحمه الله من العلماء العاملين الذين لم يتزلفوا إلى الحكام ويقفوا بأبوابهم، وإنما كان منقطعًا عنهم لا يتردد إليهم ولا يقبل هباتهم منشغلًا بالعلم والتعليم ودفع الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح ولا غرو في ذلك فهو تلميذ ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يعد بحق علمًا شامخًا في تاريخ الأمة الإسلامية ومفخرة عظيمة للمسلمين وموسوعة علمية نهل منها كل طالب ما يريد.
الطبقة الثالثة: طبقة عامة الناس من زراع وتجار وصناع فهذه الطبقة كانت مغلوبة على أمرها يعيشون في الفقر، وكانت الحالة الاقتصادية من أسوأ ما يكون حيث مرت على البلاد الإسلامية في تلك الأيام نوبات من القحط والمجاعة حتى أن الناس أكلوا ما وجدوا من الجمادات والحيوانات والميتات وباعوا أولادهم وأهليهم
(2)
، وكانت تقع عليهم
(1)
حسن المحاضرة (2/ 96) وما بعدها.
(2)
انظر: البداية والنهاية لابن كثير (14/ 290) وحسن المحاضرة (2/ 292).
معظم المظالم من ضرائب ومكوس، وهؤلاء هم الذين عصفت بهم التيارات المنحرفة ونشطت بهم الطرق الصوفية.
الأمر الثاني: الأوبئة والأمراض التي تعرض لها المجتمع:
لم تسلم البلاد في عهد المماليك من الأوبئة والأمراض الفتاكة التي كان لها أثر بالغ على النفوس، أدى ذلك إلى موت الآلاف من الناس وقلة الأيدي العاملة لأن عدم التحكم في مياه النيل كان يترتب عليه فساد الزراعة وقلة المحاصيل وبالتالي انتشار المجاعات المصحوبة بالأمراض والأوبئة ومن تلك الأوبئة والمجاعات: الطاعون الذي وقع سنة 749 هـ وما أصاب الناس في تلك السنة من أثره منقطع النظير حتى أنه إذا ما حل في أهل بيت من البيوت لا يكاد يخرج منه حتى يقضي عليهم بل إن هذا الوباء قد عم أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصفه: "وتواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل أن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا. . . . . . وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الأموات كل يوم إلى مئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم. . . . . وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجم غفير، ولاسيما من النساء، فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الأموات في هذا
الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون
(1)
.
وزاد الأمر أنه في يوم الاثنين ثاني عشر من شهر رجب جاءهم ريح شديدة أظلمت الدنيا منه ولقي الناس منه تعبًا شديدًا وهرعوا إلى المساجد يدعون الله ويستغفرونه يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصف هذه الريح: "وفي يوم الاثنين ثاني عشرة بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارًا شديدًا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة والخمسين، وأكثر من ذلك، خارجًا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفًا في كثير من الأيام، فإنا لله وانا إليه راجعون"
(2)
.
كما أنه في سنة 762 هـ كثرت المستنقعات من فيض النيل في الديار المصرية فانتشرت الأمراض والأوجاع وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال
(3)
.
وفي سنة 765 هـ حلت بالبلاد موجة من الجراد أتلفت المحاصيل الزراعية فغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وحل بهم الهم والغم
(4)
.
(1)
البداية والنهاية لابن كثير (14/ 237).
(2)
المصدر السابق (14/ 239).
(3)
انظر: البداية والنهاية (14/ 290).
(4)
المصدر السابق (14/ 294).
وقد انتشرت الأمراض والأوبئة في جميع أرجاء البلاد فما أن يتنفس الناس الصعداء مما هم فيه من بلاء إلا ويحل بهم أمر آخر، والله غالب على أمره وله في أفعاله حكم لا يعلمها إلا هو عز وجل، وهو سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}
(1)
.
(1)
سورة الرعد آية (11).